في وقت تتكاثف فيه التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي ألقت بظلالها الثقيلة على المشهد العام في اليمن، تبرز مدينة تعز مجددًا كمساحة للمقاومة الثقافية الهادئة، من خلال حراك ثقافي متجدد تقوده مبادرات ومؤسسات مدنية تسعى إلى إعادة الاعتبار للثقافة بوصفها ركيزة للوعي المجتمعي، وأداة أساسية لاستعادة الدور التاريخي للمدينة كمركز للإشعاع الفكري والتنوير.

ويُنظر إلى هذا الحراك بوصفه امتدادًا للإرث الثقافي الذي لطالما تميزت به تعز، حيث لعبت دورًا محوريًا في إنتاج النخب الفكرية والأدبية والفنية في اليمن، قبل أن تؤدي سنوات الحرب والحصار إلى تراجع هذا الدور. غير أن عودة الفعاليات الثقافية، والصالونات الأدبية، والمبادرات المعرفية، تعكس إرادة مجتمعية لاستعادة المكانة الثقافية للمدينة، بعيدًا عن منطق العنف والاصطفافات.

وفي هذا السياق، أقامت مؤسسة أرنيادا للتنمية الثقافية، السبت، فعالية احتفائية خاصة في مدينة تعز بمناسبة افتتاح العام الجديد لصالونها الثقافي، تحت عنوان: "بداية جديدة.. لقاء ثقافي لمراجعة عام 2025 بين الكتب، المشاهدات، وتأملات الحياة"، وسط حضور نوعي ضم نخبة من المثقفين والكتّاب والأدباء ورواد الصالون.

وشهدت الفعالية حضور مدير عام مكتب الثقافة بمحافظة تعز، الأستاذ قاسم إبراهيم، الذي عبّر عن سعادته بالأجواء التفاعلية التي سادت اللقاء، معتبرًا أن مثل هذه الفعاليات تمثل رافدًا مهمًا للحراك الثقافي في المحافظة، وتسهم في ترسيخ ثقافة القراءة والحوار، لا سيما في ظل الحاجة الملحّة لإعادة بناء الوعي المجتمعي بعد سنوات من الصراع.

وأشاد إبراهيم بالدور الذي تضطلع به مؤسسة أرنيادا في العمل الثقافي المستدام، مؤكدًا أن مكتب الثقافة يضع ضمن أولوياته خلال المرحلة القادمة تدعيم البنية المؤسسية للعمل الثقافي، وتهيئة بيئة حاضنة للمبادرات والأنشطة الإبداعية، بما يسهم في استعادة تعز لمكانتها كعاصمة للثقافة اليمنية. كما وجّه دعوة مفتوحة لكافة الفاعلين الثقافيين والمبادرات المدنية إلى العمل المشترك والتكامل، بعيدًا عن الجهود الفردية المتفرقة.

وتنوعت فقرات الفعالية بين استعراض موجز لأبرز أنشطة وقراءات صالون “أرنيادا” خلال العام المنصرم، والتي شملت مناقشة كتب فكرية وأدبية، وقراءات نقدية، وجلسات حوارية حول قضايا ثقافية ومعرفية معاصرة، إلى جانب فقرات فنية وغنائية قدّمها الفنان الشاب سيف عبدالرحمن، أضفت على اللقاء طابعًا وجدانيًا يعكس تداخل الفنون مع الفكر.

كما شهدت الفعالية قراءات شعرية لعدد من الأصوات الأدبية، من بينهم عميد المهيوبي ومحمد عبدالإله، حيث عبّرت النصوص عن هموم الإنسان اليمني، وأسئلته الوجودية، وتطلعاته للسلام والحياة، في مشهد يعكس حيوية المشهد الأدبي في تعز رغم الظروف القاسية.

واختُتمت الفعالية بنقاش مفتوح وتفاعلي بين الحاضرين، جرى خلاله تداول حصيلة عام 2025 من القراءات المعرفية والمشاهدات البصرية، إضافة إلى استعراض تطلعات المشاركين للعام الجديد، ومناقشة خطط تطوير أنشطة الصالون، من حيث توسيع دائرة المشاركة المجتمعية، واستهداف فئات الشباب والطلاب، وتعزيز الشراكات مع المؤسسات الثقافية والتعليمية في المحافظة.

ويؤكد مراقبون أن مثل هذه الفعاليات تمثل مؤشرًا واضحًا على تعافي المشهد الثقافي في تعز تدريجيًا، وتنسجم مع ما تشير إليه تقارير دولية حول أهمية الثقافة في تعزيز الصمود المجتمعي، وبناء السلام، وإعادة ترميم النسيج الاجتماعي في سياقات النزاع، وهو ما يمنح هذه المبادرات بعدًا يتجاوز النشاط الثقافي التقليدي إلى دور تنموي واستراتيجي.

المصدر

المصدر: نيوزيمن

كلمات دلالية: فی تعز

إقرأ أيضاً:

الإمارات ترسخ نموذج الاقتصاد الدائري عبر شراكات ومبادرات نوعية

لم تعد مبادرات الاقتصاد الدائري في دولة الإمارات تقتصر على الأطر البيئية أو السياسات التنظيمية، بل دخلت مرحلة التطبيق الاقتصادي المباشر، عبر مشروعات ومبادرات نوعية تستهدف تحويل المخلفات والموارد القابلة لإعادة الاستخدام إلى قيمة إنتاجية واستثمارية مستدامة، في توجه يعكس تحول الاقتصاد الدائري إلى أحد المسارات الداعمة للنمو الاقتصادي والتنويع الصناعي في الدولة.

وجاء إطلاق مبادرة "نسيج"، بتوجيهات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، كأحدث نموذج لهذا التوجه، عبر استهداف تحويل قطاع المنسوجات إلى منظومة اقتصادية دائرية متكاملة، تقوم على إعادة الاستخدام والتدوير وتقليل الهدر، بما يعزز الاستدامة الصناعية ويرسخ مفاهيم الإنتاج المسؤول.


مرحلة البناء

ويرى الدكتور حسام البكري، محلل اقتصادي، أن الإمارات تجاوزت مرحلة التوعية بمفهوم الاقتصاد الدائري إلى مرحلة بناء أدوات اقتصادية فعلية قائمة على إعادة تدوير الموارد وتحويل المخلفات إلى قيمة مضافة، مشيراً إلى أن هذا التوجه يعكس تسارع الخطوات الإماراتية خلال عامي 2025 و2026 نحو بناء منظومة متكاملة للاقتصاد الدائري، لا تعتمد فقط على التشريعات، بل تمتد إلى إطلاق مبادرات قطاعية متخصصة، وعقد شراكات صناعية واستثمارية، وتطوير أسواق ومنصات للمواد القابلة لإعادة التدوير، بما يفتح المجال أمام صناعات جديدة وفرص استثمارية مرتبطة بالاقتصاد الأخضر.
وأضاف أن أهمية مبادرات الاقتصاد الدائري تكمن في مساهمتها في إعادة تشكيل سلاسل الإنتاج والاستهلاك وفق نماذج أكثر كفاءة واستدامة، موضحاً أن تقليل الفاقد وإعادة استخدام المواد الخام ينعكس على خفض تكاليف الإنتاج، وتعزيز كفاءة الموارد، وخلق فرص استثمارية جديدة في قطاعات إعادة التدوير والتكنولوجيا النظيفة.

بتوجيهات محمد بن زايد.. إطلاق مبادرة "نسيج" لتحويل قطاع المنسوجات إلى منظومة اقتصادية دائرية - موقع 24تنفيذاً لتوجيهات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، أُطلقت المبادرة الوطنية لإعادة تدوير المنسوجات "نسيج" بوصفها توجهاً إستراتيجياً يسهم في دعم انتقال قطاع المنسوجات إلى منظومة اقتصادية دائرية تتميز بالاستدامة، وتعزز الحفاظ على الموارد.   نموذج عملي

وفي سياق متصل، يرى الدكتور البكري أن منصة "تحويل"، التي أطلقتها وزارة التغير المناخي والبيئة بالتعاون مع شركة "بيئة" في سبتمبر 2025، كأول سوق رقمية وطنية متكاملة للمواد القابلة لإعادة التدوير، تمثل نموذجاً عملياً لتحويل الاقتصاد الدائري إلى نشاط اقتصادي منظم قائم على العرض والطلب، يهدف إلى ربط منتجي النفايات القابلة للتدوير بالمصانع والمستثمرين والمشترين، وتحويل المخلفات إلى موارد تدخل مجدداً في دورة الإنتاج، موضحاً أن المنصة تخلق سوقاً فعلية للمواد المعاد تدويرها، وتفتح المجال أمام استثمارات جديدة في الخدمات البيئية والتكنولوجيا النظيفة والصناعات المرتبطة بإدارة الموارد.

فرص جديدة

وقال حمد العوضي، رجل الأعمال والعضو السابق في مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة أبوظبي، إن الاقتصاد الدائري في الإمارات لم يعد مبادرة بيئية معزولة، بل أصبح جزءاً من السياسة الصناعية والاقتصادية للدولة، لافتاً إلى أن الإمارات وضعت سياسة الاقتصاد الدائري 2021-2031، وحددت قطاعات ذات أولوية مثل التصنيع المستدام، والبنية التحتية، والنقل، والغذاء، وهو ما يعني أن الدولة تتعامل مع الاقتصاد الدائري كمنظومة إنتاج، لا كحملة توعوية.
وأضاف: "من الناحية الاقتصادية، تكمن أهمية مبادرات مثل "نسيج" و"تحويل" في أنها تنقل المخلفات من بند تكلفة إلى أصل اقتصادي قابل للتداول والتصنيع، فعندما يتم جمع المنسوجات أو البلاستيك أو المعادن أو المخلفات الإلكترونية وإدخالها مجدداً في سلاسل الإنتاج، فإننا نخفض كلفة المواد الخام، ونقلل الاستيراد، ونخلق فرصاً جديدة في الصناعات التحويلية، واللوجستيات، والتكنولوجيا النظيفة".

الإمارات تطلق منصة "تحويل" لتعزيز الاقتصاد الدائري - موقع 24زارت الدكتورة آمنة بنت عبدالله الضحاك، وزيرة التغير المناخي والبيئة، المقر الرئيسي لمجموعة "بيئة" في الشارقة، حيث شهدت توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية بين الوزارة و "بيئة" بهدف تعزيز الإدارة المتكاملة للنفايات وتسريع وتيرة الاقتصاد الدائري في الدولة، وتم خلال الحدث الإعلان عن ...
جذب الاستثمارات

وأشار العوضي إلى أن الأرقام العالمية تؤكد جدوى هذا الاتجاه، إذ قدّر الاتحاد الأوروبي أن تطبيق سياسات الاقتصاد الدائري يمكن أن يضيف نحو 0.5% إلى الناتج المحلي الأوروبي بحلول عام 2030، وأن يخلق قرابة 700 ألف وظيفة جديدة، كما تُعد هولندا من الدول المتقدمة في هذا المجال، إذ تستهدف خفض استهلاك المواد الخام الأولية بنسبة 50% بحلول عام 2030، والوصول إلى اقتصاد دائري كامل بحلول عام 2050.
ولفت إلى أن الفرصة تبدو أكبر بالنسبة لدولة الإمارات، لأنها تمتلك بنية تحتية متقدمة، وقطاعاً صناعياً نامياً، وقدرة على جذب الاستثمارات، كما أن معدلات النفايات للفرد في الدولة ما زالت مرتفعة نسبياً، إذ تشير بيانات وزارة التغير المناخي والبيئة إلى أن النفايات البلدية للفرد وصلت سابقاً إلى نحو 2.1 كجم يومياً، قبل أن تتراجع إلى نحو 1.8 كجم، وهو ما يوضح حجم الفرصة الاقتصادية الكامنة في تحويل هذه النفايات إلى مواد إنتاجية.

سوق وطني

وأضاف: "من منظور رجل أعمال، أرى أن الاقتصاد الدائري يفتح جيلاً جديداً من الفرص الاستثمارية، ليس فقط في إعادة التدوير التقليدي، بل أيضاً في مصانع المواد المعاد تدويرها، والمنصات الرقمية لتداول المخلفات، وتصميم المنتجات القابلة لإعادة الاستخدام، وسلاسل الإمداد الخضراء، وهو ما يجعل مبادرات الإمارات الأخيرة خطوة مهمة نحو بناء سوق وطنية للمواد الثانوية، وتحويل الاستدامة إلى رافعة للنمو الصناعي".

مقالات مشابهة

  • نقشٌ على {باب المدينة}(ع)
  • جامعة العاصمة تحتفل باليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية
  • حماية مدنية: إخماد 11 حريقاً عبر عدة ولايات
  • حماية مدنية: إخماد 11 حريقاً من بين 17 عبر 12 ولاية
  • المؤسسات التعليمية حائط الصد للتطرف الفكري.. لقاء ثقافي بمكتبة القاهرة
  • وفرة في المنتجات الزراعية بسناو وسط حراك اقتصادي متزايد
  • «القومي للطفولة» و«الثقافة» يبحثان تنفيذ مبادرات لتنمية الوعي لدى الأطفال
  • جامعة عين شمس والمركز الثقافي القبطي يحتفلان بتخريج دفعة من دارسي لغة الإشارة
  • الإمارات ترسخ نموذج الاقتصاد الدائري عبر شراكات ومبادرات نوعية
  • سلسلة الوعود المعطلة: من 10 × 10 إلى المدينة الجديدة واللجان.. الذاكرة لا تنسى