د. ناهد محمد الحسن

الخوف ليس نقيض الشجاعة.

الخوف إحساس بدائي، حيوي، يسبق السياسة ويصاحبها.

لكن الخطر لا يكمن في وجود الخوف، بل في من يملكه، ومن يديره، ولأي غاية.

في المجتمعات الخارجة من الحرب، لا يعيش الناس بلا خوف.

يعيشون بأنواع مختلفة منه: خوف على الأبناء،

خوف من الغد،

خوف من تكرار ما حدث،

وخوف من أن يكون الصمت هو الثمن الوحيد للبقاء.

علم النفس السياسي يميّز بين نوعين من الخوف: خوف يحمي الحياة،

وخوف يُدار لإدامة السلطة.

الأول يدفع الإنسان إلى الاحتماء، التنظيم، البحث عن ضمانات، والسعي لتغيير شروط الخطر.

أما الثاني، فيُستخدم لإبقاء المجتمع في حالة شلل:

لا يثور، لا يطالب، لا يسأل، فقط “ينجو”.

وهنا يبدأ التحول الخطير:

حين يصبح الخوف لغة عامة،

لا شعورًا فرديًا.

لغة تقول: – لا وقت للأسئلة

– لا مجال للاختلاف

– لا صوت يعلو فوق “الخطر”

– ومن يعترض، فهو إما ساذج أو خائن

بهذه اللغة، لا تُدار الحرب فقط،

بل يُدار ما بعدها.

في علم الاجتماع السياسي، تُسمى هذه الحالة تسييس الخوف.

حين تتحول المخاوف الحقيقية إلى أداة لإغلاق المجال العام،

ويُعاد تعريف “الأمان” بوصفه طاعة،

و“الاستقرار” بوصفه صمتًا،

و“النجاة” بوصفها التخلي عن السياسة.

وهنا يصبح الهتاف — مهما كان صادقًا — غير كافٍ.

لأن الهتاف يُعبّر عن الرفض،

لكنه لا يُفكك البنية التي تُنتج الخوف وتعيد تدويره.

في السودان، الخوف اليوم ليس واحدًا. هناك خوف من العسكر،

وخوف من المليشيا،

وخوف من الفوضى،

وخوف من الفراغ،

وخوف من أن يؤدي أي تغيير إلى الأسوأ.

هذه المخاوف لا تُلغى بالشعارات،

ولا تُواجه بالتخوين،

ولا تُعالج بالإنكار.

حين يُطلب من الناس “ألا يخافوا”،

يُطلب منهم عمليًا أن يكذبوا على تجربتهم.

السياسة الجادة لا تطلب من الناس الشجاعة المجردة،

بل تخلق شروطًا تجعل الخوف قابلًا للتحويل إلى فعل.

كيف؟

ليس عبر استثارة الغضب فقط،

ولا عبر استدعاء الذاكرة كجرح مفتوح،

بل عبر بناء مسارات تُقنع الناس أن الفعل أقل كلفة من الصمت.

في التجارب التي نجحت نسبيًا — جنوب أفريقيا، إيرلندا الشمالية —

لم يُلغَ الخوف،

لكن تم نقله من مستوى الشلل إلى مستوى التنظيم.

لم يُقال للناس: “لا تخافوا”،

بل قيل لهم: “الخوف مفهوم… وهذه أدوات لتقليصه”.

أما حين يُدار الخوف بلا أفق،

فإنه يتحول إلى مورد للسلطة،

يُستدعى عند كل منعطف: – لتأجيل العدالة

– لتبرير العنف

– لتخويف الناس من السياسة نفسها

وهنا يصبح أخطر ما في الخوف،

أنه يُقنع الناس بأن السياسة ترف،

وأن البقاء أهم من الكرامة،

وأن السؤال نفسه تهديد.

معركة ما بعد الحرب، إذن، ليست فقط ضد السلاح،

بل ضد احتكار الخوف.

أن نستعيد حقنا في الخوف بوصفه إحساسًا إنسانيًا،

لا أداة سياسية ضدنا.

أن نفهم أن الخوف لا يُهزم بالصراخ،

بل بتوسيع الخيارات،

وبناء الثقة،

وخلق بدائل واقعية تجعل الحياة خارج منطق العسكر ممكنة.

لهذا، فإن شعار “العسكر للثكنات”

لا ينجح فقط لأنه عادل،

بل حين يُترجم إلى مسار يخفف خوف الناس،

لا يضاعفه.

في المقال القادم، سنواجه السؤال الأصعب: كيف تتحول الشعارات، حين تُفصل عن بناء القوة الاجتماعية،

من أدوات تحرر…

إلى طقوس تُطمئن الضمير لكنها لا تغيّر الواقع؟

الوسومد. ناهد محمد الحسن

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: وخوف من خوف من

إقرأ أيضاً:

خالد الجندي: عصر “التزييف الرقمي” يفرض علينا حسن الظن وسوء الظن يهدم المجتمعات

حذر الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، من تصاعد ما وصفه بـ“عصر الفتن الرقمية” مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن الواقع أصبح ممتزجًا بالمحتوى المزيّف، ما يجعل التمييز بين الحق والباطل أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

وأوضح  الجندي، خلال حلقة برنامج "لعلهم يفقهون"، المذاع على قناة "dmc"، اليوم الثلاثاء، أن هذا الواقع الجديد يفرض على المجتمعات ضرورة التمسك بقيم أخلاقية راسخة، في مقدمتها “حسن الظن” و”التماس الأعذار”، مشيرًا إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم﴾، معتبرًا أن سوء الظن المتكرر يؤدي إلى تفكك العلاقات الاجتماعية وانهيار الثقة بين الناس.

وأشار إلى أن المجتمعات في السابق، رغم غياب وسائل الإعلام الحديثة، كانت أكثر تماسكًا بفضل انتشار ثقافة حسن الظن، والتعامل بروح العذر والرحمة بين الناس، مؤكدًا أن هذه القيم كانت عنصرًا أساسيًا في حفظ استقرار المجتمع.

واستشهد بما نُقل عن بعض السلف الصالح، ومنهم ما رُوي عن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “من علم من أخيه مروءة جميلة فلا يسمعن فيه مقالات الرجال”، في إشارة إلى ضرورة عدم الانسياق وراء الشائعات أو الروايات غير الموثوقة.

كما أشار إلى ما ورد عن العلماء في تراث التزكية والأخلاق، ومنه قول سعيد بن المسيب رحمه الله: “ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك”، موضحًا أن الأصل في التعامل بين الناس هو حمل أفعال الآخرين على الخير ما أمكن.

وأكد أن النصوص القرآنية والسنة النبوية دعت إلى هذا المعنى، مستشهدًا بقوله تعالى في سورة الحجرات، داعيًا إلى تجنب الظنون السيئة التي تزرع القطيعة بين الناس.

وشدد الجندي على أن التسرع في الحكم على الآخرين، أو الانسياق وراء محتوى مجهول المصدر عبر وسائل التواصل، يؤدي إلى فقدان الثقة وتفكك العلاقات، مؤكدًا أن “حسن الظن” ليس سذاجة، بل هو وعي أخلاقي يحمي المجتمع من الانهيار النفسي والاجتماعي.

وشدد على أن التماس الأعذار والبحث عن التفسير الإيجابي لسلوك الآخرين يخفف من التوتر الاجتماعي، ويحفظ المودة بين الناس، ويمنع تراكم الضغائن التي تهدد استقرار الأسر والمجتمعات.

اقرأ المزيد..

الزراعة: مستهدفات توريد القمح تصل لـ 5 ملايين طن ومصر الثانية عالميًا بإنتاجية الفدان أستاذ علوم سياسية: جبهة لبنان ورقة ضغط إيرانية ومسار ترامب البديل “هدن مؤقتة” خبير اقتصادي: "حياة كريمة" المبادرة الأضخم تاريخياً لبناء المواطن المصري "مجنون وناكر للجميل".. ترامب يكيل السباب لـ نتنياهو أستاذ إدارة أعمال: استمرار الصراع الأمريكي الإيراني يهدد بـ "ركود تضخمي" يضرب أسواق المال باحث علاقات دولية: إيران تشكك في مصداقية ترامب وهدنة لبنان "فخ عسكري" لتثبيت الاحتلال الصليب الأحمر اللبناني: لبنان يئن تحت وطأة "كارثة إنسانية" والنزوح المتكرر أقسى من الحرب باحثة علاقات عامة: التفاوض المباشر مع الاحتلال خيار لبنان لحماية سيادته أستاذة علوم سياسية: ترامب "ابتلع الحقيقة" أمام قوة إيران والتهدئة في لبنان "تضليل" أستاذ أمراض قلبية: هذا الوقت هو ذروة الأزمات القلبية القاتلة

مقالات مشابهة

  • نجم الزمالك السابق في زيارة لمستشفى الناس
  • حسني بي: الثروة يجب أن تصل إلى المواطن نقدا لا إلى المهرب سعرًا
  • «مسافة بين ثورتين».. كمال القاضي يوثق معركة الوعي في مصر
  • "رحلة العائلة المقدسة في الفن العالمي".. بالعدد الجديد من مجلة "مصر المحروسة"
  • خالد الجندي: عصر “التزييف الرقمي” يفرض علينا حسن الظن وسوء الظن يهدم المجتمعات
  • أذكار المساء اليوم الثلاثاء 2 يونيو 2026.. «رددها الآن»
  • خالد الجندي: عصر التزييف الرقمي يفرض علينا حسن الظن.. وسوء الظن يهدم المجتمعات
  • سامر أبو طالب يهاجم رامي صبري: مش بيرد على الرسايل
  • الإصدار السابع والخمسون من زاد الأئمة والخطباء "كن راضيا.. وإيَّاك والتباهي"
  • انطلاق القمة الروحية في دار طائفة الموحدين الدروز.. أبي المنى: لن ننقل السياسة إلى الطاولة