دلالات إعلان رئيس الحكومة المغربية عدم ترشحه لولاية ثالثة لحزبه
تاريخ النشر: 12th, January 2026 GMT
الرباط- مع استعدادات الساحة السياسية المغربية لدخول مرحلة انتخابية جديدة، جاء إعلان رئيس الحكومة عزيز أخنوش عدم ترشحه لولاية ثالثة لرئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار ليشكل محطة لافتة في مسار الحزب والحكومة معا.
وخلال اجتماع المكتب السياسي لحزبه أكد أخنوش أنه لن يترشح لقيادة الحزب في مؤتمره القادم، ورفض مقترحات قيادات لتعديل النظام الداخلي الذي يُحدد رئاسة الحزب بولايتين متتاليتين فحسب، وجعلها ثلاث ولايات، مبينا أن قراره نهائي ولا رجعة فيه.
ويأتي هذا الإعلان في وقت تستعد فيه الأحزاب السياسية المغربية للانتخابات التشريعية المزمع عقدها في سبتمبر/أيلول المقبل.
وتولى عزيز أخنوش رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار لأول مرة عام 2016، وقاد حزبه لتصدُّر الانتخابات البرلمانية في 2021، وعين بعدها رئيسا للحكومة، ثم أعيد انتخابه على رأس الحزب لولاية ثانية عام 2022.
ونقلت وسائل إعلام مغربية عن أخنوش أنه أقنع قيادات حزبه بضرورة إعطاء صورة جيدة للديمقراطية في الحزب وتسليم الدفة لقيادات أخرى بعد 10 سنوات قضاها رئيسا الحزب.
وأعلن حزب التجمع الوطني للأحرار فتح باب تلقي الترشيحات لرئاسة الحزب تبدأ من اليوم الاثنين وحتى 21 يناير/كانون الثاني الجاري. وأوضح في بيان لمكتبه السياسي، أنه قرر عقد مؤتمره الاستثنائي بمدينة الجديدة يوم 7 فبراير/شباط المقبل.
وأكد المكتب السياسي للحزب، مواصلة مساندته لعزيز أخنوش رئيسا للحكومة، ومؤازرته للأغلبية الحكومية لتمكين الحكومة من الوفاء بالتزاماتها التعاقدية، ولاستكمال تفعيل برامجها حتى انتهاء ولايتها الدستورية.
وأوضح أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، عبد العزيز قراقي، أن إعلان أخنوش، عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس حزبه، يُعد قرارا مفاجئا من الناحية السياسية، بالنظر إلى كونه قاد الحزب إلى تصدُّر الانتخابات السابقة وترؤس الحكومة وعزّز حضوره في البلاد بشكل قوي وملحوظ.
إعلانوقال قراقي للجزيرة نت إن العرف السياسي، يقتضي أن يُقْدم رؤساء الأحزاب على الاستقالة أو الانسحاب من قيادة أحزابهم في حالات الفشل الانتخابي، في حين أن حزب التجمع الوطني للأحرار يقود حاليا الحكومة، وتجربته لا تزال متواصلة، كما أن حظوظه تظل قائمة لتصدُّر الانتخابات المقبلة، وهو ما يطرح تساؤلات حول الخلفيات الحقيقية لهذا القرار.
وأكد المتحدث أن الأيام المقبلة قد تكشف تفسيرات أعمق لهذا القرار السياسي، سواء المرتبطة بالحسابات الداخلية للحزب أو بالتحولات التي يعرفها المشهد السياسي الوطني.
الحسابات والتوقيت
ورغم الطابع الطوعي الذي قُدّم به القرار، لا يستبعد مراقبون أن يكون مرتبطا بحسابات سياسية دقيقة خصوصا مع اقتراب مواعيد تنظيمية وانتخابية مفصلية، وأن يكون هذا القرار جزءا من الجواب السياسي الهادئ على الاحتجاجات التي شهدتها المملكة في سبتمبر/أيلول الماضي والتي قادها شباب الجيل زد.
وحول ذلك، يقول المحلل السياسي محمد شقير، إن أهمية إعلان رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس حزبه تكمن أساسا في توقيته، إذ يأتي في خضم الاستعدادات المبكرة للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وهو ما يمنحه دلالات سياسية تتجاوز البعد التنظيمي الداخلي للحزب.
وأضاف شقير للجزيرة نت أن هذا الإعلان قد يكون في أحد أبعاده محاولة لجس نبض الرأي العام السياسي وانتظار ردوده، خاصة أن التجربة السياسية المغربية سجلت في مناسبات سابقة إعلان قادة أحزاب عدم ترشحهم، ثم تراجعوا عن ذلك لاحقا تحت ضغط السياق السياسي أو التنظيمي.
غير أنه يعتقد أن احتمال أن يكون قرار أخنوش صادقا ونهائيا هو الأقوى، وهو قرار -في رأيه- مبرر بعدة اعتبارات، بينها الاحتجاجات التي قادها شباب الجيل زد.
وانطلقت حركة "جيل زد 212" في سبتمبر/أيلول الماضي عبر منصة "ديسكورد"، إثر وفاة 8 نساء حوامل في مستشفى عمومي بمدينة أغادير جنوبي البلاد.
وطالبت الحركة في مظاهرات امتدت أسابيع في عدة مدن بتحسين خدمات التعليم والصحة وتوفير فرص العمل قبل أن تمتد مطالبها إلى محاربة الفساد وإسقاط الحكومة ورئيسها عزيز أخنوش ومقاطعة شركاته.
وأوضح شقير أن هذه الاحتجاجات وما رافقها من جدل حول أداء رئيس الحكومة، والربط بين منصبه السياسي وامتداداته الاقتصادية، قد يكون عاملا إضافيا ساهم في اتخاذ هذا القرار.
ويضيف أن أخنوش يدرك أن الدوائر العليا لا ترى بعين الرضا تجديد انتخابه رئيسا للحكومة المقبلة إذا تصدّر حزبه الانتخابات، إذ جرى العرف أن لا يتم تجديد انتخاب رؤساء الحكومات لولايتين متتاليتين.
وأشار إلى أن أخنوش قد يكون خلص إلى أن استمراره على رأس حزبه والترشح مجددا قد يؤثر سلبا في حظوظ الحزب وأدائه الانتخابي، خاصة في ظل التنافس الحاد بين أحزاب الائتلاف الحكومي حول تصدر الاستحقاقات المقبلة.
"دماء جديدة"داخليا، ينتظر أن يفتح القرار الباب أمام صراع بين تيارات الحزب المختلفة في أفق ترتيب موازين القوى داخله، كما قد يشكل فرصة لإبراز جيل جديد من القيادات أو إعادة الاعتبار لوجوه تنظيمية ظلت في الظل خلال المرحلة السابقة.
إعلانويرى المحلل شقير أن قرار أخنوش عدم الترشح لقيادة الحزب علنا، يعني وجود سيناريو سياسي آخر يتبلور داخل الحزب لإعداد شخصية بديلة تحظى بالقبول السياسي وتُمنح مهمة قيادة الحزب نحو الانتخابات المقبلة.
وأضاف أن توقيت القرار، يمنح الحزب هامشا زمنيا كافيا لاختيار قيادة جديدة تحظى برضا الدوائر المؤثّرة، وفي الوقت نفسه تضخ دماء جديدة داخله، بما يمكن أن يعيد التفاعل الإيجابي مع الرأي العام والناخبين.
ويرى شقير أن هذا القرار قد يؤدي لتراجع نفوذ بعض المحيطين بأخنوش من رجال الأعمال أو الفاعلين الذين ارتبط حضورهم السياسي ببقائه على رأس الحزب، لكنه أكد في المقابل أن انسحاب أخنوش لن يكون له تأثير قوي أو سلبي في القوة الانتخابية للحزب.
غير أن الأكاديمي قراقي يعتقد أنه من الصعب إيجاد بديل لأخنوش داخل حزب التجمع الوطني للأحرار بنفس المواصفات والقدرة على قيادة الحزب في التحولات السياسية الكبرى المقبلة.
ويرى أن هذا القرار ستكون له نتائج داخلية وانتخابية مكلفة؛ ففي نظره فإن قدرات أخنوش السياسية والشخصية هي التي أوصلت الحزب لصدارة المشهد السياسي، وانسحابه سيكون له تأثير كبير على مستوى النتائج في الانتخابات المقبلة خاصة أنها ستشهد تحولات كبيرة ستنعكس على المشهد السياسي المحلي.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات حزب التجمع الوطنی للأحرار فی سبتمبر أیلول رئیس الحکومة قیادة الحزب هذا القرار عزیز أخنوش على رأس
إقرأ أيضاً:
العبود: المبادرة الامريكية للسلام كسرت الجمود السياسي
أكد المحلل السياسي، أحمد العبود، أن الجهود الأمريكية المتعلقة بالملف الليبي، وفي مقدمتها المبادرة الامريكية للسلام، أسهمت في تحريك عدد من المسارات السياسية والاقتصادية والأمنية التي كانت تواجه حالة من الجمود خلال الفترة الماضية.
وأوضح العبود، في حديث على قناة “ليبيا الأحرار”، أن تقييم هذه المبادرة ينبغي أن يتم من خلال النظر إلى مجمل المسارات التي تعمل عليها، مبيناً أنها تشمل الجوانب الاقتصادية والعسكرية والأمنية والسياسية، ومعتبراً أن بعض الانتقادات الموجهة إليها تتجاهل حجم التحديات التي تواجه المشهد الليبي وتعقيداته.
وأضاف أن الولايات المتحدة تعمل في إطار إعادة تموضع استراتيجي في المنطقة، وأن اهتمامها بالملف الليبي أصبح أكثر وضوحاً خلال الأشهر الأخيرة، مشيراً إلى أن التحركات الأمريكية ساهمت، وفق تقديره، في دفع بعض المسارات السياسية إلى الأمام بعد فترة من التعثر.
ورأى العبود، أن الزخم الذي تشهده بعض المبادرات السياسية الحالية، ومن بينها اجتماعات لجنة “4+4” المرتقبة في تونس، لا يمكن فصله بالكامل عن الحراك الدولي والأمريكي المتزايد تجاه الأزمة الليبية، معتبراً أن هذا الحراك ساعد على خلق مناخ أكثر ملاءمة لاستئناف الحوار بين الأطراف المختلفة.
كما استشهد العبود، بالاتفاق الذي أُعلن عنه برعاية المصرف المركزي بشأن الميزانية والإطار التنموي، معتبراً أن مجرد التوصل إلى هذا الاتفاق بعد سنوات من الانقسام يمثل خطوة مهمة في اتجاه توحيد المؤسسات الاقتصادية والمالية.
وأوضح أن الاتفاق شمل التفاهم حول الميزانية الموحدة وآليات توزيع مخصصات التنمية، مشيراً إلى أن هذه الخطوات تمثل أساساً يمكن البناء عليه في المراحل المقبلة.
وأشار إلى أن بعض الإجراءات والإصلاحات الاقتصادية بدأت بالفعل – من وجهة نظره – إلا أن تنفيذ الاتفاقات الكبرى يحتاج إلى وقت وإجراءات فنية وإدارية قبل أن تنعكس بشكل واضح على الواقع الاقتصادي، مؤكداً أن تقييم أي اتفاق يجب ألا يقتصر على نتائجه الفورية فقط، بل ينبغي النظر أيضاً إلى قدرته على إنهاء الانقسامات المؤسسية ووضع أطر مشتركة للعمل بين الأطراف المختلفة.
وأكد العبود، أن الاتفاق تم توقيعه رسمياً وأُعلن عنه من قبل الجهات المختصة، وأن العمل يتركز حالياً على استكمال الآليات والإجراءات التنفيذية اللازمة لتطبيق بنوده، معتبراً أن هذه المرحلة تمثل جزءاً طبيعياً من مسار تنفيذ أي تفاهمات مؤسسية واسعة.
وشدد على أن الحكم النهائي على نتائج المبادرات الأمريكية والمسارات المرتبطة بها يجب أن يكون بناءً على ما ستسفر عنه الأشهر المقبلة من خطوات عملية، سواء على مستوى الإصلاحات الاقتصادية أو التفاهمات السياسية والأمنية الجارية بين الأطراف الليبية.
وقال العبود، إن الحديث عن شراكة سياسية واسعة بين عدد من الأطراف الليبية لا يتعارض مع هدف الوصول إلى الانتخابات، بل يمثل، من وجهة نظره، خطوة ضرورية لتهيئة الظروف السياسية والمؤسسية اللازمة قبل الذهاب إلى أي استحقاق انتخابي.
وأضاف أن القوانين الانتخابية التي أعدتها لجنة “6+6” حاولت معالجة هذه الإشكالية من خلال الربط بين الانتخابات وبين تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تشرف على المرحلة الانتقالية وتقود البلاد نحو الاستحقاق الانتخابي.
وفي رده على الانتقادات الموجهة إلى مبادرة مسعد بولس، رفض العبود، وصف المبادرة بأنها غير موجودة أو أنها تفتقر إلى النتائج، مشيراً إلى أنها تقوم على 3 مسارات متوازية تشمل الجانب الاقتصادي، والمسار الأمني والعسكري، إضافة إلى المسار السياسي.
واعتبر أن جزءاً من الحراك السياسي الحالي، بما في ذلك الاجتماعات المرتقبة في تونس، جاء في سياق الزخم الذي وفرته التحركات الدولية والأمريكية خلال الفترة الماضية، مؤكداً أن حالة الانسداد التي وصلت إليها العملية السياسية دفعت مختلف الأطراف إلى البحث عن مقاربات جديدة للحل.
وفيما يتعلق بمسار الأمم المتحدة، رأى العبود، أن بعثة الأمم المتحدة كان بإمكانها البناء على التوافقات التي تحققت سابقاً بين مجلسي النواب والدولة، وخاصة فيما يتعلق بالقوانين الانتخابية، بدلاً من الانتقال إلى مسارات جديدة قبل استنفاد فرص معالجة النقاط الخلافية العالقة.
واعتبر العبود، أن العودة إلى طرح فكرة إجراء الانتخابات في ظل وجود حكومتين من شأنها أن تعيد الأزمة إلى نقطة البداية، معتبراً أن أي مشروع انتخابي جاد يتطلب أولاً وجود سلطة تنفيذية موحدة قادرة على إدارة العملية السياسية وضمان تنفيذ نتائجها.
وحول المضامين السياسية لمبادرة بولس، أكد العبود، أن التصورات المتداولة بشأنها تتحدث عن إعادة هيكلة السلطة التنفيذية، بما يشمل تعديل تركيبة المجلس الرئاسي، والحفاظ على وجود حكومة موحدة تضم مكونات من الحكومتين القائمتين حالياً، بما يساهم في إنهاء حالة الانقسام المؤسسي.
ولفت إلى أن عدم صدور تفاصيل رسمية كاملة حول المبادرة يعود، بحسب تقديره، إلى طبيعة التحركات الدبلوماسية التي تعتمد قدراً من السرية خلال مراحل التفاوض الأولى، بهدف توفير فرص أكبر للتوافق بين الأطراف المختلفة قبل الإعلان عن النتائج النهائية.
وبينّ أن المبادرة لا تزال في طور البناء والتشاور، وأن ما يُتداول بشأنها يمثل تصورات ومناقشات سياسية أكثر من كونه إعلاناً رسمياً نهائياً، مؤكداً أن مخرجاتها السياسية لم تُعلن بصورة كاملة حتى الآن.
ورأى العبود، أن فرص تقدم هذا المسار ما تزال قائمة، متوقعاً أن تتبلور ملامح أوضح خلال الأشهر المقبلة في ظل استمرار الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء حالة الانقسام السياسي والمؤسسي في ليبيا. مؤكدا أن الأزمة الليبية وصلت إلى مرحلة لم يعد فيها استمرار الوضع الراهن خياراً مريحاً لجميع الأطراف، ما يجعل البحث عن تسوية سياسية جديدة أمراً مطروحاً بقوة على أجندة الفاعلين المحليين والدوليين خلال الفترة القادمة.
وقال إن الحديث المتداول حول اجتماع تونس المرتقب ضمن صيغة “4+4” يأتي في سياق تطور طبيعي للمسارات السياسية الجارية في ليبيا، مشيراً إلى أن النقاشات الحالية تعكس توجهاً نحو شراكة سياسية حقيقية بين الأطراف الفاعلة بدلاً من الاكتفاء بطرح شخصيات محددة كما كان في السابق.
وأردف العبود، أن أي حديث جاد عن إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في ليبيا لا يمكن أن يتم في ظل وجود حكومتين متوازيتين، مؤكداً أن العملية الانتخابية تتطلب بالضرورة وجود حكومة موحدة كإطار تنظيمي وإداري لضمان تنفيذ الاستحقاق الانتخابي بشكل صحيح.
وأشار إلى أن محاولات سابقة داخل المسار السياسي، بما في ذلك ما صدر عن مجلس النواب، كانت تهدف إلى معالجة إشكالية غياب الحكومة الموحدة باعتبارها شرطاً أساسياً للانتقال إلى الانتخابات، إلا أن استمرار الانقسام المؤسساتي جعل هذا الهدف غير مكتمل حتى الآن.
وفيما يتعلق بالمبادرات الدولية، اعتبر العبود، أن ما يُعرف بمبادرة مسعد بولس يجري العمل عليها عبر ثلاثة مسارات رئيسية: اقتصادي ومالي، وعسكري وأمني، وسياسي. موضحا أن المسار الاقتصادي ارتبط بإصلاحات في المصرف المركزي وتعاون مع مؤسسات مالية دولية، بينما يركز المسار العسكري على لجان مختصة بملف الحدود والأمن، في حين يتناول المسار السياسي إعادة تشكيل السلطة التنفيذية وبحث ترتيبات انتقالية جديدة.
وأكد أن الاتفاقات الاقتصادية، وعلى رأسها ما يتعلق بتوحيد السياسة النقدية وإقرار ميزانية موحدة، تم توقيعها بالفعل، إلا أن تنفيذها لا يزال في مرحلة البحث عن آليات تطبيقية، مشيراً إلى أن غياب بيانات تنفيذية واضحة حتى الآن يعكس أن هذه التفاهمات لم تصل بعد إلى مرحلة التطبيق الكامل.
وفي المقابل، شدد العبود، على أن النقاش حول الشراكة السياسية، لا يجب أن يُفهم فقط كصيغة لتقاسم السلطة، بل كمرحلة انتقالية تهدف إلى توحيد المؤسسات وتهيئة بيئة سياسية مستقرة يمكن أن تقود لاحقاً إلى انتخابات شاملة.
وأضاف أن طرح توسيع دائرة الفاعلين السياسيين عبر إدماج أطراف متعددة يعكس محاولة لمعالجة الانسداد السياسي القائم، في ظل تعثر المسارات التقليدية للحل، سواء الأممية أو المحلية.
وحسب العبود، فإن المسارات الجارية، بما فيها اجتماع تونس، لا يمكن فصلها عن الحراك الدولي والإقليمي الداعم لإعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي، مشيراً إلى أن نجاح هذه الجهود يبقى مرهوناً بقدرتها على الانتقال من التفاهمات العامة إلى خطوات تنفيذية واضحة وملزمة لجميع الأطراف.
وقال إن النقاش الدائر حول ما يُعرف بـ “الشراكة السياسية الحقيقية” المطروحة ضمن المبادرات الدولية يثير مخاوف مشروعة من أن تتحول إلى صيغة لتقاسم السلطة والبقاء في الحكم بدلاً من أن تكون مرحلة انتقالية تقود إلى انتخابات شاملة. موضحا أن ضمان تحول هذه الشراكة إلى مسار انتخابي فعلي لا يقوم على عامل واحد، بل يرتكز على ثلاثة مستويات رئيسية من الضمانات.
وتابع: الضمانة الأولى تتمثل في قوة الدفع الأمريكية والانخراط الدولي في المسار السياسي، معتبراً أن هذا العامل قد يشكل مظلة ضغط وضمان نسبي لتوجيه العملية نحو الانتخابات، مقارنة بالبعثة الأممية التي وصفها بأنها ضعيفة وهشة وغير قادرة على فرض تنفيذ الاتفاقات.
وأضاف أن التجارب السابقة، مثل اتفاق الصخيرات، أظهرت، بحسب تعبيره، غياب آليات فعالة لضمان الالتزام بالمدد الزمنية والالتزامات السياسية، حيث استمرت بعض الحكومات لفترات أطول بكثير من المدد المحددة في الاتفاقات الأصلية.
أما الضمانة الثانية، حسب العبود، فتتمثل في دور البعثة الأممية عبر ما وصفه بـ “الدعم الجماعي” من أعضاء مجلس الأمن، مشيراً إلى أن فاعلية هذا الدور تبقى محدودة في ظل غياب أدوات تنفيذ مباشرة.
وأكد أن الضمانة الثالثة والأهم تتمثل في الأطراف الليبية نفسها، من خلال التزامها الفعلي بمبدأ التداول السلمي على السلطة وحماية مسار التوحيد السياسي والمؤسساتي، مشيراً إلى أن الواقع السياسي الليبي أظهر خلال مراحل سابقة تراجعاً في الالتزام بهذا المبدأ، سواء بعد انتخابات 2012 أو خلال مسارات الحوار اللاحقة.
واعتبر العبود، أن التجربة الليبية خلال السنوات الماضية لم تُظهر مؤشرات قوية على وجود التزام راسخ بمبدأ التداول السلمي للسلطة، مشيراً إلى أن نتائج الاستحقاقات الانتخابية السابقة كثيراً ما أعقبها انقسام سياسي وصراعات مؤسسية.
واستطرد: مخرجات بعض الحوارات السياسية، بما فيها الأطر الأممية، لم تكن ملزمة بما يكفي لضمان استقرار سياسي طويل الأمد أو منع إعادة إنتاج الانقسام.
وأكد العبود، أن غياب ضمانات حقيقية وملزمة على المستويات الدولية والمحلية يجعل من الصعب الجزم بأن الشراكة السياسية المطروحة حالياً ستقود بالضرورة إلى انتخابات، محذراً من إمكانية تحولها إلى صيغة دائمة لإدارة السلطة وتقاسم النفوذ بدلاً من إنهاء المرحلة الانتقالية.
وقال إن تقييم نجاح مسار “4+4” المرتبط بالحوار السياسي في تونس لا يمكن أن يتم بناءً على الإعلان أو التوقعات، وإنما عبر المخرجات الفعلية والتنفيذ على الأرض، مشدداً على أن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس إلا بما يتحقق فعلياً وليس بما يُعلن.
وأوضح العبود، أن الحديث عن نجاح أي مسار سياسي في ليبيا يجب أن يستند إلى نتائج ملموسة، مستشهداً بعمل لجنة “6+6” التي أنتجت مخرجات محددة، موضحاً أنه في حال عدم تحقق نتائج مماثلة فإن الحديث عن نجاح أي لجنة يظل غير دقيق.
وأضاف أن مسار استكمال المفوضية العليا للانتخابات يُعد مثالاً واضحاً على التحديات القائمة، مشيراً إلى أن الخلاف الحقيقي لا يتعلق بأعضاء المفوضية، بل يتركز أساساً حول منصب الرئيس، في حين أن كل طرف يقوم بتسمية ثلاثة أعضاء وفق التوافقات السابقة.
وأوضح العبود، أن هذا الترتيب، رغم التفاهمات الأولية، لم ينعكس بعد على الواقع العملي، ولم يحقق أي تغيير جوهري في سير العملية الانتخابية، ما يجعل وصفه بالإنجاز محل نقاش، وفق تعبيره. متسائلا عن جدوى اعتبار هذا التقدم إنجازاً في ظل عدم استكمال البنية المؤسسية للمفوضية، وعدم حسم ملف رئاستها، وعدم صدور أي قرارات تنفيذية نهائية من الجهات القضائية ذات الصلة.
وأشار العبود، إلى أن الإشكالية القانونية والتنظيمية ما زالت قائمة، خصوصاً فيما يتعلق بآليات ترشيح واختيار رئيس المفوضية عبر السلطة القضائية، في ظل ما وصفه بتعقيدات تتعلق بالقانون واللوائح وآليات عمل المجلس الأعلى للقضاء.
وشدد العبود على أن الإشكال القائم يتمثل في بقاء ملف رئاسة المفوضية معلقاً دون حسم، وهو ما يجعل أي توصيف للمسار بأنه “ناجح” أو “مكتمل” أمراً غير دقيق، بحسب قوله.
واختتم العبود، بالإشارة إلى أن ما يجري حالياً يمكن وصفه بأنه حالة “انتظار وترقب”، حيث يبقى الحكم على هذه المسارات مرهوناً بالمخرجات النهائية وليس بالمقدمات أو الاتفاقات الجزئية، مؤكداً أن أي إنجاز سياسي أو انتخابي سيظل “برسم المجهول” ما لم يتحول إلى خطوات تنفيذية واضحة وملزمة.