صحيفة التغيير السودانية:
2026-06-02@21:46:29 GMT

حصاد الألف يوم: عودة العهد المباد

تاريخ النشر: 12th, January 2026 GMT

حصاد الألف يوم: عودة العهد المباد

خالد فضل

الثمرة الشهية التي قطفها أنصار تنظيم الإسلاميين المؤتمر الوطني هي عودتهم بالكامل للسلطة في الأجزاء التي يسيطر عليها الجيش ومليشياته  أو التي استعاد السيطرة عليها في عمليات الكر والفر والإنسحابات المتبادلة مع قوات الدعم السريع . إنّ الذين يحصون النتائج الكارثية أو يتألمون لحجم المآسي الإنسانية والفواجع العاطفية التي حاقت بالمواطنين السودانيين أو مقدار الخسائر المادية التي لحقت بهم وبالممتلكات العامة إنما يتصورون  أنّ جماعة هذا التنظيم تنطلق مثلهم من نفس الدوافع الإنسانية والوطنية ,وربما فات عليهم في غمرة عواطفهم الجياشة أو افكارهم الخيّرة النيّرة أنّ هذا التنظيم يربي عضويته على فرضية آحادية الإتجاه مركزها هم الحق  في مقابل الآخر الذي يمثل الباطل , لذلك تعتبر كل الخسائر التي حاقت بالشعب والبلاد فداء لإنتصارهم الذي هو انتصار للخير على الشر والحق على الباطل والإسلام على الكفر .

جماعة شعارها فلترق منّا الدماء أو ترق منهم دماء أو ترق كل الدماء , ثم تتمة الأهزوجة في سبيل الله قمنا نبتغي رفع اللواء .

كان واضحا أنّ تمركز التنظيم ونواته الصلبة في قيادة وضباط القوات المسلحة بنسبة غالبة فيما يتمتعون بالسيطرة الكاملة في جهاز الأمن والمخابرات والمؤسسات الأمنية المماثلة كالإستخبارات وأقسام الشرطة الأمنية والسياسية , ثم تمركزهم في مفاصل الثروات والمال , وتمكنهم من بناء شبكات تضليل إعلامي ودعائي قوية ومؤثرة , وبالتالي امتلكوا أدوات السيطرة , البندقية والمال والبوق الدعائي . في مقابل ضعفهم السياسي والفكري وخوائهم الروحي والأخلاقي فما النتيجة المتوقعة من بشر بهذه المواصفات , وما المعيار الذي يقاس به أداء تنظيم بهذه الدرجة من الوقاحة .

لقد قال قائلهم ذات يوم أنّه يكذب ويتحرى الكذب لأنّه يدافع عن الفكرة الإسلامية والمشروع الإسلامي , وأنّ الرسول (ص) أجاز الخدعة وهي أكبر من الكذب طالما كانت النية هي نصرة الدين . هكذا ينظرون إلى الإسلام ليس كمعتقد روحي يهذّب النفوس ويرقيها في مضمار العرفان والجلوة المرتبطة بمكافحة نوازع الشر وتقليم النزوات بل عندهم الدين والإسلام مطية لتراكم الثروة وبسط الهيمنة وارتكاب الموبقات تحت ذريعة ( خلوص النوايا) , ففي تمارين البيادة الصباحية في ميدان التدريب العسكري يجب أن تكون(الجكّة دي لله) , أ رأيت باطلا متسربلا بثوب الحق أكثر من هذا يا صاح , ثم تأتي بعد الألف يوم تتحدث عن إزهاق الأرواح البريئة !! وقد قال زعيمهم عمر البشير في أمسية رمضانية حفّها حضور من أهل دارفور في مناسبة تكريم القاص إبراهيم إسحق : كيف نطلب الرحمة والغفران من الله في شهر رمضان ونحن نقتل الناس لأتفه الأسباب في دارفور . علما بأنّ المحكمة الجنائية الدولية كانت قد خلصت إلى توجيه الإتهامات لعمر البشير وأحمد هرون وعبدالرحيم محمد حسين وعلي كوشيب بالمسؤولية الجنائية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وتشمل الإغتصاب والتطهير العرقي ضد مجموعات الزغاوة والفور والمساليت على وجه التحديد ولكن  البشير وتنظيمه الإسلامي وجماعته العابدة الخاشعة لله المنافحة عن الدين الحق  وصفها بأنها إتهامات باطلة وكيدية ضد رموز الإسلام , البشير يتحدث يتساءل بصيغة التقرير عن غفران الله لمن يقتلون الناس لأتفه الأسباب , وعندما يواجه بالتحقيقات العدلية المرموقة ومسؤوليته عمّا يتساءل عنه يرد الأمر إلى كيد الكائدين , إنّه العهد الذي عاد يا صاحبي كثمرة للحرب بعد يومها الألف .

لقد حاول جمع مستنير من السودانيين/ات خاصة الأجيال الشابة شق طريق آخر مغاير يقود للوصول إلى وطن في الحدود الدنيا من المعقولية , على الأقل لا تزهق فيه الأرواح بدون سبب أو لأتفه الأسباب , واجه الشباب والشابات في طريقهم ذاك آلة القتل والقمع والإنتهاكات الجسيمة على يدي زبانية التنظيم الإسلامي المتمركزة في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والدعائية , إرتقى آلاف الشهداء على مدار ثلاثين سنة كبيسة , توجت في أبريل2019م بخلع البشير دون أن تكتمل الحلقة بتفكيك مقر القيادة ونقطة المركز الصلب في الجيش وأجهزة الأمن والمال والإعلام , فكانت الحرب آخر طلقة في جعبة كيد الإسلاميين لما رأوا فشل الإنقلاب في 25أكتوبر 2021م وترنح مقبض الزمام على وقع خطة الإتفاق الإطاري , وقد كانت الخطة تقتضي اقصاء المكون العسكري عن السيطرة على السلطة وإلزامه بحدود شغله وخضوعه للسلطة المدنية تمهيدا لإستعادة المسار الديمقراطي للبلاد , هذه التطورات تمت قراءتها جيدا من جانب تنظيم الماكرين , ولم يك من سبيل لوقف التحول والتغيير إلا عن طريق خبرتهم العدمية , فلترق كل الدماء . لذلك لا عجب البتة أن يحتفلوا بشلالات الدماء , وبأكداس الأشلاء , ويهللون لحفلات الشواء البشري يصفون القتلة بصانعي الكباب . تبا لهم تبا . لقد عادوا إلى السلطة الفعلية في بعض أنحاء السودان , لكن هناك أنحاء خرجت ولن تعود مهما عظمت التضحيات , ذاك هو الأمل الوحيد بعد الألف يوم .

 

الوسومخالد فضل

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: خالد فضل

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • في موسم حصاد البنجر.. تعرف على فوائده
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • تأثير التعديلات الجديدة على ضريبة الدمغة وانعكاساتها على سوق المال.. شاهد
  • تسهيلات غير مسبوقة لسوق المال.. إلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية وتخفيضات جمركية على الدمغة
  • مشروع قانون لاستبدال ضريبة الأرباح الرأسمالية بدمغة نسبية | تفاصيل
  • ولي العهد السعودي يعزي نجل الرئيس هادي في وفاة والده
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • جدل في الهند بعد إزالة تمثال ميسي العملاق.. قرار أمني يثير تساؤلات حول التنظيم والسلامة