من الأناضول إلى “صحراء الجليد”.. عائلة تركية تزرع الأمل في أقاصي القطب الشمالي
تاريخ النشر: 12th, January 2026 GMT
أنقرة (زمان التركية)- في بلدة “سانيرجاك” (Sanirajak) الكندية النائية، حيث تلتهم البرودة كل شيء ولا يكسر بياض الجليد سوى صخور صماء، اختارت عائلة “تشاربان” التركية أن تؤسس وطناً جديداً في أكثر بقاع الأرض قسوة.
هناك، في “صحراء الجليد” حيث لا وجود للتراب، وحيث تُرى الدببة القطبية تتجول في الشوارع كما تتجول القطط في مدننا، تعيش هذه العائلة المكونة من الأب والأم وولدين، ليعملوا كفريق تعليمي متكامل في مدرسة البلدة الوحيدة، مقدمين نموذجاً فريداً لجيل من المعلمين “المغامرين” الذين يبنون الجسور الثقافية في أصعب الظروف.
قصة الأب إركان تشاربان ليست مجرد قصة انتقال وظيفي، بل هي رحلة بقاء بدأت من مدينة “نازيلي” التركية عام 1970.
تخرج إركان من قسم الرياضيات بجامعة مرمرة عام 1993، ومنذ تلك اللحظة، لم تهدأ بوصلته.
انطلق أولاً إلى تترستان في روسيا الاتحادية، حيث قضى 16 عاماً في التدريس وتأسيس عائلة، ثم انتقل إلى بنغلاديش ليقضي فيها 9 سنوات أخرى.
إلا أن الرياح السياسية في تركيا بعد عام 2016 قلبت موازين حياته، مما اضطره للجوء إلى كندا.
هناك، لم يستسلم إركان للواقع الجديد؛ عمل في كل شيء، من وظائف بسيطة إلى مكاتب الضرائب، بينما كان يدرس ليل نهار للحصول على التراخيص الكندية لمزاولة التدريس.
وبعد رحلة بحث مضنية، جاءه القبول من مقاطعة “نونافوت” في القطب الشمالي، ليشد الرحال برفقة ابنه “أكرم” في رحلة جوية استغرقت 20 ساعة، حاملين معهما 1.5 طن من المؤن والمعدات لبدء حياة جديدة فوق الجليد.
في “سانيرجاك”، التي يسكنها نحو 1000 نسمة من شعب “الإنويت” (الذين كان يطلق عليهم “الإسكيمو”)، واجهت العائلة في البداية نظرات التشكك.
السكان المحليون اعتادوا على قدوم معلمين من الجنوب يرحلون مع انتهاء السنة الأولى بسبب قسوة المناخ. لكن إركان، بخبرته الطويلة في روسيا وبنغلاديش، عرف كيف يكسب القلوب.
في أول اجتماع للمدرسين، قال إركان بلهجة واثقة: “لقد طُردت من بلاد كثيرة، والآن أنا هنا، ولن أرحل إلا إذا طردتموني أنتم”.
هذه العزيمة، مضافاً إليها كرم الضيافة التركي، غيّرت المعادلة. أصبحت رائحة “شوربة العدس” و”المنمن” (الشكشوكة التركية) والزيتون التركي تجذب الجيران والزملاء، حتى أن مدير المدرسة وزوجته باتوا ضيوفاً دائمين على مائدة العائلة، ووصل الأمر بمتجر البلدة الوحيد إلى استيراد لحوم “حلال” خصيصاً لهذه العائلة التركية تقديراً لاندماجهم.
يروي الابن أكرم تشاربان تفاصيل مذهلة عن الحياة اليومية في البلدة. ففي الشتاء، يختفي النهار تماماً لمدة شهرين (ديسمبر ويناير)، وتصبح مواقيت الصلاة تحدياً حقيقياً؛ حيث يزحف وقت المغرب من التاسعة ليلاً ليصل إلى الثانية ظهراً في غضون أسابيع قليلة.
أما عن الأمان، فإن الخطر لا يأتي من البشر، بل من الطبيعة.
يتحدث أكرم عن صدمته عندما سأل زوجة مدير المدرسة: “ماذا أفعل إذا واجهت دباً قطبياً؟”، فأجابت بكل هدوء: “اقتله”.
اكتشف أكرم أن السلاح قطعة أساسية في كل منزل في الشمال، ليس للجريمة، بل للدفاع ضد وحوش الطبيعة التي قد تقتحم الشوارع في أي لحظة.
يسلط المقال الضوء على عادات شعب الإنويت الفريدة. فبسبب ندرة الوقود قديماً، اعتاد السكان أكل اللحوم نيئة أو مجمدة، وهي ممارسة ترفع حرارة الجسم بسرعة.
تناول أكرم وعائلته “المقطا” (Maktak)، وهو جلد الحوت مع طبقة رقيقة من الشحم، واكتشفوا أن السكان يأكلون الجلد فقط ويتركون اللحم للكلاب، في تقليد يعود لزمن كانت فيه كلاب الزلاجات هي وسيلة النقل الوحيدة التي تحتاج لقوة هائلة.
مدرسة لكل الأعمار ومأساة اجتماعية صامتة
في “سانيرجاك”، توجد مدرسة واحدة فقط تضم الجميع من الحضانة حتى الثانوية. هناك، يواجه المعلمون واقعاً اجتماعياً معقداً؛ حيث تنتشر الأمومة المبكرة بشكل كبير.
يروي إركان بذهول كيف تقابل مع طالبات في الثانوية لديهن طفلين أو ثلاثة، وكيف قامت إحدى طالباته بإحضار طفلتها من الحضانة لتعرفها عليه في الفصل.
لكن القصص الإنسانية الأكثر تأثيراً تظل خلف الأبواب المغلقة.
يحكي أكرم عن طالب دعاه للعشاء، فانفجر بالبكاء وسط المائدة، ليس بسبب حرارة التوابل، بل لأنه ولأول مرة في حياته شعر بأنه “إنسان مقبول ومحبوب” ضمن جو عائلي دافئ، وهو ما يفتقده الكثير من شباب القطب بسبب التفكك الأسري الناتج عن التحولات الثقافية السريعة.
لا تهدف عائلة تشاربان فقط إلى تدريس الرياضيات والإنجليزي، بل يسعى إركان لإلهام طلابه بأن هناك عالماً واسعاً وفرصاً تنتظرهم، محاولاً دفعهم نحو الجامعات والكليات.
إنهم لا يعيشون هناك كغرباء، بل كجزء من النسيج، يواجهون الصقيع بقلوب دافئة، ويثبتون أن رسالة المعلم لا تحدها حدود جغرافية ولا تمنعها ثلوج القطب.
Tags: Sanirajakالثلوجالحكومة التركيةالصقيعتركياجلد الحوتسانيرجاكشوربة العدسكندالاجئين أتراكنونافوتهجرة
المصدر
المصدر: جريدة زمان التركية
كلمات دلالية: الثلوج الحكومة التركية الصقيع تركيا شوربة العدس كندا لاجئين أتراك هجرة
إقرأ أيضاً:
حالة “ترامب” في عالم “الأقطاب”!
من المؤكد أنه لا إيران ولا أحد في المنطقة يريد الحرب، والحروب الأمريكية الصهيونية هي التي فرضت على إيران وأجبرتها على المواجهة للدفاع عن النفس وهو حق مشروع..
ومع ذلك وحين تمارس إيران حق الدفاع عن النفس عسكرياً أو سياسياً تفاوضياً، يبرز من يستهدف إيران ليطرح مثلاً أن إيران هي من تريد الحرب أو الحروب وقد يطرح أن موقف إيران في التعامل مع اليورانيوم المخصب أو حتى القوة الصاروخية هو تشدد وتطرف بمثابة استدعاء أو دعوة للحرب.
المتأمركون والمتصهينون لا يقبلون بأي موقف إيراني سوى استسلام إيران ولو قبلت إيران بذلك فسيسمون ذلك أنه السلام بل وقد يقبلون بعد استسلام إيران منحها عناوين إنجازات وانتصارات، فذلك لا يضر ما دامت إيران قبلت بالاستسلام..
ما يحدث مع إيران يعيدني إلى حرب ١٩٧٣م بين العرب وإسرائيل وهذه الحرب انتهت بوقف إطلاق نار ثم وساطة أو وسيط أمريكي “كيسنجر” ومفاوضات بإشراف أمريكي، والطريف أن مصر رفعت شعار أنها انتصرت وكانت تحتفل ولا زالت تحتفل في ٦ أكتوبر باعتباره عيد نصر وإسرائيل تؤكد أنها من انتصر في هذه الحرب وتحتفل بطريقتها، وبالتالي فالنصر الذي جاء من المفاوضات وبتفعيل أمريكي هو الأهم وفي سيناء مثلاً فالسيادة اعتمدت لمصر ولكن الأمن في سيناء هو لصالح إسرائيل فمنحت مصر السيادة شكلياً ولا معنى لها أو قيمة في ظل منح الأمن في سيناء لإسرائيل والواضح من هذا أن أمريكا منحت النصر لإسرائيل من خلال سيطرتها على سيناء أمنياً..
هكذا يراد استسلام إيران من خلال المفاوضات وستجد مُنظِّراً عربياً في الفضائية الروسية يقول بتسليم إيران لليورانيوم المخصب لأمريكا وقبول شروط أمريكا في المسألة النووية ومعالجة مسألة قوتها الصاروخية ومدى صواريخها، ستحقق مكاسب كبيرة وكثيرة، بل ويقدم ذلك على أنه انتصار لإيران، ومثل هذا ظل يقال لمصر والنتيحة واقعياً كحال مصر غير ما قيل وما ظل يقال مصرياً وأمريكياً..
المعضلة الكبرى وفي حالة عالمية تختلف، هي أن إيران ترفض رفضاً قاطعاً الإستسلام لا على الطريقة المصرية العربية وربطاً بها الليبية والعراقية وذلك ما يجعل ترامب أمريكا في تخبطات وتوهان وإنفعالات وتناقضات يصعب فهمها ويصعب قياسها خاصة وأمريكا طرف أساسي وأصيل في العدوان على إيران، وما تريده أمريكا مثلاً هو أن تمنح السيادة على مضيق هرمز لإيران، فيما الأمن والحركة في المضيق لأمريكا في محاكاة حالة سيناء، وأرى أن مثل هذا تم تجاوزه عالمياً أو دولياً..
أمريكا مترددة بين استحقاقات السلام في المنطقة، بل وفي العالم وبين خيار الحرب الذي باتت نتائجه بالأوضح والأرجح في غير صالح أمريكا، وقد يدفعها إلى وضع أشد صعوبه إما بطريقة فيتنام أو إفغانستان..
ترامب منذ مجيئه وصل به الحال إلى القول: «إن الله هو الذي اختاره ليعيد العظمة لأمريكا أو يعيد أمريكا إلى عظمتها”..
ما دام ترامب جيء به ليعيد العظمة لأمريكا أو يعيد أمريكا لعظمتها، فهو بوضوح يعترف أن أمريكا لم تعد العظمى أو العظيمة وكان يعنيه وعليه أن يتعامل مع العالم بواقعية وعقلانية هذا الإعتراف، ولكنه -بدلاً من ذلك- سار في كل أشكال الغطرسة والبلطجة وزج به زجاً إلى العدوان على إيران من أجل الكيان الصهيوني وتناسى إعادة العظمة لأمريكا وحتى شعار “أمريكا أولاً” ليتم اقتياده إلى شعار “إسرائيل أولاً”..
إذا الصهيونية فرضت على ترامب السير في خط “إسرائيل أولاً”، فوضع اللا حرب واللا سلم فرضه واقع ومتغيرات العالم فرضت ذلك فرضاً عليه، لأنه بات كفاقد القدرة على السير في خيار واستحقاقات السلم والسلام وهو يكذب وسيواصل في تهديدات، فيها هو فاقد القدرة على السير في خيار لحرب الذي يهدد به..
أمريكا لم تفقد في العهد “الترامبي” فقط العظمة أو العظمى، بل فقدت الهيبة والمهابة، بالرغم من كونها لا زالت حقيقة بين القوى العظمى وستظل بين أقطاب العالم متعدد الأقطاب!!.