هل يتذكر شعبنا اليمني العظيم الصابر الوفي – في كل أرجاء اليمن – ليلة أطل علينا الرفيق السابق / علي سالم البيض الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني، ونائب رئيس الجمهورية اليمنية الأسبق في مساء 21 / مايو / 1994م، ظهر علينا من قناة عدن الفضائية ليعلن – عبر بيانه السياسي – إعلان دولةٍ انفصاليةٍ سميت يومذاك ( دولة جمهورية اليمن الديمقراطية).

تلك الدولة الوليدة التي أعلن عنها من قبل المتطرفين النزقين في قيادة الحزب الاشتراكي اليمني وحلفائهم من الأحزاب والتنظيمات الموالية لهم في جنوب الوطن ..كانتْ عبارةً عن تراجعٍ قانوني ودستوري وسياسي صريحٍ عن أحكام نصوص دستور الجمهورية اليمنية الذي حرم، ومنع وجرم فكرة الانفصال من أساسه، خاصةً بعد أن جرى استفتاءٌ شعبي وجماهيري عام على دستور الجمهورية اليمنية في العام 1991م، وتمت المصادقة عليه بالإجماع من قبل مجلس النواب (البرلمان) وصدر به القرار الجمهوري يومذاك في مطلع تسعينيات القرن العشرين.

وبمجرد ذلك الإعلان المشؤوم توالت على اليمن وشعبها العظيم سلسلةٌ طويلةٌ من الحروب والاقتتال والمعاناة والمآسي، وسقوط العديد من الشهداء والضحايا والقتلى والجرحى، وتراكم العديد من التحديات القاتلة الفردية والجماعية على الأسر والعائلات، والأفراد من اليمنيين منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا، أي لحظة كتابتنا هذه المقالة.

السؤال العريض لماذا تتجرأ – – وبوقاحةٍ مفرطةٍ – عددٌ من القيادات والقوى السياسية والحزبية اليمنية على اقتراف مثل تلك الجريمة البشعة المشهودة؟

ولماذا لا تقترفها قوًى مشابهةٌ لها في ما يسميه السياسيون الدوليون «العالم الأول»، وهل هذا الطيش السياسي حكرٌ على سياسيي البلدان النامية، أو العالم الثالث؟

وللإجابة المركزة على مثل تلك التساؤلات المعقدة نحتاج إلى زمنٍ طويلٍ ،ومبرراتٍ سياسيةٍ وقانونيةٍ وخبراتٍ فقهيةٍ متراكمةٍ، لكننا نستطيع أن نقول بإيجازٍ جم، بأن الحكمة الذهنية الإيمانية العميقة، والعقل السياسي السوي، والإيمان الراسخ بمصالح الأوطان والأمم والشعوب، والابتعاد عن نزق السياسة الطائشة، والصبر العميق لمواجهة التحديات الكبرى، والقراءة العميقة لجذور التحديات الوطنية مع الإلمام بتاريخها الضارب في جذور المجتمع، كل تلك العوامل كفيلةٌ بأن تجنب القائد السياسي، وصاحب القرار تكرار الأخطاء التاريخية القاتلة بحق الوطن والشعب، والأمة.

ولمقارنة تكرار تلك الخطيئة البائسة التي تجرع شعبنا اليمني الآلام والمآسي منذ أن اتخذ الاشتراكيون تلك المعصية الكبرى وانتهتْ في 7 / يوليو / 1994م، نلاحظ أن الأغبياء من السياسيين يكررون ذات الخطيئة والجرم، إذ تابع شعبنا اليمني – وعبر قناة عدن الفضائية، وبقية وسائل الإعلام المختلفة – أن الضابط الفاشل المتمرد عسكريا / عيدروس بن قاسم الزبيدي يعلن في يوم الجمعة الموافق 2 / يناير / 2026م، هذه المرة من قناة عدن المستقلة الفضائية التابعة للمجلس الانتقالي، الممولة من قبل مشيخة الإمارات العربية المتحدة ، أن يعلن بيانًا سياسيا هو إعلانٌ دستوري، حدد فيه بدء مرحلةٍ انتقاليةٍ مدتها سنتان، وبعدها يجري تصويتٌ جنوبي لبدء فصل جنوب اليمن عن شماله، أي الانفصال التدريجي كما أسماه.

وبطبيعة الحال استغل الضابط المسرح / عيدروس بن قاسم الزبيدي وطغمته الحاكمة في عدن الدعم العسكري والمالي والسياسي والإعلامي الهائل وغير المحدود من مشيخة أبوظبي الإماراتية، والذي مكنه من السيطرة الكلية على العاصمة …

… ومرتزق المملكة العربية السعودية اللواء الخائن / رشاد محمد العليمي، رئيس ما سمي مجلس القيادة الرئاسي الذي نصبته المملكة السعودية في هذا المنصب، استغل الزبيدي ضعف وتردد المدعو / العليمي في اتخاذ أي قرارٍ سياسي وقانوني حازمٍ تجاه جملة الخروقات القانونية التي اقترفها المجلس الانتقالي وعصابته في المحافظات الجنوبية.

إن إعلان قرار الانفصال من قبل الزبيدي هو تكرارٌ فظيعٌ للخطيئة التي وقع فيها الرفيق الأسبق / علي سالم البيض وعصابته من قيادة الحزب الاشتراكي اليمني قبل 32 عامًا.

لماذا يكرر نفرٌ من الحكام السياسيين اليمنيين تلك الخطيئة والجريمة السياسية والقانونية المشهودة، وهي انفصال جنوب اليمن عن شماله والتي أضرت كثيرًا بالشعب اليمني قاطبةً؟

أولاً: لتذكير الأجيال فحسب، بأننا مازلنا في الجمهورية اليمنية وعاصمتها صنعاء نعيش تحت حربٍ عدوانيةٍ ظالمةٍ، وحصارٍ جوي وبحري وبري جائرٍ وتعتيمٍ إعلامي وسياسي وثقافي خانقٍ من قبل دول العدوان التي تقودها المملكة السعودية والمدعومة من أمريكا USA والمنظومة الإمبريالية الغربية، شنوا علينا حربًا همجيةً وحشيةً منذ صبيحة يوم الخميس الموافق 26 / مارس / 2015م وما زالت مستمرةً ، حتى لحظة كتابتنا مقالتنا هذه في مطلع عام 2026م، فكيف سيتخيل القارئ اللبيب بعد حينٍ من الزمان بأننا استطعنا كيمنيين بإمكاناتنا المتواضعة أن نتعايش مع عدوان المملكة السعودية، ومعها 17 دولةً عربيةً وإسلاميةً، وأن نثبت مكانة دولةٍ يمنيةٍ حرةٍ في هذه الجغرافيا الطاهرة لها ما لها وعليها ما عليها.

ثانياً: نعود لموضوع مقالتنا السياسية، وهو لماذا يكرر الضابط المسرح / عيدروس الزبيدي، وطغمته المتهورة المتطرفة خطأ وخطيئة وعثرة الرفيق الأسبق / علي سالم البيض، ورفاقه المخضرمين في حكاية الانفصال والتمرد، أليس هذا تساؤلًا مشروعًا سيردده الحكماء والعقلاء والمنصفون في قادم الأيام، وكذلك سينبهر من الحدث القراء من طلاب الدراسات العليا في الجامعات والمراكز العلمية أعوامًا وأعوامًا، وستردده الجدات، وهن يحكين تجاربهن في الحياة، وسيلوك هذه السيرة ماضغو القات في كل جلسات القات الدافئة والساخنة.

ثالثاً: حينما يعلن المتمرد / عيدروس الزبيدي ذلك الإعلان الدستوري البائس، ومعه شلةٌ من طغمته النرجسية السيكوباثية، والذين توقعنا ذات يومٍ بأنهم بشرٌ أسوياء من فصيلة العقلاء من حركة الحراكيش اليمنية، لكنهم وللأسف طلعوا (أي كلام كما) يردد الشارع اليمني، هذا الإعلان المتهور البائس جعلهم في مرمى حجرٍ وخصومةٍ مباشرةٍ من جميع خصومهم السياسيين اليمنيين أكانوا وحدويين، أم انفصاليين وصولًا إلى العدو التاريخي للشعب اليمني، وهم حكام المملكة السعودية.

رابعاً : المتابع الحصيف للشأن السياسي اليمني سيلاحظ بأن عددًا من السياسيين اليمنيين بأنهم امتهنوا حرفة المعارضة برفع شعار مظلومية اليمنيين الجنوبين تحت يافطة (القضية الجنوبية)، يترزقون من ورائها بأموالٍ ملوثةٍ من أموال الجيران لدول مجلس التعاون العربي أو من دول الإقليم، ويأتي ذلك السياسي المخضرم في العمالة والارتزاق للدول المجاورة لليمن، حاملًا معه شنطةً منتفخةً بمالٍ قذرٍ، ويبدأ يستغل حاجة البسطاء الفقراء من جمهور مدينة عدن والمحافظات الجنوبية والشرقية، ليبدؤوا وبشكلٍ تدريجي باجتماعاتٍ سريةٍ وعلنيةٍ، وينظموا المهرجانات والمسيرات الاحتجاجية والاعتصامات وقطع الشوارع وصولًا إلى إغلاق الأسواق والمحال التجارية بقوة البلطجة من أبناء الشوارع من المدن والأرياف.

في تلك المنابر الشوارعية يظهر علينا ذلك السياسي العميل المرتزق وهو يبشر جموع المحتشدين المحتجين من اليمنيين البسطاء، ويردد عليهم بصوتٍ إعلامي جهوري ليقول للحضور بأن فجر الحرية قد أوشك على الانبلاج، وأن إعلان دولة الانفصال الجنوبي هو قاب قوسين أو أدنى إلى الظهور، ونلاحظ بأنه يتم تهييج الشارع البسيط بالشعارات العاطفية المدغدغة.

ويتذكر المواطنون الشرفاء من اليمنيين من هي تلك الشخصيات السياسية التي حضرت للشوارع والساحات الجنوبية محاطةً بزبانيتها ومطبليها ودواشنها، ويعمل له برنامجه لأسبوعين إلى ثلاثةٍ في الشوارع والفنادق ومقايل القات، وبعد أن يلوث الوسط الاجتماعي بسموم أحاديثه، يتجه إلى مطار عدن أو الريان أو سيئون ليستقل طائرته المتجهة إلى ذلك البلد المستقر فيه، إن كان في بلدان مجلس التعاون الخليجي / الفارسي، أو في الوطن العربي، أو في البلدان الأوروبية.

خامساً : منذ أن غادر / علي سالم البيض هاربًا من مدينتي عدن والمكلا إلى سلطنة عمان، وهروب / عيدروس بن قاسم الزبيدي إلى جمهورية أرض الصومال متجهًا صوب أبو ظبي، هناك شخصياتٌ سياسيةٌ جنوبيةٌ موْتورةٌ حلت ضيفاً ثقيلاً على مدينة عدن وعواصم المحافظات الجنوبية والشرقية، والثابت بأن الأرشيف التوثيقي للإعلام الرسمي والأهلي والخاص ما يزال يحتفظ بأسمائهم ووفودهم، وتحركاتهم، وبعض أحاديثهم، وخطاباتهم الممجوجة ما تزال محفوظةً في سجل تاريخ الشعب اليمني الطيب الصبور.

وجميعهم تواروا غير مأسوفٍ عليهم بعيدًا بعيدًا بعيدًا خلف الآفاق اللامتناهية، في المدن البعيدة التي بنوا لهم فيها مستقبلهم وأبناءهم وأحفادهم وبعض أسرهم، وتركوا الشعب اليمني البسيط يتلظى بنيران التمني والحسرات، وانتظار المجهول، هكذا هم السياسيون التافهون الكاذبون، تركوا خلفهم شعوبهم.

سادساً : جميع هؤلاء السياسيين الفاشلين المروجين لأكذوبة الانفصال ودولة الجنوب الانفصالية يعيشون خارج الوطن منعمين مع أسرهم القريبة والممتدة، يعيشون في المنافي الاختيارية وعلى حساب مموليهم السعوديين والإماراتيين والقطريين والبريطانيين والأمريكان، ويتركون شعبهم اليمني الصابر المحتسب يكتوي بنار الحروب والفقر والمآسي.

ما يقول الشعب اليمني العظيم في حق هؤلاء المجرمين المروجين للرذائل السياسية والحزبية، وتجار الحروب والمخدرات؟

سابعاً : علينا في هذا المقام، وفي هذه اللحظات التاريخية الحاسمة، أن نتذكر شخصياتٍ سياسيةً يمنيةً وطنيةً وحدويةً، البعض منها قد استشهد، وآخرون لا مايزالون أبطالًا أحياءً، أطال الله في أعمارهم، لتكون ذكراهم طاقةً حيةً، ووقودًا متوقدًا لماكينةٍ وطنيةٍ مندفعةٍ ومحفزةٍ لجميع الطامحين من شباب الأجيال الصاعدة؛ للحفاظ على تماسك الوطن اليمني العظيم وشعبه الصامد، وثبات دولة الوحدة اليمنية المباركة.

الخلاصة : الرموز اليمنية العظيمة هي التي خلدها التاريخ في سجلاته الناصعة البياض، والانفصاليون والمرتزقة والخونة الذين خدموا العدوان السعودي الإماراتي الأمريكي الإسرائيلي الصهيوني، هؤلاء سود الله وجوههم، وأخزاهم دنيا وآخرةً.

«وفوْق كل ذي علْمٍ عليْمٌ»

 

*عضو المجلس السياسي الأعلى

المصدر

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

العبود: المبادرة الامريكية للسلام كسرت الجمود السياسي

أكد المحلل السياسي، أحمد العبود، أن الجهود الأمريكية المتعلقة بالملف الليبي، وفي مقدمتها المبادرة الامريكية للسلام، أسهمت في تحريك عدد من المسارات السياسية والاقتصادية والأمنية التي كانت تواجه حالة من الجمود خلال الفترة الماضية.

وأوضح العبود، في حديث على قناة “ليبيا الأحرار”، أن تقييم هذه المبادرة ينبغي أن يتم من خلال النظر إلى مجمل المسارات التي تعمل عليها، مبيناً أنها تشمل الجوانب الاقتصادية والعسكرية والأمنية والسياسية، ومعتبراً أن بعض الانتقادات الموجهة إليها تتجاهل حجم التحديات التي تواجه المشهد الليبي وتعقيداته.

وأضاف أن الولايات المتحدة تعمل في إطار إعادة تموضع استراتيجي في المنطقة، وأن اهتمامها بالملف الليبي أصبح أكثر وضوحاً خلال الأشهر الأخيرة، مشيراً إلى أن التحركات الأمريكية ساهمت، وفق تقديره، في دفع بعض المسارات السياسية إلى الأمام بعد فترة من التعثر.

ورأى العبود، أن الزخم الذي تشهده بعض المبادرات السياسية الحالية، ومن بينها اجتماعات لجنة “4+4” المرتقبة في تونس، لا يمكن فصله بالكامل عن الحراك الدولي والأمريكي المتزايد تجاه الأزمة الليبية، معتبراً أن هذا الحراك ساعد على خلق مناخ أكثر ملاءمة لاستئناف الحوار بين الأطراف المختلفة.

كما استشهد العبود، بالاتفاق الذي أُعلن عنه برعاية المصرف المركزي بشأن الميزانية والإطار التنموي، معتبراً أن مجرد التوصل إلى هذا الاتفاق بعد سنوات من الانقسام يمثل خطوة مهمة في اتجاه توحيد المؤسسات الاقتصادية والمالية.

وأوضح أن الاتفاق شمل التفاهم حول الميزانية الموحدة وآليات توزيع مخصصات التنمية، مشيراً إلى أن هذه الخطوات تمثل أساساً يمكن البناء عليه في المراحل المقبلة.

وأشار إلى أن بعض الإجراءات والإصلاحات الاقتصادية بدأت بالفعل – من وجهة نظره – إلا أن تنفيذ الاتفاقات الكبرى يحتاج إلى وقت وإجراءات فنية وإدارية قبل أن تنعكس بشكل واضح على الواقع الاقتصادي، مؤكداً أن تقييم أي اتفاق يجب ألا يقتصر على نتائجه الفورية فقط، بل ينبغي النظر أيضاً إلى قدرته على إنهاء الانقسامات المؤسسية ووضع أطر مشتركة للعمل بين الأطراف المختلفة.

وأكد العبود، أن الاتفاق تم توقيعه رسمياً وأُعلن عنه من قبل الجهات المختصة، وأن العمل يتركز حالياً على استكمال الآليات والإجراءات التنفيذية اللازمة لتطبيق بنوده، معتبراً أن هذه المرحلة تمثل جزءاً طبيعياً من مسار تنفيذ أي تفاهمات مؤسسية واسعة.

وشدد على أن الحكم النهائي على نتائج المبادرات الأمريكية والمسارات المرتبطة بها يجب أن يكون بناءً على ما ستسفر عنه الأشهر المقبلة من خطوات عملية، سواء على مستوى الإصلاحات الاقتصادية أو التفاهمات السياسية والأمنية الجارية بين الأطراف الليبية.

وقال العبود، إن الحديث عن شراكة سياسية واسعة بين عدد من الأطراف الليبية لا يتعارض مع هدف الوصول إلى الانتخابات، بل يمثل، من وجهة نظره، خطوة ضرورية لتهيئة الظروف السياسية والمؤسسية اللازمة قبل الذهاب إلى أي استحقاق انتخابي.

وأضاف أن القوانين الانتخابية التي أعدتها لجنة “6+6” حاولت معالجة هذه الإشكالية من خلال الربط بين الانتخابات وبين تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تشرف على المرحلة الانتقالية وتقود البلاد نحو الاستحقاق الانتخابي.

وفي رده على الانتقادات الموجهة إلى مبادرة مسعد بولس، رفض العبود، وصف المبادرة بأنها غير موجودة أو أنها تفتقر إلى النتائج، مشيراً إلى أنها تقوم على 3 مسارات متوازية تشمل الجانب الاقتصادي، والمسار الأمني والعسكري، إضافة إلى المسار السياسي.

واعتبر أن جزءاً من الحراك السياسي الحالي، بما في ذلك الاجتماعات المرتقبة في تونس، جاء في سياق الزخم الذي وفرته التحركات الدولية والأمريكية خلال الفترة الماضية، مؤكداً أن حالة الانسداد التي وصلت إليها العملية السياسية دفعت مختلف الأطراف إلى البحث عن مقاربات جديدة للحل.

وفيما يتعلق بمسار الأمم المتحدة، رأى العبود، أن بعثة الأمم المتحدة كان بإمكانها البناء على التوافقات التي تحققت سابقاً بين مجلسي النواب والدولة، وخاصة فيما يتعلق بالقوانين الانتخابية، بدلاً من الانتقال إلى مسارات جديدة قبل استنفاد فرص معالجة النقاط الخلافية العالقة.

واعتبر العبود، أن العودة إلى طرح فكرة إجراء الانتخابات في ظل وجود حكومتين من شأنها أن تعيد الأزمة إلى نقطة البداية، معتبراً أن أي مشروع انتخابي جاد يتطلب أولاً وجود سلطة تنفيذية موحدة قادرة على إدارة العملية السياسية وضمان تنفيذ نتائجها.

وحول المضامين السياسية لمبادرة بولس، أكد العبود، أن التصورات المتداولة بشأنها تتحدث عن إعادة هيكلة السلطة التنفيذية، بما يشمل تعديل تركيبة المجلس الرئاسي، والحفاظ على وجود حكومة موحدة تضم مكونات من الحكومتين القائمتين حالياً، بما يساهم في إنهاء حالة الانقسام المؤسسي.

ولفت إلى أن عدم صدور تفاصيل رسمية كاملة حول المبادرة يعود، بحسب تقديره، إلى طبيعة التحركات الدبلوماسية التي تعتمد قدراً من السرية خلال مراحل التفاوض الأولى، بهدف توفير فرص أكبر للتوافق بين الأطراف المختلفة قبل الإعلان عن النتائج النهائية.

وبينّ أن المبادرة لا تزال في طور البناء والتشاور، وأن ما يُتداول بشأنها يمثل تصورات ومناقشات سياسية أكثر من كونه إعلاناً رسمياً نهائياً، مؤكداً أن مخرجاتها السياسية لم تُعلن بصورة كاملة حتى الآن.

ورأى العبود، أن فرص تقدم هذا المسار ما تزال قائمة، متوقعاً أن تتبلور ملامح أوضح خلال الأشهر المقبلة في ظل استمرار الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء حالة الانقسام السياسي والمؤسسي في ليبيا. مؤكدا أن الأزمة الليبية وصلت إلى مرحلة لم يعد فيها استمرار الوضع الراهن خياراً مريحاً لجميع الأطراف، ما يجعل البحث عن تسوية سياسية جديدة أمراً مطروحاً بقوة على أجندة الفاعلين المحليين والدوليين خلال الفترة القادمة.

وقال إن الحديث المتداول حول اجتماع تونس المرتقب ضمن صيغة “4+4” يأتي في سياق تطور طبيعي للمسارات السياسية الجارية في ليبيا، مشيراً إلى أن النقاشات الحالية تعكس توجهاً نحو شراكة سياسية حقيقية بين الأطراف الفاعلة بدلاً من الاكتفاء بطرح شخصيات محددة كما كان في السابق.

وأردف العبود، أن أي حديث جاد عن إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في ليبيا لا يمكن أن يتم في ظل وجود حكومتين متوازيتين، مؤكداً أن العملية الانتخابية تتطلب بالضرورة وجود حكومة موحدة كإطار تنظيمي وإداري لضمان تنفيذ الاستحقاق الانتخابي بشكل صحيح.

وأشار إلى أن محاولات سابقة داخل المسار السياسي، بما في ذلك ما صدر عن مجلس النواب، كانت تهدف إلى معالجة إشكالية غياب الحكومة الموحدة باعتبارها شرطاً أساسياً للانتقال إلى الانتخابات، إلا أن استمرار الانقسام المؤسساتي جعل هذا الهدف غير مكتمل حتى الآن.

وفيما يتعلق بالمبادرات الدولية، اعتبر العبود، أن ما يُعرف بمبادرة مسعد بولس يجري العمل عليها عبر ثلاثة مسارات رئيسية: اقتصادي ومالي، وعسكري وأمني، وسياسي. موضحا أن المسار الاقتصادي ارتبط بإصلاحات في المصرف المركزي وتعاون مع مؤسسات مالية دولية، بينما يركز المسار العسكري على لجان مختصة بملف الحدود والأمن، في حين يتناول المسار السياسي إعادة تشكيل السلطة التنفيذية وبحث ترتيبات انتقالية جديدة.

وأكد أن الاتفاقات الاقتصادية، وعلى رأسها ما يتعلق بتوحيد السياسة النقدية وإقرار ميزانية موحدة، تم توقيعها بالفعل، إلا أن تنفيذها لا يزال في مرحلة البحث عن آليات تطبيقية، مشيراً إلى أن غياب بيانات تنفيذية واضحة حتى الآن يعكس أن هذه التفاهمات لم تصل بعد إلى مرحلة التطبيق الكامل.

وفي المقابل، شدد العبود، على أن النقاش حول الشراكة السياسية، لا يجب أن يُفهم فقط كصيغة لتقاسم السلطة، بل كمرحلة انتقالية تهدف إلى توحيد المؤسسات وتهيئة بيئة سياسية مستقرة يمكن أن تقود لاحقاً إلى انتخابات شاملة.

وأضاف أن طرح توسيع دائرة الفاعلين السياسيين عبر إدماج أطراف متعددة يعكس محاولة لمعالجة الانسداد السياسي القائم، في ظل تعثر المسارات التقليدية للحل، سواء الأممية أو المحلية.

وحسب العبود، فإن المسارات الجارية، بما فيها اجتماع تونس، لا يمكن فصلها عن الحراك الدولي والإقليمي الداعم لإعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي، مشيراً إلى أن نجاح هذه الجهود يبقى مرهوناً بقدرتها على الانتقال من التفاهمات العامة إلى خطوات تنفيذية واضحة وملزمة لجميع الأطراف.

وقال إن النقاش الدائر حول ما يُعرف بـ “الشراكة السياسية الحقيقية” المطروحة ضمن المبادرات الدولية يثير مخاوف مشروعة من أن تتحول إلى صيغة لتقاسم السلطة والبقاء في الحكم بدلاً من أن تكون مرحلة انتقالية تقود إلى انتخابات شاملة. موضحا أن ضمان تحول هذه الشراكة إلى مسار انتخابي فعلي لا يقوم على عامل واحد، بل يرتكز على ثلاثة مستويات رئيسية من الضمانات.

وتابع: الضمانة الأولى تتمثل في قوة الدفع الأمريكية والانخراط الدولي في المسار السياسي، معتبراً أن هذا العامل قد يشكل مظلة ضغط وضمان نسبي لتوجيه العملية نحو الانتخابات، مقارنة بالبعثة الأممية التي وصفها بأنها ضعيفة وهشة وغير قادرة على فرض تنفيذ الاتفاقات.

وأضاف أن التجارب السابقة، مثل اتفاق الصخيرات، أظهرت، بحسب تعبيره، غياب آليات فعالة لضمان الالتزام بالمدد الزمنية والالتزامات السياسية، حيث استمرت بعض الحكومات لفترات أطول بكثير من المدد المحددة في الاتفاقات الأصلية.

أما الضمانة الثانية، حسب العبود، فتتمثل في دور البعثة الأممية عبر ما وصفه بـ “الدعم الجماعي” من أعضاء مجلس الأمن، مشيراً إلى أن فاعلية هذا الدور تبقى محدودة في ظل غياب أدوات تنفيذ مباشرة.

وأكد أن الضمانة الثالثة والأهم تتمثل في الأطراف الليبية نفسها، من خلال التزامها الفعلي بمبدأ التداول السلمي على السلطة وحماية مسار التوحيد السياسي والمؤسساتي، مشيراً إلى أن الواقع السياسي الليبي أظهر خلال مراحل سابقة تراجعاً في الالتزام بهذا المبدأ، سواء بعد انتخابات 2012 أو خلال مسارات الحوار اللاحقة.

واعتبر العبود، أن التجربة الليبية خلال السنوات الماضية لم تُظهر مؤشرات قوية على وجود التزام راسخ بمبدأ التداول السلمي للسلطة، مشيراً إلى أن نتائج الاستحقاقات الانتخابية السابقة كثيراً ما أعقبها انقسام سياسي وصراعات مؤسسية.

واستطرد: مخرجات بعض الحوارات السياسية، بما فيها الأطر الأممية، لم تكن ملزمة بما يكفي لضمان استقرار سياسي طويل الأمد أو منع إعادة إنتاج الانقسام.

وأكد العبود، أن غياب ضمانات حقيقية وملزمة على المستويات الدولية والمحلية يجعل من الصعب الجزم بأن الشراكة السياسية المطروحة حالياً ستقود بالضرورة إلى انتخابات، محذراً من إمكانية تحولها إلى صيغة دائمة لإدارة السلطة وتقاسم النفوذ بدلاً من إنهاء المرحلة الانتقالية.

وقال إن تقييم نجاح مسار “4+4” المرتبط بالحوار السياسي في تونس لا يمكن أن يتم بناءً على الإعلان أو التوقعات، وإنما عبر المخرجات الفعلية والتنفيذ على الأرض، مشدداً على أن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس إلا بما يتحقق فعلياً وليس بما يُعلن.

وأوضح العبود، أن الحديث عن نجاح أي مسار سياسي في ليبيا يجب أن يستند إلى نتائج ملموسة، مستشهداً بعمل لجنة “6+6” التي أنتجت مخرجات محددة، موضحاً أنه في حال عدم تحقق نتائج مماثلة فإن الحديث عن نجاح أي لجنة يظل غير دقيق.

وأضاف أن مسار استكمال المفوضية العليا للانتخابات يُعد مثالاً واضحاً على التحديات القائمة، مشيراً إلى أن الخلاف الحقيقي لا يتعلق بأعضاء المفوضية، بل يتركز أساساً حول منصب الرئيس، في حين أن كل طرف يقوم بتسمية ثلاثة أعضاء وفق التوافقات السابقة.

وأوضح العبود، أن هذا الترتيب، رغم التفاهمات الأولية، لم ينعكس بعد على الواقع العملي، ولم يحقق أي تغيير جوهري في سير العملية الانتخابية، ما يجعل وصفه بالإنجاز محل نقاش، وفق تعبيره. متسائلا عن جدوى اعتبار هذا التقدم إنجازاً في ظل عدم استكمال البنية المؤسسية للمفوضية، وعدم حسم ملف رئاستها، وعدم صدور أي قرارات تنفيذية نهائية من الجهات القضائية ذات الصلة.

وأشار العبود، إلى أن الإشكالية القانونية والتنظيمية ما زالت قائمة، خصوصاً فيما يتعلق بآليات ترشيح واختيار رئيس المفوضية عبر السلطة القضائية، في ظل ما وصفه بتعقيدات تتعلق بالقانون واللوائح وآليات عمل المجلس الأعلى للقضاء.

وشدد العبود على أن الإشكال القائم يتمثل في بقاء ملف رئاسة المفوضية معلقاً دون حسم، وهو ما يجعل أي توصيف للمسار بأنه “ناجح” أو “مكتمل” أمراً غير دقيق، بحسب قوله.

واختتم العبود، بالإشارة إلى أن ما يجري حالياً يمكن وصفه بأنه حالة “انتظار وترقب”، حيث يبقى الحكم على هذه المسارات مرهوناً بالمخرجات النهائية وليس بالمقدمات أو الاتفاقات الجزئية، مؤكداً أن أي إنجاز سياسي أو انتخابي سيظل “برسم المجهول” ما لم يتحول إلى خطوات تنفيذية واضحة وملزمة.

مقالات مشابهة

  • العبود: المبادرة الامريكية للسلام كسرت الجمود السياسي
  • مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق: مستقبل لبنان مرتبط بنتائج التفاوض بين طهران وواشنطن
  • ارتفاع أم هبوط؟.. أسعار الدواجن و البيض اليوم الأربعاء 3 يونيو 2026
  • برج العذراء.. حظك اليوم الأربعاء 3 يونيو 2026: تجنب تكرار الأخطاء
  • نكسة الخيانة والغرور
  • الإمارات و7 دول تحمّل إسرائيل مسؤولية تكرار الانتهاكات في المسجد الأقصى
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • جريمة قتل ضحيتها 4 أشخاص تهز الجالية اليمنية في الولايات المتحدة الأمريكية
  • كيف بدأ علي سالم رحلته التجارية؟.. قصة كفاح من سوق الجملة إلى النجاح | فيديو
  • حماس: مستعدون لتسليم إدارة غزة ومجلس السلام عاجز أمام الاحتلال