نقف اليوم وفي زمنٍ تتبدّل فيه الأقنعة، ولا يتبدّل فيه الجوهر، أمام مفارقة تكاد تكون الأكثر صعوبة في التاريخ المعاصر: عالمٌ يعيد إنتاج الاستعمار بأدوات جديدة، ولغة خشنة، وشخصيات ترى في القوة غاية بحد ذاتها. واقع يقوده سياسيون على شاكلة دونالد ترامب، مقابل عالمٍ آخر يولد من تحت الركام، عالم أطفال غزة، الذين يبدعون الحياة وهم محاصرون بالموت.
الاستعمار القديم لم يمت، بل غيّر جلده. لم يعد يأتي على ظهر السفن الحربية وبوارج الطائرات ومتن القاذفات فقط، بل عبر صفقات سياسية، وخطابات شعبوية، ونزعات استعلائية، ترى في الآخر عبئاً لا شريكاً، وخادماً لا صديقاً، وعبداً لا حليفاً. شخصية ترامب ما هي إلا تجسيد فاقع لهذا التحوّل، أو علها تكون الشخصية الواضحة التي لفظت المساحيق ونبذت التجميل وواجهت الأمور بصخب لطالما أخفي بفعل الكذب والخداع والمواربة؛ فترامب لم يكن يوما مجرّد رئيس سابق، بل نموذجا لفلسفة سياسية تعيد تعريف العلاقات الدولية بلغة «الصفقات»، وتختزل القيم الإنسانية في ميزان الربح والخسارة لتنتصر لمصالحها ونزواتها ومطامحها، من دون اكتراث بالتنميق والمجاملة والمداهنة. فمن يراقب مواقفه من فلسطين، ومن العالم العربي وأوروبا وروسيا والصين، وتعامله داخلياً مع قضايا اللاجئين والمال والأعمال، وصولاً إلى خصومه السياسيين، ليدرك أن ما يُسوّق كـ»واقعية سياسية» ليس سوى إعادة إنتاج فجة لمنطق الهيمنة والعبودية، حيث يُعاد رسم الخرائط، وفق مزاج الأقوى، ويُمنح المحتل شرعية لفظية ووجودية وتسليحية، بينما يُدان الضحية حتى لمجرد الصراخ والشكوى.
وفي الجهة الأخرى من المشهد، هناك أطفال غزة. ليسوا مادة للأخبار العاجلة فقط، ولا صورا دامية في نشرات المساء فحسب، بل هم أيضاً طاقة خلاقة تقاوم الفناء بالإبداع. هنا تبرز المفارقة الكبرى: كيف لطفلة مثل لين الفرا وحسام العطار (نيوتن غزة) وغيرهما، ممن لم يعرفوا من العالم سوى الحصار والعدوان، أن يتسلحوا بكاميراتهم وهواتفهم وسمّاعاتهم أو بفرشهم وأناملهم الغضة، فيحوّلون الألم إلى لوحة إبداعية، والخوف إلى ظهور برّاق وآسر، والركام إلى حكاية أمل؟ هؤلاء الأطفال لا يمتلكون منصات إعلامية، ولا شركات علاقات عامة، لكنهم يمتلكون ما هو أعمق: البراءة في مبتغاهم، والجمال في روحهم، والإصرار في حضورهم، والروعة في إراداتهم، والصمود في نكباتهم، بينما يقف خلفهم جيلٌ من الآباء والأمهات المتسلحين بفيض الأمل وبراعة البقاء.
بين عالم ترامب وعالم أطفال غزة وأهليهم مسافة أخلاقية شاسعة. الأول يروّج لسياسة العدوان، ولغة الإقصاء، والثاني يهدم الجدران بالخيال والإصرار والأمل. الأول يرى في الإنسان رقما غير ذي أهمية في معادلة سياسية طاحنة، والثاني يعيد للإنسان اسمه ووجهه وحلمه. الأول يتغذى على خطاب «نحن» ضد «هم»، والثاني يقدّم للعالم درسا في أن الإنسانية لا تُجزأ. ولعل الأكثر إيلاما في هذه المفارقة أن العالم يميل، في الغالب، إلى الإصغاء لصوت القوة لا لصوت البراءة. تُنفق المليارات على الحملات الانتخابية، وعلى صناعة صورة الزعيم المتغطرس، بينما يُعارك أطفال غزة بشاعة الزمن ليبتكروا مدارسهم من خيام، وملاعبهم من بين الأنقاض. ومع ذلك، فإن هؤلاء الصغار يربحون معركة الذاكرة والوجدان؛ في أقسى الظروف وأظلمها ضراوة.
إن إعادة إنتاج الاستعمار ليست قدرا محتوما، لكنها نتيجة صمت طويل، وتواطؤ دولي، وتطبيع مع الظلم. في المقابل، فإن إبداع أطفال غزة ليس معجزة عابرة، بل نتاج مقاومة ثقافية وأخلاقية قامت على قناعة البقاء. حين تبتسم براءة لين الفرا فوق دخان دبابة بالية، أو حين يكتب طفل غزّي قصة عن مدينة بلا حصار، فإنهما لا يهربان من الواقع، بل يعيدان صياغة المستقبل الذي يرى مساحة الأمل لا فوهات البنادق ومتاريس الموت.
وفي خضم إصرار البعض على تبني الانحدار القيمي، تطل علينا مفارقة رقمية جديدة لا تقل خطورة عن مفارقات السياسة؛ إذ باتت بعض منصات الذكاء الاصطناعي، وعلى رأسها «غروك»، تثير جدلا واسعا بعدما أُتيح لها ـ أو تساهلت ـ في إنتاج صور إباحية باستخدام الذكاء الاصطناعي، ومحتويات تنتهك أبسط معايير حماية الطفولة والكرامة الإنسانية.
هذا السلوك لم يمر مرور الكرام، فقد فجّر مواجهة سياسية وإعلامية مع بعض القادة كرئيس وزراء بريطانيا، الذي وجد نفسه مضطرا للتحذير من أن التكنولوجيا، إذا ما تُركت بلا ضوابط أخلاقية وقانونية، قد تتحول من أداة للابتكار إلى مصنع لتسليع الإنسان، وازدرائه بصريا وآدمياً، عندها طاله القصف المضاد، فوجد نفسه وقد أظهره مالك «غروك» إيلون ماسك كشخصية قميئة ترتدي لباس السباحة النسائي في محاولة للاستهزاء بالرجل وإهانته وتسطيح شخصيته. هنا تماماً تقاطعت السياسة الرقمية مع الاستعمار الجديد مرة أخرى: حرية بلا مسؤولية، وسوق مفتوحة بلا أخلاق، فيما يُترك الأطفال، أولئك الذين نراهم في غزة يصنعون الحياة من تحت الركام، عُرضة لعالم جشع يسرق براءتهم باسم التطور والازدهار المزعومين. هذه ليست أزمة تقنية فحسب، بل اختبار عالمي لضمير البشرية في زمن الخوارزميات.
المفارقة إذن ليست بين شخص وسياسة، بل بين فلسفتين للحياة: فلسفة ترى في القوة معيار الحق، وأخرى ترى في الحق قوة أعتى من كل المعايير، ما كبر منها وما صغر.
وبينما قد ينجح عالم ترامب في فرض وقائعه لبعض الوقت، فإن عالم أطفال غزة ـ بما فيه من صدق وابتكار وأمل ـ هو الذي سيبقى شاهدا على أن الإنسانية، مهما حوصرت، قادرة على أن تبتكر خلاصها من بين الرماد. فهل تعود البشرية في المستقبل القريب لترى النور من بين ركام الجشع والنكبات؟ أم أنها ستبقى على هوامش الضوء والمكابرة والادّعاء، ضحية الأكاذيب ووعود استعمارية متهالكة؟ ننتظر ونرى .
القدس العربي
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه غزة أطفال غزة غزة الاحتلال الإبادة أطفال غزة مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة مقالات اقتصاد رياضة رياضة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة أطفال غزة ترى فی
إقرأ أيضاً:
تطورات في عالم آبل.. أول آيفون قابل للطي
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
ظهرت تسريبات لصور جديدة لنموذج تجريبي (Dummy Unit) يُعتقد أنه يستند إلى التسريبات الحالية الخاصة بأول هاتف آيفون قابل للطي من شركة “أبل”، ما يمنح المهتمين بالتقنية تصورًا أوضح لشكل الجهاز المنتظر قبل سنوات من إطلاقه الرسمي.
ويُظهر النموذج المسرب جهازًا باللون الأبيض يعتمد تصميمًا قابلًا للطي على غرار الكتاب، وهو النمط نفسه الذي تتبعه معظم الهواتف القابلة للطي الرائدة في السوق حاليًا.
تصميم أكثر انسيابيةأحد أبرز التفاصيل اللافتة في الصور هو اعتماد “أبل”، وفقًا للتسريبات، على حواف وزوايا أكثر نعومة وانسيابية مقارنة بعدد من المنافسين في فئة الهواتف القابلة للطي، بحسب تقرير نشره موقع “Gizmochina”.
كما يبرز تصميم وحدة الكاميرات الخلفية بشكل واضح، حيث تبدو قريبة من لغة التصميم المستخدمة في هاتف آيفون إير وفق الشائعات المتداولة.
ويضم النموذج كاميرتين خلفيتين فقط بدلًا من ثلاث، وهو ما يتماشى مع تقارير سابقة أشارت إلى أن “أبل” قد تركز على تقديم تصميم نحيف وخفيف الوزن بدلًا من زيادة عدد المستشعرات.
ألوان محدودة في البداية
وتشير التسريبات الحالية إلى أن “أبل” قد تعتمد خيارات ألوان محدودة نسبيًا في الجيل الأول من الهاتف القابل للطي.
فاللون الأبيض الظاهر في الصور يتوافق مع الشائعات التي تتحدث عن طرح الجهاز بألوان مثل الفضي ودرجات داكنة أخرى، في حين يُتوقع أن تحصل سلسلة آيفون 18 برو على تنوع لوني أكبر.
شاشة كبيرة ومعالج قويوبحسب المعلومات المتداولة، قد يأتي الهاتف بشاشة خارجية قياسها نحو 5.5 بوصة، إلى جانب شاشة داخلية قابلة للطي يصل حجمها إلى نحو 7.8 بوصة عند فتح الجهاز بالكامل.
كما يُتوقع أن يعتمد على معالج A20 Pro، الذي يُرجح أن يكون من بين أقوى الشرائح التي تطورها “أبل” خلال تلك الفترة.
عودة Touch ID
من أكثر الشائعات إثارة للاهتمام حول الهاتف القابل للطي احتمال عودة تقنية Touch ID.
وتشير بعض التقارير إلى أن “أبل” قد تعتمد مستشعر بصمة مدمجًا في زر الطاقة الجانبي بدلًا من نظام Face ID التقليدي.
ويُعتقد أن ذلك يعود إلى التحديات الهندسية المرتبطة بدمج نظام TrueDepth الخاص بالتعرف على الوجه داخل هيكل قابل للطي فائق النحافة.
وفي حال تحقق ذلك، ستكون هذه أول عودة فعلية لتقنية Touch ID إلى هواتف آيفون الرائدة منذ سنوات طويلة.
مجرد نموذج مبني على التسريبات
ورغم الاهتمام الكبير الذي حظيت به الصور المتداولة، من المهم الإشارة إلى أنها لا تمثل جهازًا رسميًا من “أبل”.
فالنموذج الظاهر عبارة عن تصميم تجريبي مبني على تسريبات غير مؤكدة، بهدف إعطاء تصور تقريبي لشكل الهاتف المتوقع.
وبالتالي، قد يختلف التصميم النهائي بشكل ملحوظ عند الكشف الرسمي، خاصة أن “أبل” لا تزال في مراحل تطوير أول هاتف قابل للطي في تاريخها، وسط توقعات بأن يكون من أبرز الإطلاقات التقنية خلال السنوات المقبلة.