يقدِّم جناح الأزهر الشريف بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، في دورته الـ 57، لزوَّاره كتاب "عوامل نمو اللغة العربية" بقلم فضيلة الشيخ العلامة إبراهيم حمروش، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، كتبه الشيخ بخط اليد وقدَّمه إلى هيئة كبار العلماء سنة 1934 لينال عضويَّة الهيئة الموقَّرة، من إصدارات هيئة كبار العلماء بالأزهر.

ففي إطار جهود الأزهر المتواصلة لإثراء المكتبة الإسلامية بإصدارات علميَّة رصينة، يأتي هذا الكتاب ليسهم في تذوق البيان العربي والكشف عن جمال لغة القرآن الكريم؛ فمَثَل اللغة العربية كمثل كائنٍ حي ينمو ويترقَّى، ويتحول ويتجدد، يتأثر بعوامل الزمان والمكان، ويتفاعل مع متغيِّرات الإنسان وحضارته وعلومه وثقافته، ولقد تجلَّى هذا المعنى بأتمِّ صُورِه في اللسان العربي، ذالكم اللسان المبين الذي انفرد دون سائر الألسن واللغات بسَعَة مادته، وغزارة ألفاظه، وتنوع أساليبه، حتى صار لغة العلم والدين، ومهوى أفئدة البيان.

سر دعاء السيدة زينب لأهل مصر.. نصرتمونا نصركم اللهفضل ليلة الإسراء والمعراج.. الأدعية والسنن والمعجزات النبوية

وقد قيَّض الله لعلوم هذه اللغة رجالًا بذلوا أعمارهم في خدمتها، وغاصُوا في أسرارها، واستخرجوا كنوزها، ووثَّقوا مظاهر نموها وطرائق تطورها، ومن هؤلاء: فضيلة الشيخ إبراهيم حمروش -رحمه الله- الذي أهدى المكتبة العربية هذا السفر الجليل: "عوامل نمو اللغة العربية"، بخطِّ يده، فلم يكن مجرد مؤلَّفٍ في فن من فنون العربية، بل هو مرآةٌ صافيةٌ لعظمة اللغة، ودليلٌ عملي على إمكان تطورها، وبقاء وهجها، وقدرتها على التعبير والتجدد، كما يعكس صورة البحث العلمي في الربع الأول من القرن العشرين.

وخيرًا فعل فضيلة الشيخ حينما حلَّقَ بنا في آفاق العربية الفسيح، فلخص لنا أهمَّ العوامل التي أسهمت في نماء العربيَّة وثرائها وتجددها، فأحسن تفصيلها، وأجاد تحريرها، ومن أبرز ما تناوله: التوليد بالزِّيادة: حيث تزاد الحروف على الأصل؛ لإنتاج ألفاظٍ جديدةٍ تفي بحاجة التَّعبير.

 الإبدال: بإحلال حروفٍ مكان أخرى، بما ينتج ألفاظًا شقيقةً تتباين في الصَّوت، وتتقارب في الدِّلالة.

القلب: كقلب الحروف في مواضعها مع بقاء المعنى، مثاله: جبذ وجذب، وهو من طرائق العرب في تنويع اللفظ دون المساس بجوهر الدِّلالة.
 الاشتقاق: الذي يعد سرَّ عبقرية العربية، يتولَّد منه مئات الألفاظ من جذرٍ واحدٍ.

 الترادف: وهو تعدُّد الألفاظ للمعنى الواحد، مما يكسب البيان سعةً، ويثري المعجم.

 الاشتراك اللفظي: حيث يحمل اللفظ الواحد معاني متعددةً، تتبيَّن بالسياق.

المجاز: بما فيه من طاقةٍ تصويريةٍ، ومرونةٍ دلاليةٍ، توسع آفاق اللغة.

 النحت: كقولهم "بسمل" من "بسم الله"، و"حوقل" من "لا حول ولا قوة"، وهو من دلائل اختزالهم البليغ، وسرٌّ من أسرار الاختصار في لغة البيان.

 الارتجال: وهو توليد الألفاظ في الحال لحاجةٍ عاجلةٍ، فيدخل بعضها في أصل اللغة.

 التَّعريب: وهو إدخال بعض الألفاظ الأعجميَّة في اللسان العربي؛ لتفي بحاجات الحضارة والعلم دون أن تذوبَ هويَّة اللغة.

وقد عرض المؤلف لهذه القضايا بأسلوبٍ علميٍّ دقيقٍ حتى بدا كتابه أقرب إلى معجمٍ علمي منه إلى رسالةٍ أكاديميةٍ، تغني عن المطوَّلات، وتفيد المختص وغيرَه.

ونظرًا للقيمة العلمية لهذا الكتاب في كونه يجمع بين الدقة المنهجيَّة والوضوح في الطرح، مع الالتزام بالمرجعية العلمية الأزهرية، مما يجعله مرجعًا مهمًّا للباحثين والدارسين، ومادة معرفية نافعة للقارئ، فقد قامت اللجنة العلمية بهيئة كبار العلماء، بتحقيق هذا المخطوط الذي كتبه الشيخ بخطِّ اليد، وأولته عنايةً فائقةً، وتحقيقًا علميا رصينًا، فخرج هذا المخطوط إلى المكتبة العربية مضبوط المباني، سليم المعاني، موثَّق المصادر، محقَّق الأصول، مشروح المصطلحات، مذيل الهوامش، موثَّق النقل، على نحوٍ يبرز قيمته، ويقرب مادته إلى أيدي الباحثين وطلاب العلم.

ويشارك الأزهر الشريف -للعام العاشر على التوالي- بجناحٍ خاصٍّ في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ 57، وذلك انطلاقًا من مسؤولية الأزهر التعليمية والدعوية في نشر الفكر الإسلامي الوسطي المستنير الذي تبناه طيلة أكثر من ألف عام.

ويقع جناح الأزهر بالمعرض في قاعة التراث رقم "4"، ويمتدُّ على مساحة نحو ألف متر، تشمل عدة أركان، مثل قاعة الندوات، وركن للفتوى، وركن الخط العربي، فضلًا عن ركن للأطفال والمخطوطات.

طباعة شارك جناح الأزهر معرض القاهرة الدولي للكتاب جهود الأزهر

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: جناح الأزهر معرض القاهرة الدولي للكتاب جهود الأزهر اللغة العربیة کبار العلماء جناح الأزهر

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • وحدة الخليج العربي ونداءات الفرقة
  • البرهان يصل تركيا في زيارة غير معلنة وأردوغان يتحدث اللغة العربية في إستقباله بالمجمع الرئاسي “فيديو”
  • بنك عُمان العربي يُدرج بنجاح سندات بـ400 مليون دولار في بورصة لندن
  • جناح سعودي ضخم في منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي
  • الفري يفتتح معرض الكتاب 52 في الرابطة الثقاقية  من طرابلس الى الوطن: الكتاب رسالة صمود
  • "العربية للمسرح": نمد جسور التعاون مع الصين لتبادل المعرفة وتطوير معارف المسرح العربي
  • ممر تجاري جديد بين تركيا والخليج العربي
  • لماذا يتراجع الدولار في مصر؟.. خبير اقتصادي يكشف 7 عوامل تدعم قوة الجنيه
  • بعد إصدار كتاب «عاشقة الخيل» عن رحلتها الفنية.. إيمان الهيدوس: الخيل العربية الأصيلة صنعت هويتي الفنية
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟