10 محطات خلال 200 عام من تاريخ صحيفة لوفيغارو الفرنسية
تاريخ النشر: 14th, January 2026 GMT
تحتفي صحيفة لوفيغارو الفرنسية يوم 15 يناير/كانون الثاني الجاري بمرور 200 عام على انطلاقتها بروح أدبية وثقافية قبل أن تتشبع تدريجيا بهواء السياسة وتأثير الاقتصاد والمجتمع.
وفي ما يلي أبرز 10 محطات في تاريخ هذه الصحيفة التي بدأت مسارها بنبرة نقدية للنظام القائم في فرنسا في بداية القرن 19 قبل أن ينتهي بها المطاف في أحضان اليمين.
في 15 يناير/كانون الثاني 1826 صدرت في قلب العاصمة باريس صحيفة تحت اسم "لوفيغارو" قال ناشروها إنها "صحيفة أدبية" واستوحوا اسمها من الشخصية الرئيسية لمسرحية للكاتب بومارشيه تحمل عنوان البطل "لوفيغارو" الذي كان يتمتع بروح الدعابة والجرأة.
وفي البدايات لم تكن الصحيفة تصدر بكيفية منتظمة، تارة يومية وطورا أسبوعية، تبعا لتقلبات الأوضاع وكان هدفها تغطية شؤون المسرح، والعلوم، والفنون، والأخلاق، والأخبار، والفضائح، والاقتصاد.
ومن وحي المسرح، كانت مواد الصحيفة تكتب بأسلوب أدبي ومع مرور الوقت أصبحت أكثر من مجرد عنوان، وتحولت إلى حالة ذهنية وأصبحت تتحدى النظام القائم في البلاد آنذاك وهو نظام الملك شارل العاشر، والجيش، والشرطة، والقضاء، والكنيسة.
وخلال العقود الثلاثة الأولى من نشأتها تناوب على ملكيتها أكثر من ناشر لكنها حافظت على روحها الأصلية المستوحاة من الشخصية المسرحية لوفيغارو الذي يقول في إحدى المواقف وبروح ساخرة "بدون حرية النقد، لا يوجد مدح حقيقي"، وهي العبارة التي تحولت إلى شعار الصحيفة.
1854: قيادة الطفل المعجزةفي أبريل/نيسان عام 1854 انبعثت صحيفة "لو فيغارو" من رمادها بعد أن تردت أوضاعها المالية في ظل الوضع السياسي غير المستقر في عهد الملكية، ثم في ظل الجمهورية الثانية.
وعندما اشتراها رجل الأعمال هيبوليت دي فيليمسان، الذي كانت له تجارب سابقة في إنشاء عدد من المشاريع الإعلامية، كان يتطلع إلى إحياء "لوفيغارو" التي كان يستشعر "قوة جاذبيتها للجمهور".
إعلانفي الواقع، كان فيليمسان ذا ميول ملكية في حين كانت فرنسا تعيش تحت حكم الإمبراطورية الثانية وكانت تثير غضب نابليون الثالث. وخلال تلك الفترة، شهدت "لوفيغارو" ازدهارا استثنائيا في حدود المتاح في تلك الظروف السياسية وفي ظل تطور التجارة والصناعة والنقل والاتصالات.
في عام 1870، أشعلت الكومونة (حكومة بلدية ثورية) فتيل الثورة في باريس بعد خسارة نابليون الثالث الحرب مع روسيا. ونددت صحيفة لوفيغارو على الفور بتجاوزات الكومونة وأعمالها التعسفية، وهو ما أثار غضب الثوار.
اقتحمت قوات الحرس الوطني مقر الصحيفة للاستيلاء عليها، لكن مالكها فيليمسان، ورغم أنه كان متقدما في السن حاول ببعض الدهاء والذكاء مواجهة المقتحمين.
1889: الصحيفة تتبنى برج إيفلفي عام 1889، استضافت باريس المعرض العالمي تزامنا مع الذكرى المئوية للثورة الفرنسية واستقبلت باريس حشودا غفيرة من جميع أنحاء العالم. واستعدادا لذلك الحدث وضع المهندس غوستاف إيفل تصورا لبناء برج إيفل الذي يبلغ ارتفاعه 300 متر وسط العاصمة وهو مشروع أثار ضجة كبيرة وعارضه فنانون وكتاب بارزون وقالوا إنه "صرح غير مألوف في باريس الكلاسيكية".
على النقيض من تلك الانتقادات، اتخذت صحيفة لوفيغارو موقفا داعما لمشروع غوستاف إيفل المثير للجدل، ونشرت سلسلة تقارير حول بنائه. وعندما اكتمل بناء الصرح المعماري جنت "لو فيغارو" ثمار دعمها.
وخلال الأشهر الخمسة التي استمر فيها المعرض، توافد إليه 32 مليون زائر. وأقامت الصحيفة مكاتبها التحريرية ومطبعتها في الطابق الأول من البرج وأصدرت 139 نسخة خاصة بذلك الحدث وحظيت بإقبال كبير.
1914: غرفة أخبار في معمعة الحربمع اندلاع الحرب العالمية الأولى في أغسطس/آب 1914 تم تجنيد مئات آلاف الفرنسيين وكان من بينهم العديد من محرري صحيفة "لوفيغارو". ولم يتبق سوى 10 محررين لإصدار الصحيفة اليومية وأصبحت الروح القومية هي الطاغية وتحولت الصحيفة من مجرد مصدر للمعلومات إلى خدمة عامة.
ورغم ذلك كانت الصحيفة تواجه في تلك السنوات الرهيبة خصما آخر هو "الرقابة العسكرية".
وطوال فترة النزاع، استفادت "لو فيغارو" من خدمات صحافي بارز هو جوزيف ريناخ الذي كان يغطي المعارك والأحداث يوميا ويكتب بروح المؤرخ وبلاغة الكاتب، تحت اسم مستعار هو "بوليب"، نسبة لمؤرخ قديم.
بعد الحرب العالمية الأولى، انتقلت ملكية الصحيفة إلى فرانسوا كوتي، وهو رجل أعمال ناجح راكم ثروته من صناعة العطور وسعى إلى أن يجعل من لوفيغارو منبرا يعكس شخصيته وأفكاره، لكن مبيعات الصحيفة تراجعت بشكل مخيف.
في ظل ذلك التراجع، آلت ملكية الصحيفة إلى لوسيان رومييه وبيير بريسون إذ تولى أحدهما الشؤون السياسية والآخر تكلف بالشؤون الثقافية واستعادت الصحيفة بريقها باستقطاب الكتّاب البارزين مجددا من قبيل بول كلوديل وبول فاليري وجورج ديهاميل وفرانسوا مورياك الذي سيصبح صوتا مؤثرا طوال العقود التالية.
1940-1942: صحيفة في لجة الاضطراباتفي يونيو/حزيران 1940، وتحت وقع هزيمة فرنسا أمام النظام النازي، اضطرت "لو فيغارو" لمغادرة باريس على غرار الصحف الأخرى، اقتداء بالحكومة الفرنسية. وكتب مورياك افتتاحية في 3 يوليو/تموز 1940 بعنوان "فرنسا في عزلة"، مشيرا إلى "الصمت المطبق الذي يحيط بفرنسا المهزومة".
إعلانوهكذا بدأت معركة طويلة مع حكومة فيشي التي كانت تطلب من الصحيفة إعادة نشر بيانات الحكومة الفرنسية، وكانت كل كلمة تحليلية تخضع للتدقيق والتمحيص. وتعرضت الصحفية للمنع أكثر من مرة وكان أدولف هتلر يعتبرها إحدى بؤر المقاومة.
1945: لوفيغارو تستعيد حريتهامنذ اختفائها من أكشاك بيع الصحف في نوفمبر/تشرين الثاني 1942، لم يقف صحفيو لوفيغارو مكتوفي الأيدي ففي عام 1944 كانت إدارة الصحيفة على تواصل مع المقاومة وبدأت الاستعدادات لمرحلة التحرر من النازية.
في 22 أغسطس/آب 1944 وبينما كان الأميركيون على أبواب باريس بدأت الحياة تعود إلى الصحيفة وفي اليوم التالي، صدر عدد منها، عبارة عن ورقة بسيطة تحمل مقالات غير موقعة، وتكلف رجال الإطفاء بتوزيعها واعتبر الباريسيون ذلك الحدث إيذانا بعودة الحرية.
وفي 25 أغسطس/آب 1944، صدرت الصحيفة وعلى صفحتها الأولى عنوان رئيسي يقول "وصلت القوات الفرنسية أمس الساعة 10 مساء إلى ساحة مقر بلدية باريس".
وحملت افتتاحية ذلك العدد التاريخي توقيع الكاتب فرانسوا مورياك الذي كتبها في باريس وأشاد فيها بدور الجنرال ديغول في تحرير فرنسا من النازية.
في 30 أبريل/نيسان 1975، دخل جيش فيتنام الشمالية (الشيوعية) مدينة سايغون، التي كانت آنذاك عاصمة جمهورية فيتنام (المدعومة من الغرب)، وتم تغيير اسمها فورا إلى مدينة هو تشي منه، تخليدا لذكرى الزعيم الشيوعي التاريخي الذي توفي قبل بضع سنوات.
في 2 مايو/أيار، عنونت الصحيفة مادتها الرئيسية "النظام الشيوعي يسود من بنوم بنه إلى مدينة هو تشي منه" وتضمن العدد مقالا لرئيس التحرير الشهير جان دورميسون، بعنوان "صمتٌ فوق سايغون" قارن فيه بين النظامين، لا سيما في ما يتعلق بالحرية، وهو ما أثار غضب الشيوعيين وعرض الصحيفة لانتقادات حادة.
وأثناء تغطية الصحيفة لتلك الأحدث اختفى اثنان من صحفييها في فيتنام، وتبين لاحقا أن أحدهما لقي حتفه أثناء مواجهة مسلحة بين شطري البلاد فيما جرح الثاني وتم التفاوض بشأن تحريره.
1975 لوفيغارو في عهد "آكل الورق"ومنذ وفاة بيير بريسون في نهاية عام 1964، واجهت لوفيغارو صعوبات جمة. واستغرق الأمر 10 سنوات حتى تمكن رئيس التحرير جان دورميسون من إعادة إحياء صورتها الناصعة.
ورغم ذلك تفاقمت متاعب الصحيفة: مطابع قديمة، تكاليف المقر الرئيسي وانقسام هيئة التحرير. وفي عام 1975 استحوذ عليها روبرت هيرسان، وهو شخصية بارزة في حقبة ما بعد الحرب وكان سياسيا وقطبا إعلاميا وكان يلقب بـ"آكل الورق" لهوسه بشراء المطبوعات، وكان يضع نصب عينيه صحيفة لوفيغارو.
وفي عام 1978، عزز هيرسان مكانة الصحيفة وأصدر مجلة أسبوعية تحمل نفس الإسم وتعنى بالأفكار والثقافة وأسلوب الحياة، وفي عام 1980 تم إطلاق المجلة النسائية "مدام فيغارو". ولا تزال المجلتان تصدران بانتظام إلى غاية الآن.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات صحیفة لوفیغارو لو فیغارو صحیفة لو فی باریس
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.