غزة – في إحدى ليالي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، بينما كانت مدينة غزة تختنق تحت الحصار والقصف، وصلت طفلة رضيعة إلى مجمع الشفاء الطبي، بلا اسم وبلا أهل، ودون حكاية مكتملة.

لم يحمل ملفها الطبي سوى عبارة مقتضبة: "طفلة مجهولة الهوية وناجية من مجزرة حي الصبرة وسط غزة". وأبلغ المسعف الذي أوصلها إلى المستشفى أحد الأطباء أنه عثر عليها فوق شجرة، دون تفاصيل أخرى.

وبفعل حالة الطوارئ القصوى التي كان يعيشها مستشفى الشفاء آنذاك، لم تُدوَّن معلومات إضافية عن الطفلة، كتاريخ دخولها إلى قسم الحضانة أو حالتها الدقيقة عند العثور عليها.

الشاهد الوحيد على مكان العثور على الطفلة هو مسعف يُعتَقد أنه استُشهد (الجزيرة)قصة الطفلة

في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، اقتحم جيش الاحتلال الإسرائيلي مجمع الشفاء الطبي، وبقي داخله نحو 10 أيام، اعتقل خلالها طواقم طبية ونازحين، وقتل آخرين، ودمّر محتويات المستشفى وعددا من مبانيه، وتدهورت الأوضاع الإنسانية داخل أقسامه، لا سيما حضانة الأطفال، وبات الخطر يهدد المواليد الرضّع بشكل مباشر.

ومع اشتداد الأزمة، سُمح لاحقا بنقل الأطفال إلى حضانة المستشفى الإماراتي في مدينة رفح جنوب القطاع، وفي 20 من الشهر ذاته، وصل 30 طفلا إلى المستشفى المذكور، بينهم تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تعاني سوء تغذية حادا، ونقصا شديدا في الوزن، وتسمما في الدم، نتيجة الحرمان الطويل من الرعاية الصحية الأساسية خلال حصار المجمع واقتحامه.

ومنذ اللحظة الأولى لفتت الطفلة انتباه الطبيبة أمل أبو ختلة، التي بدأت برعايتها وعلاجها، وتعلّقت بها سريعا، كأنها تعرفها منذ زمن. ولم يكن وضعها الصحي وحده ما يثير قلقها، بل الغموض الكامل الذي يحيط بقصتها وغياب أي أثر لأهلها.

وتحاول أبو ختلة -كما تقول للجزيرة نت- تتبّع خيوط الحكاية، تسأل وتبحث، لكنها لا تصل إلى شيء، وكان الاعتقاد السائد بين الطاقم الطبي أن عائلة الطفلة أُبيدت بالكامل في مجزرة حي الصبرة، وأن قوة الانفجار قذفت بها بعيدا عن مكان المجزرة.

إعلان

وتشير إحصاءات رسمية إلى شطب نحو 2200 أسرة كاملة من السجل المدني، جراء المجازر التي ارتكبها جيش الاحتلال خلال الحرب.

رمز للمأساة

لاحقا، أبلغ رئيس قسم حضانة الأطفال في مستشفى الشفاء الحكيمة أبو ختلة أن الطفلة وصلت بخدوش بسيطة وغير خطيرة، وأن مسعفا عثر عليها فوق شجرة بعد القصف.

لكن اسم المسعف لم يُسجل، كما لم تُدوَّن تفاصيل دقيقة عن ملابس الطفلة أو حالتها عند العثور عليها، بسبب خطورة الأوضاع داخل المستشفى المحاصر.

وتحاول أبو ختلة الوصول للمسعف الذي أنقذ الطفلة، لكنّ جميع المسعفين ينفون علاقتهم بالقصة. ومع مرور الوقت، يتضح أن من أحضر الطفلة قد يكون "استُشهد على الأرجح"، إذ لم يظهر أحد ليقول "أنا من أنقذتها".

وتُمثل قصة ملاك الوجه الآخر لمأساة المفقودين، إذ لا تتعلق فقط بأشخاص لم يُعثر على جثامينهم، بل بأطفال نجوا جسديا، بينما فُقدت كل الخيوط التي تربطهم بعائلاتهم وأصولهم.

قرار واسم

في تلك اللحظة، اتخذت الطبيبة أبو ختلة قرارا غيّر حياة الطفلة، وحياتها هي أيضا، حيث قررت كفالتها، وفي 20 يناير/كانون الثاني 2024، خرجت بها من الحضانة إلى منزلها، لتصبح في رعايتها منذ نحو عامين.

ولم تقبل أبو ختلة أن تُنادى الطفلة بـ"مجهولة الهوية"، فأصدرت لها شهادة ميلاد باسم "ملاك محمد أحمد الصبرة"، نسبة إلى الحي الذي وُجدت فيه بعد المجزرة.

وهي تقدّر عمرها اليوم بـ15 شهرا، استنادا إلى تطورها البدني، وتصف هذه الطفلة النحيفة ذات البشرة السمراء وسوداء العينين، بأنها "ذكية للغاية، وتطوّرت بسرعة لافتة، حيث مشت في عمر 10 أشهر، وتكلمت مبكرا، ونمت أسنانها منذ الشهر السادس".

الطبيبة أبو ختلة أخذت الطفلة ملاك وعملت على تربيتها وتقول إنه من الصعوبة تركها (الجزيرة)

ورغم أن وضعها الصحي اليوم جيد جسديا ونفسيا، فإن طفولة ملاك تشكّلت في واحدة من أقسى الفترات التي مرّ بها قطاع غزة، إذ تزامن نموها مع حرب الإبادة الجماعية، والتجويع، وانقطاع الغذاء والدواء.

وخلال العدوان، نزحت أبو ختلة مع ملاك 4 مرات، محاولة إبعادها قدر الإمكان عن مناطق الخطر، إلى أن استقرتا في مدينة دير البلح وسط القطاع.

ومع ذلك، لم يكن هناك مكان آمن، وظلت ملاك ترتجف خوفا من أصوات القصف وتحليق الطائرات، خصوصا عندما يقترب القصف، وقد عانت كسائر أطفال غزة من نقص الحليب والفيتامينات والأدوية، وغياب الخضراوات والفواكه الضرورية لنموها.

بين نارين

وخصّصت أبو ختلة كل مواردها تقريبا لتوفير ما تحتاجه ملاك، رغم شح البضائع وارتفاع أسعارها، وتقول: "هي أمانة في عنقي، وليست فقط مثل ابنتي".

اليوم، تلعب ملاك مع أبناء أشقاء وشقيقات أبو ختلة، وتعتبرهم إخوتها. وتقول أبو ختلة: "هي تراني كل الدنيا، وأنا أراها كذلك".

وعن إمكانية إعادتها إلى أهلها حال العثور عليهم، تتوقف قليلا قبل أن تجيب: "أنا متعلقة بها جدا، ولا أستطيع الاستغناء عنها، فهي كل حياتي. لكن في الوقت نفسه، أريد أن تنتسب إلى أهلها الحقيقيين. أنا بين نارين، لكنّ مصلحة الطفلة هي الأهم".

 

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

ضبط مستحضرات تجميل مجهولة المصدر بمصنع دون ترخيص بالفيوم

شنت مديرية التموين والتجارة الداخلية بالفيوم، عدة حملات على المراكز الطبية ومخازن الأدوية والصيدليات بمراكز المحافظة وذلك بالتعاون مع هيئة الدواء المصرية.

يأتي هذا في إطار الحملات التي تنفذها مديرية التموين بالفيوم بالتعاون مع الوحدات المحلية والإدارات التموينية بالمراكز والمدن على المستشفيات الخاصة والصيدليات.

جاء ذلك بالتنسيق مع إدارة الرقابة التموينية بالمديرية، وبالتعاون مع الوحدات المحلية بالمراكز والمدن، وعدد من الجهات المعنية، وفي إطار توجيهات الدكتور محمد هانيء غنيم محافظ الفيوم، بتكثيف الحملات الرقابية على الأسواق والأنشطة التموينية وتشديد الرقابة لضبط الأسعار ومجابهة جشع واحتكار التجار للسلع.

وفي نفس السياق نفذت إدارة الرقابة التجارية وإدارة حماية المستهلك بالمديرية حمله مشتركة مع هيئه الدواء المصرية للمرور على المنشآت الطبية من مراكز طبية وصيدليات ومراكز العناية بالبشرة والليزر ومراكز العلاج الطبيعي لمراجعة التراخيص والمستندات الخاصة بتلك المنشآت للتأكد من تطبيق الشروط الصحية وسلامة الخدمات المقدمة للمواطنين وسلامة وصلاحيه الأدوية المستخدمة وكذا المعروضة للجمهور، حفاظا على صحة المواطنين وحمايتهم من الأمراض، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال المخالفين حال ثبوت المخالفة.

ضبط مستحضرات تجميل مجهولة المصدر قبل بيعها بالفيوم 

وقامت الحملات التموينية برئاسة المهندس جمعة عبد الحفيظ مدير المديرية وتحت إشراف عبير العقبي وكيل المديرية، بالمرور على المنشآت الطبية والصيدليات، وخلال تنفيذ الحملة تم ضبط مصنع لمستحضرات التجميل والعناية بالشعر والبشرة بناحية مركز طامية، يعمل دون ترخيص ويقوم بتصنيع منتجات ومستحضرات تجميل مجهولة المصدر وغير مسجلة بهيئة الدواء المصرية واستغلال أسماء تجارية شهيرة، وتم التحفظ على المضبوطات وتحرير المحضر اللازم.

ومن جانبه أوضح المهندس جمعة عبد الحفيظ مدير مديرية التموين والتجارة الداخلية بالفيوم أن الحملات قامت بالمرور على عدد من المراكز الطبية، وذلك ضمن خطة الوزارة الدورية لتعزيز آليات الرقابة، وضمان توافر السلع الاستراتيجية، وحسن استخدام الموارد العامة، بما يخدم المواطنين، ويضمن وصول الدعم لمستحقيه، وتحقيق رقابة صارمة، مؤكداً استمرار الحملات الرقابية على الأسواق والأنشطة التموينية بالتنسيق مع الوحدات المحلية بالمدن والقرى للتأكد من صلاحية المعروض ومراجعة تراخيص المصانع والصيدليات والمحال التجارية واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال المخالفين. 

مقالات مشابهة

  • دوي انفجارات مجهولة في جزيرة قشم الإيرانية
  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • مفيش حاجة اسمها أهلي وزمالك.. اتحاد الكرة: الروح عالية بمعسكر منتخب مصر
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • ضبط مستحضرات تجميل مجهولة المصدر بمصنع دون ترخيص بالفيوم
  • ضبط 2 طن محسن زراعي و50 كرتونة مقرمشات مجهولة المصدر بالبحيرة
  • تموين بني سويف: تحرير 70 مخالفة وضبط سلع مجهولة و1000 لتر وقود
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش