لا يمكن مقاربة مسألة استقرار الدول أو نهوضها بمعزل عن ركيزتين محوريتين تشكّلان جوهر أي مشروع وطني حقيقي: التعليم والسياسة. فهما ليسا مسارين متوازيين فحسب، بل منظومتان متداخلتان، يؤثر كلٌّ منهما في الآخر بصورة مباشرة. وحين يختل أحدهما، لا يتأخر انعكاس الخلل على بنية الدولة بأكملها، سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا.

في المشهد الليبي الراهن، تتجلى هذه العلاقة بأوضح صورها وأكثرها خطورة. إذ لم يعد التدهور الملحوظ في النظم التعليمية أزمة قطاعية عابرة، بل تحوّل إلى أزمة بنيوية عميقة تُسهم في زعزعة الاستقرار، وتغذية حالة من الارتباك العام تمتد آثارها إلى مختلف مفاصل الدولة.

فالتعليم ليس مجرد خدمة عامة أو مسارًا أكاديميًا تقنيًا، بل هو اللبنة الأولى في بناء الوعي السياسي، والحاضنة التي تُغرس فيها القيم والفضائل التي تُشكّل المواطن، وفي مقدمتها قيمة الانتماء الوطني. وعندما يُهمَّش التعليم، فإن النتيجة الحتمية هي إضعاف الوعي الجمعي، وتفريغ المجتمع من أدوات التفكير النقدي، وفتح المجال أمام الفوضى، والاستقطاب، وتآكل الثقة في مؤسسات الدولة.

لقد أفرز ضعف المنظومة التعليمية في ليبيا أجيالًا تعاني من هشاشة معرفية واضطراب في الهوية، وهو ما انعكس بوضوح في السلوك السياسي والاجتماعي، وأسهم في إطالة أمد الأزمة الوطنية. كما أن غياب مشروع تعليمي وطني قائم على رؤية استراتيجية واضحة، جعل التعليم ساحة للتجاذبات السياسية، بدل أن يكون رافعة للسياسة الرشيدة ومصدرًا لإعداد كوادر وطنية قادرة على إدارة الشأن العام بعقلانية ومسؤولية.

فالسياسة، في جوهرها، ليست صراعًا على السلطة فحسب، بل هي فن إدارة المجتمع وتوجيهه. وهذا الفن لا يمكن أن يُمارَس بكفاءة في بيئة يغيب عنها تعليم يؤسس لقيم الحوار، ويُرسّخ ثقافة الاختلاف، ويُنمّي روح المواطنة. ومن هنا، فإن أي مشروع سياسي في ليبيا لا يضع إصلاح التعليم في صدارة أولوياته، يظل مشروعًا قاصرًا، مهما تعددت شعاراته أو تنوعت خطاباته.

إن إنقاذ الدولة الليبية يبدأ بإعادة الاعتبار للتعليم بوصفه مشروعًا سياديًا وطنيًا، لا يقل أهمية عن الأمن أو الاقتصاد. تعليم يزرع الانتماء، ويحصّن العقول، ويُعدّ الإنسان الليبي ليكون فاعلًا في الحياة السياسية، لا أداة تُستَخدم داخلها. فبغير تعليم قوي، تظل السياسة هشّة، وتبقى الدولة أسيرة دوامة الأزمات، مهما تغيّرت الوجوه أو تبدّلت التحالفات.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

المصدر

المصدر: عين ليبيا

إقرأ أيضاً:

معادلة إسرائيل الجديدة مع حزب الله: المستوطنات مقابل الضاحية

تشير التطورات الأخيرة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية إلى تبني إسرائيل ما تصفه بعض الأوساط الأمنية والإعلامية بمعادلة جديدة في التعامل مع حزب الله، تقوم على مبدأ “المستوطنات مقابل الضاحية”. 

وتعني هذه المعادلة أن أي استهداف للمناطق السكنية أو التجمعات الإسرائيلية في الشمال سيقابله رد مباشر على مناطق نفوذ حزب الله، وعلى رأسها الضاحية الجنوبية لبيروت.


 

وتأتي هذه السياسة في ظل استمرار التوتر الأمني وتبادل الرسائل العسكرية بين الجانبين، حيث تسعى إسرائيل إلى تعزيز قوة الردع ومنع تكرار الهجمات التي تستهدف مستوطناتها أو مواقعها الحدودية. 

وترى تل أبيب أن رفع مستوى الرد واستهداف مناطق ذات رمزية وأهمية للحزب من شأنه زيادة الضغوط عليه وإجباره على تجنب التصعيد.


في المقابل، يواصل حزب الله التأكيد على تمسكه بقواعد الاشتباك التي يعتبرها ضرورية لردع إسرائيل، محذراً من أن أي استهداف للمدنيين أو للمناطق السكنية اللبنانية سيقابل برد مناسب. 

ويزيد هذا التراشق في المواقف من المخاوف الدولية والإقليمية من انزلاق الأوضاع إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود الاشتباكات المحدودة.


وتراقب الأطراف الدولية عن كثب التطورات على الجبهة اللبنانية، وسط تحذيرات من أن استمرار سياسة الردود المتبادلة قد يؤدي إلى توسيع دائرة الصراع وتهديد الاستقرار في المنطقة بأكملها


 

طباعة شارك اسرائيل عاجل عواجل مستوطنات ضحايا

مقالات مشابهة

  • محـور المقـاومـة يفـرض مـعـادلة الـردع
  • نواب البرلمان : إحياء قلب القاهرة مشروع وطني يعزز السياحة ويدعم الاقتصاد
  • حزب الله: معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال لا يمكن أن تمر
  • معادلة إسرائيل الجديدة مع حزب الله: المستوطنات مقابل الضاحية
  • برلماني: توجيهات الرئيس السيسي لتطوير التعليم العالي تعزز مكانة مصر في المعرفة والابتكار
  • وكيل تعليم الغربية يتابع امتحانات التعليم الفني بغرفة العمليات
  • بعيو: ليبيا أمام نموذجين وعلى المواطنين اختيار مسار الأمن ووحدة الدولة
  • ضبط أداء الإعلام الرياضي": دعم المنتخب إعلاميًا خلال كأس العالم واجب وطني
  • برلماني: حملات التشكيك في قيم الانتماء والتضحية جزء من حروب نفسية تستهدف تفكيك الوعي الوطني وإضعاف الدول
  • نائب: التعليم والبحث العلمي في صدارة أولويات الدولة المصرية