الإنسانية رتب لا يصل اليها كل البشر
تاريخ النشر: 16th, January 2026 GMT
في البدء نقف عند مقولة عظيمة قالها الشاعر الإيراني سعدي الشيرازي: "البشر أعضاءٌ في كيانٍ واحد خُلقوا من جوهرٍ واحدٍ وروحٍ واحدة. إذا ابتلي عضوٌ بالألم ستبقى الأعضاء الأخرى مضطربة. إن لم تتعاطف مع ألم الإنسان فلن تستطيع الاحتفاظ باسم الإنسان".
ومع ذلك فالبشر يخطئون كل يوم في حقوق بعضهم البعض، وكأن الأحياء يخوضون حروبا ضروس، وبعد انتهاء المعارك تكشف الأخطاء التي لا تغتفر، فيعود المعتدي ليدعي بأنه هو من يطبق مبادئ الإنسانية في تعاملاته تجاه الآخر، وبأن الظروف هي من أوصلته إلى هذه المواجهة غير المتكافئة من الطرف الآخر.
الجلاد الذي بيده العصا ليس كمن يتلقى الضربات على جسده، القوي دائما يفكر بأنه افضل حالا من الآخرين، وعالميا أصبحت الكثير من الشعوب تعاني من فقدان المعتدين عليها لكل معاني الإنسانية، فلو كان هناك مراعاة "للإنسانية " أو تفسير واضح لمفهومها النبيل لما أصبحت المعاناة جزء من فصول الألم والبؤس والشقاء.
الزعيم الهندي الراحل المهاتما غاندي يخبرنا بشيء واقعي عندما يقول: "يصبح الإنسان عظيماً تماماً بالقدر الذي يعمل فيه من أجل رعاية أخيه الإنسان"، وتُعبّر قوله عن أن قيمة الإنسان تكمن في خدمته ومساعدته للآخرين، وليس بعكس ما يفعله من اعتداءات وسلب للحقوق والحريات.
الأقوياء يصمون آذانهم عن سماع أصوات الاستغاثة؛ لذا لا يهم أن يموت الآلاف تحت ركام المباني، أو تلقى بجثثهم في الشوارع لتنهشها الحيوانات، ثم ينتفض العالم ويعقد اجتماعه العاجل، ليتحدثوا فيما بينهم عن "الإنسانية التي يجب أن تسود"، وأمام الصور الموثقة والأدلة الدامغة والحقائق الواضحة "لا يحرك الكبار ساكنا "، بل يشرعون في تقديم خطب التنديد والشجب دون أن اكتراث بما حدث وكأن الأمر لا يعنيهم؛ لهذا تشعر الشعوب المستضعفة بنوع من الانهزام النفسي وخيبات للرجاء.
المجتعمون يضعون كل أوراقهم في ملفات كتبت على صدرها "المصالح أولا"، ثم يتقاسمون الكلمات، بعضهم يعرب عن قلقه أو حزنه دون أن تسقط دمعة واحدة تروي قبر طفل قتل بدون أن يعرف جرمه أو السبب الذي أوصله إلى هذه النهاية.
القوى العظمى لا يهمها أن يموت مئات الآلاف، كل ما يهمها أن تظل تراقب الأوضاع دون اكتراث بأن ثمة ضحايا يسقطون في كل لحظة. في نظرهم "القاتل والضحية" وجهان لعملة واحدة. في معتقد البشرية هناك مقولة جميلة تقول: "الندم الحقيقي الذي يبديه الناس تجده حاضرا في المقابر فقط، والدموع الحقيقية تجدها في الجنازة الطويلة، أما الدعاء من القلب تجده في المستشفى حيث الأنظار تشخص في نبض يصعد، ثم يعود ليهبط سريعا، ثم يصمت كل شيء. الحقيقة أننا بكل بساطة لا نعرف قيمة بعضنا إلا في النهايات. ومع الأسف نكرر الجرائم وكأننا نبعث الحزن من جديد".
نحن لا نعلم الغيب، ولا نجيد تحريك الأشياء التي تخبئها النفوس، فكما يقال: " القلوب كالبحار قد تبدو جميلة، لكن الأمان فيها متروك لما تخبئة الأعماق".
ولهذا كان للمناضل الراحل نيلسون مانديلا وجهة نظر تؤكد "أن حرمان الناس من حقوقهم الإنسانية هو بمثابة تحدي لإنسانيتهم ذاتها"، وهذا القول يدفعنا أيضا إلى الاتفاق التام مع رؤية جبران خليل جبران: " منبر الإنسانية قلبها الصامت، لا عقلها الثرثار".
نحن متأكدون أنه "عندما تقسو القلوب لا مكان للإنسانية، بل تصبح المشاهد عبارة عن صخرة جامدة ملقاة على قارعة طريق، لا يهتم بها إلا من أراد تحريكها من مكانها، كذلك الأقوياء لا يهمهم أن يسقط بأفعالهم الضغفاء، بل يواصلون مسيرهم نحو ارتكاب جرائم أخرى جديدة".
لذلك نصفق لمن أخبرنا يوما بشيء مهم ألا وهو أننا "لن نصل إلى الإنسانية الحقيقية إلا عندما يفتح العالم عينيه الاثنتين، ويكفّ عن النظر بعينٍ واحدة!".
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.