العُمانية : دعت دراسة علمية حديثة إلى إعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية في منظومة التعليم العالي بسلطنة عُمان، باعتبارها ركيزة أساسية في بناء اقتصاد معرفي متوازن ومستدام.

وأكّد الباحثان الدكتورة مريم بنت علي الهنائية أستاذة الاتصال بين الثقافات والأستاذ الدكتور محمد بن علي البلوشي أستاذ الآثار ودراسات التراث بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية في جامعة السلطان قابوس في دراستهما، التي نُشرت في مجلة Journal of Arabian Studies تحت عنوان "إعادة تخيّل اقتصاد المعرفة: دعوة نقدية لإعادة تمركز العلوم الإنسانية في التعليم العالي العُماني"، أن الخطابات السائدة حول الاقتصاد المعرفي غالبًا ما تختزل مفاهيم التقدم والابتكار في الجوانب العلمية والتقنية فقط، على حساب العلوم الإنسانية والاجتماعية، رغم دورها المحوري في تنمية التفكير النقدي، وتعزيز القيم الأخلاقية، وترسيخ الهُوية الثقافية، وسلّطت الدراسة الضوء على وجود فجوة بين التوجهات الاستراتيجية الوطنية، كما وردت في "رؤية عُمان 2040" والاستراتيجية الثقافية 2021 ـ 2040، التي تؤكد أهمية الهُوية الوطنية، والثقافة، والإبداع، وبين الممارسات الفعلية في مؤسسات التعليم العالي، التي تميل إلى إعطاء أولوية أكبر للتخصصات العلمية والتقنية والتجارية.

وبيّنت الدراسة -من خلال تحليل بيانات توزيع أعضاء هيئة التدريس وأنماط التحاق الطلبة داخل سلطنة عُمان وخارجها- أن العلوم الإنسانية لا تزال تحافظ على حضور مهم، لا سيما في مجالات التعليم والمجتمع والثقافة، إلا أن هذا الحضور يشهد تراجعًا تدريجيًا مقارنة بالتخصصات الهندسية والتقنية، خاصة بين الطلبة المبتعثين للدراسة في الخارج.

وأكد الباحثان أن إعادة تمركز العلوم الإنسانية لا تُعد ترفًا أكاديميًا أو توجهًا ثقافيًا معزولًا، بل تمثل ضرورة استراتيجية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وبناء مواطن واعٍ ومبدع، وضمان أن يكون التقدم العلمي والتقني منسجمًا مع القيم الأخلاقية والاجتماعية، ودعت الدراسة إلى تبنّي سياسات تعليمية وبحثية تُعزّز التكامل بين العلوم الإنسانية والتخصصات العلمية، من خلال تطوير مناهج متعددة التخصصات، وتوفير دعم مؤسسي وبحثي للعلوم الإنسانية، وإدماجها ضمن منظومات الابتكار الوطنية، بما ينسجم مع تطلعات سلطنة عُمان في بناء مجتمع معرفي متجذّر في هُويته، ومنفتح على العالم.

وأكدت الدراسة على أن الاستثمار في العلوم الإنسانية يُسهم في إعداد أجيال تمتلك الكفاءة التقنية إلى جانب الوعي الثقافي والأخلاقي، بما يعزز مسار التنمية الشاملة والمتوازنة في سلطنة عُمان.

وقالت الدكتورة مريم بنت علي الهنائية أستاذة مساعدة في التواصل بين الثقافات بقسم اللغة الإنجليزية والترجمة في جامعة السُّلطان قابوس: إنّ هذا البحث لم يكن وليد لحظة بحثية طارئة، بل هو جزء من مشروع فكري ممتد بدأ ضمن منحة بحثية منذ عام 2022، ويهدف إلى إعادة التفكير في موقع العلوم الإنسانية، ومنظومة إنتاج المعرفة في مؤسسات التعليم العالي العُماني.

وأضافت: أنه على المستوى الأكاديمي، ينطلق هذا المشروع من نقد منهجي متعمّق للنيوليبرالية التي أعادت تعريف التعليم بوصفه أداة اقتصادية بحتة، تُقاس فيها قيمة المعرفة بقدرتها على تحقيق الربحية، لا ببنائها للإنسان أو المجتمع. وقد رسّخ هذا المنطق نماذج معرفية اختزالية ضيّقة، وأضعف حضور المعارف المحلية والإنسانية، مما أوجد فجوة معرفية وأخلاقية في فهم دور مؤسسات التعليم العالي.

وذكرت أنه على مستوى الواقع المؤسسي، فقد كشفت الخبرة الأكاديمية وجود مفارقة واضحة بين ما تؤكده "رؤية عُمان 2040" من مركزية الهُوية والقيم والاستدامة وبناء الإنسان، وبين الممارسات التعليمية التي تميل فعليًا إلى ترجيح التخصُّصات ذات الطابع التقني والمهني وفق منطق السوق المادي. ولفتت إلى أن هذه المفارقة دفعت إلى مساءلة فلسفة التعليم ذاتها: هل يقتصر دور التعليم على إنتاج مهارات وظيفية، أم يمتد إلى بناء وعي نقدي، وترسيخ الانتماء الثقافي، وتنمية المسؤولية المعرفية؟ حيث تكشف "رؤية عُمان 2040 " والاستراتيجية الثقافية بوضوح أن بناء مجتمع معرفي مستدام لا يقوم على التقنية وحدها، بل على الإنسان والقيم والهُوية. ومن هنا برزت الحاجة إلى تفحّص آليات ترجمة هذه الرؤية في سياسات التعليم العالي وممارساته، بدل الاكتفاء بتداولها في مستوى الخطاب العام.

وأفادت أنه في ضوء ذلك جاءت الدعوة إلى إعادة تمركز العلوم الإنسانية، بوصفها مدخلًا لإعادة صياغة العلاقة بين التعليم والتنمية والهُوية، وإعادة بناء المعنى الاجتماعي والأخلاقي للمعرفة، في إطار هذا المشروع الفكري الذي يسعى إلى توسيع أفق إنتاج المعرفة من داخل السياق المحلي، وإعادة الاعتبار للمعرفة المحلية، وتطوير مناهج بحث وتدريس أكثر وعيًا بالسياقات الثقافية والمعرفية، بما ينسجم مع التحول الوطني نحو اقتصاد معرفة متوازن ومستدام. وأشارت إلى أنه من منظور التواصل بين الثقافات، المعرفة ليست محايدة أو تقنية فحسب؛ بل هي منظومة قيم، ومرجعيات ثقافية ومعرفية. ولذلك فإن بناء اقتصاد معرفة بمعزل عن البعد الإنساني والأخلاقي يُنتج اختلالات عميقة، وهو ما نحاول معالجته في إطار هذا المشروع الفكري الذي يعيد مساءلة العلاقة بين المعرفة والهُوية والمسؤولية الاجتماعية.

وبيّنت أنّ أول هذه المخاطر يتمثل في فرض نموذج ثقافي واحد يطمس الخصوصيات الثقافية، حيث تُفرض نماذج معرفية عالمية لا تنبع من السياق المحلي، ما يؤدي إلى تهميش المعارف الأصيلة وإضعاف التعدد الثقافي. وتابعت: أنّ ثاني المخاطر يتمثّل في فصل الابتكار عن المسؤولية الأخلاقية؛ إذ حين تُدار التقنية بمعزل عن القيم، قد تحقق كفاءة وظيفية آنية، لكنها في المقابل قد تُسهم في تعميق الفجوات الاجتماعية والبيئية والثقافية بدل الحدّ منها.

وفي هذا السياق، تُسهم العلوم الإنسانية في إدخال منظور نقدي يُراجع منطلقات السياسات التعليمية وآثارها الاجتماعية والثقافية والأخلاقية، ويذكّر بأن هذه السياسات ليست قرارات تقنية فقط، بل خيارات لها تبعات إنسانية وثقافية بعيدة المدى.

وأردفت أنّ الخطر الثالث، يتمثّل في تراجع الإحساس بالانتماء الثقافي لدى المتعلمين، حين يشعرون أن المعرفة التي يدرسونها منفصلة عن لغتهم وهُويتهم وتجربتهم التاريخية، فتتحول إلى أداة نفعية مؤقتة، لا إلى مشروع حضاري متكامل. ووضّحت أنه من منظور التواصل بين الثقافات، فإنّ اقتصاد المعرفة المستدام لا يقوم على التقنية وحدها، بل على القدرة على التكامل بين المعارف، واحترام التعدد الثقافي، وبناء وعي أخلاقي جماعي. وهنا تتجلى وظيفة العلوم الإنسانية بوصفها الضامن الإنساني والأخلاقي لأي مشروع معرفي وطني طويل المدى.

من جانبه قال الأستاذ الدكتور محمد بن علي البلوشي أستاذ علم الآثار ودراسات التراث بجامعة السُّلطان قابوس: إنّ هيمنة العلوم التقنية التطبيقية في منظومات التعليم العالي وصنع السياسات التنموية لا تُعدُّ مسألة أكاديمية محضة، بل تنطوي على تحوّل عميق في كيفية إدراك الإنسان للأشياء والعناصر التي يتعامل معها؛ ففي ظل هذا المنطق، تُختزل الظواهر الثقافية والتراثية إلى وحدات قابلة للقياس، أو إلى موارد يمكن إدارتها تقنيًا أو استثمارها اقتصاديًا، بمعزل عن سياقاتها التاريخية والرمزية والاجتماعية، ويؤدي هذا الاختزال إلى إعادة تشكيل علاقة الإنسان بالتراث، من علاقة فهم وتأويل إلى علاقة استخدام وتشغيل. وأضاف أنه عندما تطغى المقاربات التقنية، يُعاد التعامل مع العناصر الثقافية من خلال منطق وظيفي اختزالي، فتُختزل المواقع التراثية في قيمتها الإنشائية أو السياحية، ويتم التعامل مع الموروثات المعرفية بوصفها بيانات قابلة للفهرسة والحفظ الرقمي، بينما تغيب الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالمعنى، والذاكرة، والانتماء، وأثر هذه العناصر في تشكيل الهُوية الفردية والجماعية وصون استمراريتها التاريخية. وهنا تتجلّى إحدى أخطر نتائج تهميش العلوم الإنسانية؛ إذ تفرّغ الثقافة من بُعدها الإنساني ويتم تحويلها إلى منتج صامت، يُدار دون حوار معرفي مع المجتمع أو التاريخ.

ووضّح أنّ العلوم الإنسانية تؤدي دورًا محوريًا في إعادة الإنسان إلى مركز العملية المعرفية؛ فهذه العلوم لا تتعامل مع العناصر كمعطيات جاهزة، بل كظواهر مشحونة بالدلالات، تتطلب الفهم قبل التوظيف، والتأويل قبل التثمير، كما إن حضور التاريخ، والأنثروبولوجيا، وعلم الآثار، والفلسفة وغيرها من العلوم الإنسانية في منظومة التعليم العالي يدرّب الطلبة والباحثين على قراءة السياقات الثقافية التي يتعاملون معها، وعلى إدراك العلاقة بين المادة والتراث غير المادي، وبين المكان والذاكرة، وبين التنمية والمعنى.

وذكر أنه في السياق العُماني، تؤكد "رؤية عُمان 2040" والاستراتيجية الثقافية 2021–2040 على مركزية الهُوية والتراث في مسارات التنمية المستدامة، فإن حضور هذا البعد الإنساني يعد أمرًا أساسيًا؛ فالتنمية المستدامة لا تتحقق فقط عبر التقنيات الحديثة أو المشاريع الاقتصادية والاستثمارية البحتة، بل تتطلب أيضا وعيا ثقافيا عميقا يضمن أن يكون التفاعل مع التراث والهُوية تفاعلًا أخلاقيًا ومسؤولًا.

وأكّد أنّ دمج العلوم الإنسانية بعمق في التعليم العالي لا يسهم فقط في تخريج مختصين أكثر وعيًا، بل ينتج باحثين وصنّاع قرار قادرين على التفكير المركّب، وعلى الربط بين الاقتصاد والثقافة، وبين الابتكار والقيم. وبدون هذا الحضور، تظل مشاريع حفظ التراث واستثماره مهددة بأن تتحول إلى عمليات تقنية ناجحة ظاهريًا، لكنها فقيرة معرفيًا، وهشّة ثقافيًا، وقابلة لفقدان معناها على المدى البعيد. وعليه، فإن إعادة تمركز العلوم الإنسانية ليست دعوة مثالية، بل ضرورة معرفية وتنموية، تضمن أن يبقى الإنسان، بقيمه وذاكرته وهُويته، في صلب مشروع التنمية المستدامة في سلطنة عُمان.

وأشار إلى أنه في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، لا يتمثل التحدي الأساس في امتلاك التكنولوجيا، بل في كيفية توجيهها ثقافيًا وأخلاقيًا. وهنا يبرز الدور الجوهري للعلوم الإنسانية في بناء منظومة قيمية قادرة على استيعاب التحول الرقمي دون التفريط في الهُوية الثقافية. إن تراجع حضور هذه العلوم في التعليم العالي يؤدي إلى اختلال عميق في التوازن بين المهارة التقنية والوعي الإنساني، حيث يُنتج النظام التعليمي أفرادًا قادرين على الاستخدام، لكن أقل قدرة على الفهم النقدي والتأمل الأخلاقي.

ولفت إلى أنّ التجارب العالمية تشير إلى أنّ هيمنة العلوم التطبيقية غير المؤطرة إنسانيًا على أنظمة التعليم قد تفضي إلى تآكل المرجعيات الثقافية، وتراجع اللغة والذاكرة التاريخية، وصعود أنماط قيمية استهلاكية. وفي سلطنة عُمان تؤكد "رؤية عُمان 2040" على أهمية بناء إنسانٍ معتز بهُويته، منفتح على العالم، وقادر على التفاعل مع المتغيرات، وهي معادلة لا يمكن تحقيقها من خلال التعليم التقني وحده، بل أيضا عبر العلوم الإنسانية التي تُنمّي التفكير النقدي، والحس الأخلاقي، والوعي الثقافي.

وأكّد أنّ تغييب العلوم الإنسانية من قلب التعليم العالي من شأنه أن يُضعف قدرة المجتمع على مساءلة التكنولوجيا، ويحوّل العلوم التطبيقية إلى قوة مهيمنة تعيد تشكيل القيم دون وعي أو نقاش. كما يؤدي ذلك إلى قطيعة بين الأجيال، حيث تفقد الأجيال الشابة أدوات فهم تراثها الثقافي في بيئة تهيمن عليها سرديات تقوم على التكنولوجيا والاقتصاد، ثمّ إن إعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية ليست موقفًا محافظًا أو معاديًا للتكنولوجيا، بل هي شرط أساس لبناء مجتمع حديث متوازن، يضع الإنسان في مركز العملية التنموية، ويضمن أن تكون القيم، والهُوية، والثقافة عناصر فاعلة في تشكيل حاضره ومستقبله.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: التنمیة المستدامة للعلوم الإنسانیة إعادة الاعتبار التعلیم العالی الإنسانیة فی بین الثقافات إلى إعادة واله ویة اله ویة من خلال إلى أن التی ت

إقرأ أيضاً:

"التعليم" تؤكد: منظومة متكاملة لدعم جودة التعلُّم وتعزيز شفافية القبول الجامعي وتكافؤ الفرص

 

 

 

 

 

 

◄ نجاح العملية التعليمية مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تكامل الأدوار

◄ التعليم: نرحب بجميع الآراء ونحرص على تعزيز مبدأ الشافية والتواصل مع المجتمع

الوزارة تعمل على تحقيق المواءمة بين خريجي التعليم العام واحتياجات سوق العمل

◄ تنفيذ إجراءات تطويرية بهدف تعزيز العدالة والشفافية وتيسير إجراءات القبول

المعلم العُماني يمتلك الكفاءة والمهارة العالية للقيام بدوره ومسؤولياته التعليمية

دور كبير لـ"المعهد التخصصي" في تدريب المعلمين على تنويع طرائق التدريس وأساليب تقديم المعلومة

قانون التعليم المدرسي ينظم مراكز دعم تعلُّم الطلبة

بعض المدارس تقدم حاليًا دروس تقوية لمن يحتاج من الطلبة

المحتوى الدراسي يتواءم مع معايير المنهج وزمن التعلم المُتاح

بناء أسئلة الورقة الامتحانية يُراعي القدرات المختلفة ولا يُركز على المعرفة والحفظ فقط

◄ الوزارة تقدم خدمات إرشادية علمية قائمة على الرصد المُبكِّر للتحديات النفسية والسلوكية

 

 

 

مسقط- الرؤية

تلقت جريدة الرؤية ردًا من وزارة التعليم على التحقيق الصحفي المنشور في عدد الأحد 31 مايو 2026، بعنوان "مطالب بالتوسُّع في الطاقة الاستيعابية بمؤسسات التعليم العالي مع زيادة الأعداد".

وقالت الوزارة في ردها، إنه فيما يتعلق بآراء عدد من أولياء الأمور بشأن منظومة القبول الموحد، أوضحت أن هذه الملاحظات تعكس حرص المجتمع على تطوير فرص الالتحاق بالتعليم العالي وضمان حصول الطلبة على فرص تعليمية تتناسب مع قدراتهم وطموحاتهم، وهي أهداف تتوافق مع التوجهات التي تعمل عليها منظومة القبول بالتعليم العالي في سلطنة عُمان.

أما بشأن الملاحظات المتعلقة باختصاصات مركز القبول الموحد، ذكر الرد أن المركز عمل خلال السنوات الماضية على تنفيذ عددٍ من المبادرات والإجراءات التطويرية الرامية إلى تعزيز العدالة والشفافية وتيسير إجراءات القبول، من أبرزها:

التطوير المستمر للأنظمة الإلكترونية الخاصة بالتقديم والتنافس على المقاعد الدراسية، بما يضمن تطبيق معايير القبول المعتمدة وفق منظومة رقمية واضحة.   توفير عدة مراحل للتقديم وتعديل الرغبات، بما يمنح الطلبة فرصًا أوسع لإعادة ترتيب خياراتهم وفق نتائجهم الفعلية وفرص التنافس المتاحة. تعزيز خدمات الإرشاد والتوعية من خلال الأدلة الإرشادية، واللقاءات التعريفية، ومختلف قنوات التواصل بما يُمكّن الطلبة وأولياء أمورهم من اتخاذ قرارات أكثر دقة عند اختيار البرامج الدراسية. تطوير آليات متابعة الشكاوى والتظلمات، بما يكفل سرعة التعامل معها والتحقق من سلامة إجراءات القبول وإسناد المقاعد. التوسع في إتاحة البيانات والمؤشرات المتعلقة بالقبول والتنافس على البرامج المختلفة، بما يسهم في رفع مستوى الشفافية وتمكين الطلبة من بناء اختياراتهم على معلومات واقعية.

التوسع في التخصصات

وردًا على ما يتعلق بمطالبة أولياء الأمور بضرورة التوسع في التخصصات المطلوبة لسوق العمل، فتشير بيانات القبول للعام الأكاديمي الحالي 2025/2026، إلى أن غالبية المقبولين تم توزيعهم على تخصصات ترتبط بصورة مباشرة بالقطاعات الاقتصادية والخدمية الرئيسة؛ إذ استحوذت تخصصات الإدارة والمعاملات التجارية والهندسة والتقنيات وتكنولوجيا المعلومات والصحة على النصيب الأكبر من أعداد المقبولين، وهو الأمر الذي يعكس الجهود المستمرة التي تبذلها الجهات المعنية لتوجيه جانب كبير من الفرص الدراسية نحو التخصصات ذات العلاقة بالتنمية الاقتصادية واحتياجات سوق العمل، ويوضح الشكل الآتي التوزيع العددي لجميع الطلبة المقبولين حسب التخصص الرئيسي للعام الأكاديمي 2025/2026.

وأشار رد الوزارة إلى عدد من القضايا التي تناولها الاستطلاع، وفي مقدمتها زيادة أعداد المقاعد الدراسية بما يواكب النمو السنوي في أعداد الخريجين، أو إعادة تصميم معايير القبول لتشمل اختبارات القدرات والاستعداد الأكاديمي وأدوات تقييم إضافية، ترتبط بمنظومة التعليم العالي والسياسات المنظمة للقبول والالتحاق؛ حيث إن هذه الموضوعات تُعد من أولويات التطوير الحالية التي تعكف الوزارة على التنسيق بشأنها مع الجهات ذات العلاقة. وبيّن الرد أن عددًا من التخصصات والبرامج في مؤسسات التعليم العالي تُنفِّذ حاليًا اختبارات للقبول والقدرات، والوزارة تعمل على تشجيع مؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة على تطوير هذا النوع من أدوات القياس والقبول.

كفاءة المعلم العُماني

وشددت الوزارة على أن المعلم العُماني يُعد الركيزة الأساسية للعملية التعليمية، وقد أثبت على مدى السنوات الماضية كفاءته العالية وقدرته على أداء رسالته التربوية والتعليمية بكفاءة واقتدار، ويعكس ما يقدمه من ممارسات تعليمية داخل الصفوف الدراسية مستوى متقدمًا من التأهيل المهني والتمكن العلمي والتربوي.

وبينت الوزارة أن المعهد التخصصي للتدريب المهني للمعلمين يضطلع بدور محوري في تعزيز قدرات المعلمين وتطوير مهاراتهم المهنية من خلال برامج تدريبية نوعية ومستمرة، تركز على تنويع استراتيجيات التدريس، وتوظيف الأساليب الحديثة في تقديم المعرفة، وتطوير مهارات شرح الدروس بما يراعي الفروق الفردية بين الطلبة ويُسهم في رفع جودة مخرجات التعلم وتحقيق الأهداف التعليمية المنشودة.

دعم تعلُّم الطلبة

وقالت الوزارة إنه في إطار الحرص على تعزيز التحصيل الدراسي للطلبة وتقديم الدعم التربوي المناسب لهم، فقد أولى قانون التعليم المدرسي الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (31/2023)، اهتمامًا بهذه الجوانب من خلال ما تضمنه في المادة رقم (20) من إمكانية إنشاء مراكز ومعاهد متخصصة لدعم تعلم الطلبة ورفع مستوياتهم التحصيلية وفق الشروط والضوابط التي تحددها اللائحة التنفيذية. وانسجامًا مع الدور التربوي الذي تقوم به مختلف المدارس بما يعزز من نواتج التعلم ويمكن الطلبة من المادة العلمية، تواصل هذه المدارس بشكل مستمر تنفيذ برامج ودروس التقوية للطلبة الذين يحتاجون إلى دعم إضافي في بعض المواد الدراسية، وتُنفذ هذه البرامج من قبل كوادر تعليمية مؤهلة تتابع احتياجات الطلبة بصورة مستمرة، بما يضمن تمكين جميع الطلبة من تحقيق نواتج التعلم المستهدفة وفق قدراتهم التعليمية المختلفة.

توازن المنهج وزمن التعلُّم

وأكدت الوزارة حرصها على تحقيق التوازن بين محتوى المناهج الدراسية والزمن المخصص لتدريسها بما يتسق والمعايير التربوية المعتمدة لهذه المناهج، وذلك من خلال مراجعة المناهج بصورة دورية وفق أسس علمية وتربوية تراعي الخصائص العمرية للطلبة ونواتج التعلم المستهدفة؛ بهدف التأكد من ملاءمة حجم المحتوى للزمن المتاح بما يضمن تحقيق العمق المعرفي والمهاري دون تحميل الطلبة أعباءً تعليمية تفوق قدراتهم، وتتابع الوزارة بشكل مستمر ملاحظات الحقل التربوي ونتائج التقويم المختلفة، بما يتيح إجراء التحسينات اللازمة على المحتوى الدراسي وآليات تنفيذه، وتؤمن الوزارة بأن جودة التعلم لا تقاس بكمية المحتوى فقط، وإنما بمدى استيعاب الطلبة له وقدرتهم على توظيفه في مواقف الحياة المختلفة.

تقويم يُراعي القدرات

وأكدت الوزارة- في معرض ردها- أن الامتحانات النهائية لا تعتمد على الحفظ أو الاسترجاع المباشر فقط، وإنما تُبنى وفق أهداف ومخرجات التعلم المعتمدة في وثائق تقويم تعلم الطلبة في المواد الدراسية، والتي تُعنى بقياس المعارف والمهارات والقدرات العليا بصورة متوازنة، ووفق نسب محددة تراعي الفروق الفردية وتتناسب وقدرات الطلبة المختلفة، كما تحرص الوزارة على تعزيز تدريب الطلبة على أنماط الأسئلة وفق الأطر المعتمدة، بما يرفع جاهزيتهم لأداء الامتحانات ويقلل من حالات القلق المرتبطة بها.

وفيما يتعلق بالامتحانات وكيفية التعامل معها، أكدت الوزارة على متابعتها المستمرة لما يَرِدُ حول ضيق الوقت المتاح للاستعداد للامتحانات النهائية، وتزامنها مع إجازة عيد الأضحى المبارك وما قد يسببه ذلك من تحدٍّ نفسي لدى الطلبة، مشيرةً إلى أن التربويين ينظرون إلى تقويم التعلم بوصفه أداةً لقياس التعلم وتحسينه، لا مصدرًا للضغط على الطلبة أو الأسر.

وشددت الوزارة على أن الهيئة التعليمية تبذل جهدًا في التهيئة والاستعداد للامتحانات؛ إذ تعمل على توفير المراجعات الدراسية المقننة داخل الفصول الدراسية قبيل الامتحانات النهائية، من خلال تنظيم خطط تعليمية واقعية ومنظمة. ويتم تنظيم الجداول الامتحانية بناءً على جملة من المعايير، من بينها مراعاة الظروف الاجتماعية، وقد تم الإعلان عن الجداول قبل وقتٍ كافٍ؛ ليتسنى للطلبة تنظيم وقتهم للمراجعة والاستعداد الأمثل للامتحانات، إضافة إلى تفعيل أدوار الإرشاد والتوجيه المدرسي لتهيئة الطلبة للتعامل المتوازن مع فترة الامتحانات، بما يُسهم في دعم جاهزيتهم النفسية والأكاديمية.

برامج تدريبية وتوعوية للطلبة

وانطلاقًا من اهتمام الوزارة بمساعدة الطلبة على التغلب على التحديات المصاحبة للاختبارات، والتهيئة النفسية، وتنظيم الوقت، وتعريفهم بالمستجدات الداعمة لاختيار تخصصاتهم في مؤسسات التعليم العالي، قامت الوزارة بالتعريف بالتحديثات التي شهدها الموقع الإلكتروني لمركز القبول الموحد خلال العام الدراسي الحالي، وذلك ضمن حملة توعوية نُفذت خلال الفترة من فبراير إلى نهاية مارس 2026، وشملت جميع المديريات العامة للتعليم في المحافظات؛ إذ تحرص الوزارة على تقديم برامج تدريبية وتوعوية تسهم في إعداد الطلبة وتهيئتهم للالتحاق بمختلف المسارات التعليمية؛ بما يساعدهم على اختيار البرامج الدراسية الملائمة لميولهم وقدراتهم التحصيلية، ويدعم قدرتهم على التخطيط لمستقبلهم المهني بصورة واعية ومدروسة، مع تمكينهم من الاستعداد المبكر لمرحلة ما بعد دبلوم التعليم العام، من خلال تقديم حزمة متكاملة من البرامج التوعوية والإرشادية والحلقات التدريبية إلى جانب جلسات الإرشاد الفردي والجماعي.

وإيمانًا بأهمية التكامل بين المدرسة والأسرة والمؤسسات المعنية، شددت الوزارة على أهمية تعزيز هذه الشراكة لدعم الطلبة خلال هذه المرحلة المفصلية، بما يسهم في الاستعداد المبكر واكتساب المهارات اللازمة لدى الطلبة لتقليل الضغوط، وتحسين جودة القرارات التعليمية، واختيار مسارات تعليمية تتناسب مع قدراتهم وطموحاتهم المستقبلية.

وأكدت وزارة التعليم أن جميع الجهود والمبادرات والبرامج التي تنفذها تنطلق من رؤية تربوية متكاملة تضع الطالب في قلب العملية التعليمية، باعتباره الثروة الوطنية الحقيقية وصانع مستقبل عُمان المشرق. ومن هذا المنطلق، تواصل الوزارة تطوير سياساتها التعليمية، وتعزيز جودة التعلم، والسعي إلى إيجاد المزيد من المقاعد الدراسية في مستوى التعليم الجامعي، والتوسع في القبول بالتخصصات التي تتوافق وميول الطلبة وتوجهاتهم المستقبلية بما يلبي احتياجات سوق العمل، بالإضافة إلى توفير فرص الدعم والرعاية والإرشاد، والارتقاء بكفاءة المعلمين، وتطوير المناهج وأساليب التقويم، إلى جانب العمل المستمر على تهيئة الطلبة أكاديميًا ونفسيًا ومهنيًا لمراحلهم التعليمية المقبلة.

واختتمت الوزارة ردها بالتأكيد على إيمانها بأن نجاح العملية التعليمية مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تكامل الأدوار بين المدرسة والأسرة ومؤسسات المجتمع المختلفة؛ بما يضمن توفير بيئة تعليمية داعمة ومحفزة تمكّن الطلبة من تنمية قدراتهم ومهاراتهم وتحقيق طموحاتهم. وأضاف الوزارة أنها ستظل حريصةً على الاستماع إلى مختلف الآراء والمقترحات البناءة، وتعزيز مبدأ الشفافية والتواصل مع المجتمع، ومواصلة العمل على تطوير المنظومة التعليمية بما يواكب المتغيرات الوطنية والعالمية، ويسهم في إعداد أجيال واعية ومتمكنة وقادرة على الإسهام الفاعل في مسيرة التنمية الشاملة التي تشهدها سلطنة عُمان، وفقًا لتوجيهات القيادة الحكيمة وتحقيقًا لمستهدفات رؤية "عُمان 2040".

مقالات مشابهة

  • «محمد بن زايد للعلوم الإنسانية» تطلق «الدليل إلى فلسفة الدين»
  • وزيرا التعليم العالي والتربية والتعليم والنائب الأول لـ"جايكا" يتفقدون معهد الكوزن المصري الياباني
  • "التعليم" تؤكد: منظومة متكاملة لدعم جودة التعلُّم وتعزيز شفافية القبول الجامعي وتكافؤ الفرص
  • دراسة تبحث في كيفية إعادة إنتاج المجتمع تحت النار في غزة
  • ما وراء الكود.. دراسة علمية حول السلطة الثقافة والمجتمع في عصر الذكاء الاصطناعي بجامعة بني سويف
  • برلماني: توجيهات الرئيس السيسي لتطوير التعليم العالي تعزز مكانة مصر في المعرفة والابتكار
  • دراسة برلمانية تدعو إلى تعبئة الموارد لترجمة وثائق مجلس النواب تفعيلا للطابع الرسمي للأمازيغية
  • وزيرا التعليم العالي والتربية والتعليم يتفقدان معهد الكوزن المصري الياباني
  • عبد اللطيف يشيد بفلسفة منظومة التعليم بمعهد كوزون المصري الياباني
  • وزير التعليم العالي يشهد إطلاق أول برنامج ماجستير دولي في الإدارة الرياضية بالشرق الأوسط