تكريمُ من جعل الثقافة كالخبز والماء
تاريخ النشر: 19th, January 2026 GMT
لأن فاروق حسني ليس اسمًا عابرًا في سجل الوزارات، بل فصلٌ كامل في كتاب الثقافة المصرية الحديثة.
وحين تُكرّمه «جوي أووردز»، فإنها لا تحتفي بشخصٍ فقط، بل تُعيد الاعتبار لفكرةٍ جوهرية:
أن الثقافة شأنٌ عام، يهمّ البشرية في شتّى بقاع الأرض، لأن التراث والثقافة ملكٌ للبشرية، و لذلك جعل الله رجالا مهمتهم الحفاظ على ما صنعه الاجداد، و تهيئة المناخ للأبناء و الأحفاد.
لذلك، لا بدّ من تكريم من صنعوا الثقافة، ومن مهّدوا للمثقف طريقه ليتواصل مع الناس، ويُخرج إبداعه إلى النور.
ولا بدّ من تكريم من حوّلوا وزارة الثقافة المصرية إلى مراكز للإشعاع، لا إلى مساحات للرفاهية.
شكرًا السعودية.
شكرًا «جوي أووردز».
شكرًا هيئة الترفيه.
لأن هذا التكريم جاء في مكانه الطبيعي، وفي توقيته الصحيح.
فاروق حسني…
هذا الرجل الذي جعل من الثقافة حقًا يوميًا للناس، مثل الخبز والماء.
لم يكن وزيرًا يجلس خلف مكتب، بل صاحب رؤية، آمن بأن الكتاب يجب أن يكون في يد المواطن، لا حبيس النخبة، ولا زائرًا موسميًا للمعارض المغلقة.
جعل من القراءة فعلًا يوميًا، لا مناسبة احتفالية.
فتح أبواب المعرفة، ومدّ الجسور بين الناس والكتاب، حتى لم يعد غريبًا عن البيوت ولا عن الشوارع.
وجعل من المسرح قبلةً للبسطاء قبل المثقفين؛
مساحةً للدهشة والوعي، لا صالونًا مغلقًا على أسماء بعينها.
على خشباته، التقى الناس بالفن دون حواجز، وتعلّموا أن الجمال ليس ترفًا، بل ضرورة للحياة.
أما الفن التشكيلي، فقد حرّره من ضيق القاعات إلى سعة الساحات.
خرج الفن إلى الشارع، تنفّس الهواء، وصافح العيون العابرة، وصار جزءًا من المشهد اليومي، لا زينة جدرانٍ صامتة.
والفن الشعبي…
أعاده فاروق حسني إلى مكانه الطبيعي: سفيرًا للهوية المصرية.
عبر فرق الفنون الشعبية، جابت مصر العالم، حاملةً إيقاعها وملامحها وذاكرتها الحيّة، لتقول إن هذه البلاد تعرف كيف تفرح، وكيف تحكي نفسها.
فاروق حسني لا يحتاج مقالًا واحدًا.
يحتاج كتبًا تُكتب، وأرشيفًا يُستعاد، وذاكرةً تُنقَّب.
ومن أراد أن يعرف من هو، لا يكتفي بالسير الذاتية، بل يذهب إلى الأماكن.
اذهبوا إلى شارع المعز.
إلى الهناجر.
إلى صندوق التنمية الثقافية.
إلى دار الأوبرا في القاهرة والإسكندرية.
شاهدوا الصور القديمة… ثم انظروا إلى الصور الحالية.
قارنوا المكان قبل الرؤية وبعدها.
ستعرفون أن بعض الرجال لا يتركون مناصب… بل يتركون أثرًا.
فاروق حسني لم يكن كبيرًا بمنصبه، بل بأخلاقه.
لم يعرف يومًا لغة تصفية الحسابات، ولم تُغره الصغائر، ولم تشغله المعارك الهامشية.
كان واسع الصدر، كبيرًا بمواقفه، يترك ما دون القيمة خلف ظهره، ويمضي منشغلًا بما يليق بالكبار.
لم ينتصر يومًا على أحد،
لكنه انتصر دائمًا للقيمة.
ولهذا… كان كبيرًا.
ولهذا أيضًا… جاء تكريمه مستحقًا، وفي مكانه الطبيعي.
وفي النهاية، فرحة الناس في الشارع، ومن بعدهم فرحة المثقفين، تعطى دلالة واحدة:
من يزرع نبتة طيبة، لابد أن يحصد ورودًا.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: أمجد مصطفى الزاد دار الأوبرا في القاهرة والإسكندرية فاروق حسنی
إقرأ أيضاً:
خالد الجندي: عصر التزييف الرقمي يفرض علينا حسن الظن.. وسوء الظن يهدم المجتمعات
حذر الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، من تصاعد ما وصفه بـ“عصر الفتن الرقمية” مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن الواقع أصبح ممتزجًا بالمحتوى المزيّف، ما يجعل التمييز بين الحق والباطل أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
التمسك بقيم أخلاقية راسخةوأوضح الجندي، خلال حلقة برنامج "لعلهم يفقهون"، المذاع على قناة "dmc"، اليوم الثلاثاء، أن هذا الواقع الجديد يفرض على المجتمعات ضرورة التمسك بقيم أخلاقية راسخة، في مقدمتها “حسن الظن” و”التماس الأعذار”، مشيرًا إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم﴾، معتبرًا أن سوء الظن المتكرر يؤدي إلى تفكك العلاقات الاجتماعية وانهيار الثقة بين الناس.
ثقافة حسن الظنوأشار إلى أن المجتمعات في السابق، رغم غياب وسائل الإعلام الحديثة، كانت أكثر تماسكًا بفضل انتشار ثقافة حسن الظن، والتعامل بروح العذر والرحمة بين الناس، مؤكدًا أن هذه القيم كانت عنصرًا أساسيًا في حفظ استقرار المجتمع.
واستشهد بما نُقل عن بعض السلف الصالح، ومنهم ما رُوي عن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “من علم من أخيه مروءة جميلة فلا يسمعن فيه مقالات الرجال”، في إشارة إلى ضرورة عدم الانسياق وراء الشائعات أو الروايات غير الموثوقة.
التزكية والأخلاقوأشار إلى ما ورد عن العلماء في تراث التزكية والأخلاق، ومنه قول سعيد بن المسيب رحمه الله: “ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك”، موضحًا أن الأصل في التعامل بين الناس هو حمل أفعال الآخرين على الخير ما أمكن.
وأكد أن النصوص القرآنية والسنة النبوية دعت إلى هذا المعنى، مستشهدًا بقوله تعالى في سورة الحجرات، داعيًا إلى تجنب الظنون السيئة التي تزرع القطيعة بين الناس.
التسرع في الحكم على الآخرينوشدد الجندي على أن التسرع في الحكم على الآخرين، أو الانسياق وراء محتوى مجهول المصدر عبر وسائل التواصل، يؤدي إلى فقدان الثقة وتفكك العلاقات، مؤكدًا أن “حسن الظن” ليس سذاجة، بل هو وعي أخلاقي يحمي المجتمع من الانهيار النفسي والاجتماعي.
ونبه على أن التماس الأعذار والبحث عن التفسير الإيجابي لسلوك الآخرين يخفف من التوتر الاجتماعي، ويحفظ المودة بين الناس، ويمنع تراكم الضغائن التي تهدد استقرار الأسر والمجتمعات.