من إدارة الأزمات إلى كسر العظام: الإقليم يتجه نحو المواجهة في 2026 (3)
تاريخ النشر: 20th, January 2026 GMT
رابعا: ليبيا.. النفوذ بلا أفق سياسي
نجحت الإمارات، خلال سنوات، في ترسيخ نفوذ عسكري أمني مؤثّر داخل المشهد الليبي، لكنها لم تعمل على تحويل هذا النفوذ إلى مسار دولة؛ لأنها تقوم بدورها الوظيفي في إشاعة الانقسام والفوضى، وليس البحث عن استقرار سياسي.
وربما يستمر الحال في ليبيا إلى أمد طويل بلا حسم عسكري، ولا تسوية سياسية، ولا حليف قادر على إرساء حكم مستقر.
في 2026 سيعود الحديث الجاد عن الانتخابات، لكنها لن تُمكّن، كما جرت العادة. وسيزداد الحديث عن توحيد المؤسسات، ولن يحدث شيء من هذا، وسيكون للإرهاق الأوروبي من ملف الهجرة والطاقة والرغبة الدولية في إغلاق الملفات المعلّقة لا إدارتها إلى ما لا نهاية، الدور الأكبر في محاولة إلزام جادة للاعبين الذين استفادوا من الانقسام أن يتراجعوا خطوة أو خطوتين للخلف، لا لأنهم خسروا بالضرورة، بل لأن قواعد اللعبة بدأت تتغير..
في الحالة الليبية، النفوذ العسكري لا يمنح حق الفيتو على الحلول السياسية، بل قد يتحول إلى عائق لها؛ فقد تجد الإمارات نفسها أمام خيارين كلاهما مُرّ: إما القبول بتسوية لا تعكس حجم نفوذها السابق، أو الإصرار على أدوات استُهلكت، في بيئة دولية لم تعد تتسامح مع إدارة الفوضى كسياسة متبعة..!
ليبيا في 2026 لن تكون ساحة حسم، بل ساحة فرز: بين من يملك نفوذا قادرا على التحوّل إلى دولة، ومن يملك تأثيرا لا يعرف ماذا يفعل به حين يُطلب السلام.
2026 في ليبيا ليس عام انتصار أحد، بل عام إغلاق هوامش المناورة، لكن الإمارات ستخسر الكثير بعد أن استيقظت السعودية ودول الجوار إلى خطرها ودورها الوظيفي في خدمة دولة الاحتلال.
سادسا الصومال
الإمارات تعبر عن دعمها لوحدة الصومال.. وتدعو لهدنة في السودان، وهو ادعاء كاذب، فالإمارات تعمل على تفكيك الصومال، لا بنائها، وهي لم تدخل الصومال لمساعدتها، بل لتجاوزها وتهميشها؛ فقد عملت الإمارات خارج الحكومة المركزية، وتعمدت التعامل المباشر مع الأقاليم الانفصالية أو شبه المستقلة (أرض الصومال- بونتلاند)، وهو ما نسف مبدأ السيادة الصومالية، وعمّق الصراع بين المركز والفيدراليات.
واستغلت الإمارات الموانئ كأداة هيمنة لا تنمية، وخصوصا ميناء بربرة، فلم تكن الموانئ مشاريع تنموية، بل أدوات سيطرة على ممرات التجارة والبحر الأحمر، وربط القرن الأفريقي بالأمن القومي الإماراتي لا الصومالي؛ فالأرباح والإدارة والقرار لم يكن بيد الحكومة بل بيد الإمارات..!
وقامت الإمارات كذلك بتسليح قوى موازية للدولة، لا تخضع لوزارة الدفاع الصومالية؛ مما زاد من فوضى السلاح، الأمر الذي أدى إلى إضعاف فكرة الجيش الوطني، فقد دخلت الإمارات الصومال لترويض الجغرافيا، وتزوير التاريخ، ولو كان الثمن تفكيك الدولة نفسها.
الإمارات تصرفت في الصومال على وجه التحديد كدولة عظمى تحاول إعادة إنتاج الاستبداد وتفتيت المجتمع، وهو جزء مهم من دورها الوظيفي القائم على هدم الدول العربية، إرضاء لسيدها الصهيوني.
واللافت التاريخي أن الصومال بعد أن أحس بالخطر الحقيقي الذي وصل إلى النخاع أعلن قطع العلاقات مع الإمارات رسميا، لا سيما أنها، غالبا، هي من هندست التطبيع بين أرض الصومال والكيان المحتل، ففي 12 كانون الثاني/ يناير 2026، أعلنت الحكومة الفيدرالية الصومالية إلغاء جميع الاتفاقيات والتفاهمات مع الإمارات، بما في ذلك: الاتفاقيات الثنائية في الأمن والدفاع، اتفاقيات تشغيل وتطوير الموانئ (مثل بربرة، بوصاصو، كيسمايو)، وأي ترتيبات أخرى بين المؤسسات الحكومية.
وصرحت الحكومة الصومالية بأن القرار جاء بسبب ما وصفته بأدلة على أن أفعال الإمارات تقوض السيادة والوحدة الوطنية للصومال؛ ذلك أنها تجاوزت الحكومة الفيدرالية وتعاملت مباشرة مع الأقاليم، ما يعد انتهاكا للسيادة، إضافة إلى أسباب أخرى يضيق المجال عن وصفها.
وربما يسأل سائل هذه اللحظة: لماذا ظلت الإمارات حاضرة في مقالاتك الثلاثة، وأنت تتحدث عن توقعات الإقليم العربي؟ لأقول لك ببساطة بأن المحرك لكل المشكلات القائمة اليوم هي الإمارات التي قبلت بأن تكون جزءا محوريا من سياسة الأطماع الصهيونية، وأن تقوم بالدور الذي يطلب منها، لتنفذه بأريحية عالية، ذلك أن نجاحها في تنفيذ مهماتها يقربها أكثر من الكيان المحتل والولايات المتحدة التي تغمض عينيها عن المشكلات التي تحدثها تحركات الإمارات في الأقاليم التي عبثت بأمنها واستقرارها!
وللحديث بقية..
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء الإمارات الصومال الصومال الإمارات أزمات قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
الولاية بين الامتداد الرسالي ومتطلبات المواجهة
مع اقتراب ذكرى يوم الولاية، تتجدد في الوعي الإسلامي قضية الولاية بوصفها واحدة من أكثر القضايا تأثيرًا في تشكيل الهوية الإيمانية والسياسية للأمة، فهذه المناسبة لا تُستحضر باعتبارها حدثًا تاريخيًا فحسب، بل باعتبارها محطة تأسيسية ترتبط بمفهوم القيادة الشرعية ودورها في حماية الدين وصيانة مسيرة الأمة من الانحراف والضياع، وتقدم الرؤية الدلالية الواسعة قراءة معاصرة لمبدأ الولاية، تنطلق من جذوره القرآنية والنبوية، لتربط بين الامتداد الرسالي في التاريخ الإسلامي ومتطلبات الواقع الراهن، في ظل ما تشهده المنطقة من صراعات وتحولات كبرى.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الولاية كمنظومة إلهية للقيادة
الولاية ليست مفهومًا سياسيًا طارئًا أو اجتهادًا تاريخيًا مرتبطًا بمرحلة زمنية محددة، وإنما هي جزء من المنظومة الإلهية التي أرادها الله تعالى لاستمرار الهداية بعد الرسالة، وتستند هذه الرؤية إلى النصوص القرآنية والنبوية التي جعلت من القيادة امتدادًا للرسالة، بحيث لا تنفصل مهمة إدارة الأمة عن مهمة حفظ الدين وصيانة قيمه ومبادئه، ومن هذا المنطلق يُنظر إلى حادثة الغدير باعتبارها إعلانًا واضحًا لمبدأ الارتباط بين النبوة والولاية، وبين الرسالة والقيادة، وتكشف هذه المقاربة عن بعد فكري مهم يتمثل في أن الإسلام لم يترك قضية القيادة خاضعة للأهواء والمصالح المتغيرة، بل ربطها بمعايير إيمانية وأخلاقية تضمن استمرار المشروع الإلهي في واقع الناس.
الولاية باعتبارها معيارًا للتمييز بين الحق والباطل
من أبرز الدلالات أن الولاية ليست مجرد رابطة عاطفية أو انتماء وجداني، وإنما تمثل معيارًا عمليًا يمكن من خلاله قياس المواقف والاتجاهات، فالتاريخ الإسلامي يكشف أن الانحرافات الكبرى بدأت عندما تم إبعاد القيادة عن موقعها الطبيعي، الأمر الذي أدى إلى ظهور مشاريع سياسية ابتعدت تدريجيًا عن جوهر الرسالة الإسلامية، وفي السياق المعاصر، يُعاد طرح هذا المعيار لتقييم مواقف القوى والأنظمة تجاه القضايا المصيرية للأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث يصبح الموقف من قضايا العدل والظلم، ونصرة المستضعفين أو التخلي عنهم، مؤشرًا على صدق الانتماء للمبادئ التي تمثلها الولاية.
إسقاط المفهوم على الواقع المعاصر
لا تكتفي الرؤية باستعراض البعد التاريخي للولاية، بل تنتقل إلى الواقع الراهن لتؤكد أن هذا المبدأ ما يزال حاضرًا في حياة الأمة، وأنه يتجسد من خلال المواقف العملية التي تعبر عن الالتزام بقيم الإسلام في مواجهة التحديات، وفي هذا الإطار، تطرح الرؤية نموذجين متقابلين في العالم الإسلامي، الأول نموذج الأنظمة والقوى التي تمتلك الإمكانات السياسية والاقتصادية والعسكرية، لكنها أخفقت في أداء مسؤولياتها تجاه قضايا الأمة الكبرى، واتجهت نحو سياسات التبعية والخضوع للضغوط الخارجية، والثاني نموذج القيادة التي تتبنى مواقف داعمة لقضايا الأمة، وتتحمل تبعات المواجهة دفاعًا عن الحقوق والمقدسات، وهو النموذج الذي تقدمه الرؤية باعتباره امتدادًا عمليًا لقيم الولاية ومبادئها، ومن خلال هذا الطرح، تتحول الولاية من مفهوم نظري إلى مشروع عملي يقاس بمدى الالتزام بقضايا الأمة والاستعداد لتحمل المسؤولية في الدفاع عنها.
البعد التعبوي في مفهوم الولاية
هناك ربط وثيق بين الولاية وبين صناعة الوعي الجماهيري القادر على مواجهة التحديات، فالولاية هنا ليست مجرد علاقة بين قائد وأتباع، بل هي علاقة تقوم على الثقة والالتزام وتحمل المسؤولية المشتركة، وهنا تأكيد أن التولي الحقيقي ينعكس في الميدان عبر الثبات والتضحية والاستعداد للعطاء، ومن هذا المنظور، تصبح الولاية أداة لبناء مجتمع متماسك يمتلك رؤية موحدة تجاه القضايا الكبرى، ويستطيع مواجهة حملات التضليل والتشويه التي تستهدف تفكيك الهوية الإيمانية للأمة.
الولاية والهوية القرآنية
لا بد أن يتم إعادة ربط مفهوم الولاية بالهوية القرآنية، من خلال التأكيد أن القيادة الحقة ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتجسيد قيم القرآن في الواقع، فالقائد لا يُقاس بموقعه السياسي أو سلطته المادية، وإنما بمدى التزامه بالحق والعدل ونصرة المظلومين والوقوف في مواجهة الطغيان، وهذا الربط بين الولاية والهوية القرآنية يمنح المفهوم بعدًا حضاريًا يتجاوز حدود الانتماء السياسي الضيق، ليصبح مشروعًا أخلاقيًا وإنسانيًا يهدف إلى بناء مجتمع قائم على القيم والمبادئ.
الرسائل السياسية للرؤية
هناك جملة من الرسائل السياسية المهمة، أبرزها، التأكيد أن الصراع في المنطقة ليس صراع مصالح فحسب، بل هو صراع بين مشاريع وقيم ومواقف، وإبراز أهمية القيادة الواعية في توجيه الأمة خلال المراحل الحساسة، وكذا التأكيد أن نصرة القضايا العادلة تمثل معيارًا رئيسيًا للحكم على المواقف السياسية، والدعوة إلى التحرر من التبعية والارتهان للخارج والاعتماد على عناصر القوة الذاتية، وتعزيز حالة الوعي الشعبي بأهمية الارتباط بالمبادئ والقيم التي تحفظ للأمة استقلالها وكرامتها.
ختاما ..
مفهوم الولاية يُطرح اليوم بوصفه مشروعًا متكاملًا يجمع بين البعد العقدي والفكري والسياسي والتعبوي. فالغدير، ليس مجرد ذكرى تاريخية تُستعاد كل عام، بل محطة متجددة لاستلهام معاني القيادة الرسالية والالتزام العملي بقضايا الأمة، ومن هنا تتجلى الرسالة الأساسية للرؤية في التأكيد أن الولاية ليست شعارًا يُرفع أو مناسبة تُحتفى بها فحسب، وإنما مسؤولية عملية تتجسد في الموقف والوعي والانحياز للحق، وفي القدرة على تحويل المبادئ القرآنية إلى واقع حي يصنع العزة والكرامة ويواجه مشاريع الهيمنة والظلم في مختلف الساحات.