على مدى يومين، وفي الفترة من ختام شهر رجب الأصب، ومفتتح شعبان الأغر لعام 1447 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، الموافق: التاسع عشر والعشرين من شهر يناير لعام 2026 من ميلاد المسيح عليه السلام؛ انطلقت فعاليات الدورة السادسة والثلاثين لمؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، المهن في الإسلام: أخلاقياتها وأثرها، ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي، والمنعقد برعاية كريمة من  الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، وبمشاركة أكثر من 180 شخصية علمية وفكرية من أكثر من خمسين دولة، وبإسهام علمي متميز يتمثل في أكثر 14 جلسة علمية وما يزيد على مائة بحث علمي، وذلك لمناقشة عدد من القضايا الخادمة لقضية المهن في الإسلام، أخلاقياتها وأثرها، ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي، وأسفرت هذه الجلسات والكلمات عن عدة توصيات، 

أهمها:
أولًا: إدماج قضايا العمل والمهن في الخطاب الديني
يدعو المؤتمر إلى إدماج قضايا العمل والمهن والإنتاج إدماجًا واعيًا في الخطاب الديني المعاصر، بحيث ينتقل من دائرة الوعظ المجرد إلى فضاء الإسهام الحضاري، ويستعيد دوره في توجيه السلوك المهني، وترسيخ قيم الإتقان، وتحويل العمل إلى عبادة، والإنتاج إلى رسالة، والعطاء إلى مسؤولية جماعية.


ثانيًا: إعادة تأصيل العلاقة بين الإيمان والعمران
يؤكد المؤتمر ضرورة إعادة بناء الصلة العميقة بين الإيمان والعمران في المناهج التعليمية، والبرامج الدعوية، والدورات التدريبية، باعتبار أن الإيمان الحق هو المحرّك الأول للبناء، وأن النهضة لا تقوم إلا على إنسان يجمع بين صفاء العقيدة، وحسن العمل، وعمارة الأرض وفق ميزان القيم والعدل.


ثالثًا: خطاب ديني منفتح على العلم والتقنية
يشدد المؤتمر على أهمية تعزيز خطاب ديني إيجابي ومتوازن تجاه العلوم الحديثة والتقنيات المتقدمة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، يبدد المخاوف غير المنهجية، ويقاوم الانغلاق، ويؤكد أن العلم أداة للتكريم الإنساني متى ضُبط بالقيم، وأن التقنية ليست نقيضًا للأخلاق بل ميدانًا لاختبارها.
رابعًا: الأخلاق شرط للاستدامة لا ترفٌ إنتاجي
يؤكد المؤتمر أن الأخلاق ليست عنصرًا تجميليًا يُضاف إلى منظومات العمل والإنتاج، بل هي شرطٌ أصيل لاستدامتها، وضمان عدالتها، واستمرار أثرها الإيجابي. 

فكل إنتاج ينفصل عن القيم محكوم عليه بالاضطراب، وكل تقدم يخلو من الضمير مآله التآكل والاختلال.


خامسًا: إعادة الاعتبار للبعد الإنساني في بيئات العمل
يدعو المؤتمر إلى ترسيخ البعد الإنساني في العمل، وحماية كرامة العامل، وصون حقوقه، خاصة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، وتغير أنماط التوظيف، بما يضمن ألا تتحول التكنولوجيا إلى أداة تهميش، بل إلى وسيلة تمكين وعدالة اجتماعية.


سادسًا:  التوسع في الدراسات البينية وبناء التكامل المعرفي
يشدد المؤتمر على أهمية التوسع في الدراسات البينية عبر المراحل التعليمية المختلفة، بما يحقق الاستفادة من التخصصات المهددة بالتراجع بفعل تطورات الذكاء الاصطناعي، ويعزز التمازج البنّاء بين العلوم الشرعية، والإنسانية، والتطبيقية، لصناعة معرفة متكاملة قادرة على مواكبة المستقبل.


سابعًا: تشبيك الجهود العالمية لضبط أخلاقيات الذكاء الاصطناعي
يدعو المؤتمر إلى تشبيك الجهود الدولية للتوافق على ضوابط ومعايير أخلاقية جامعة تحكم توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، بما يحقق العدالة، ويحفظ الخصوصية، ويصون القيم الإنسانية المشتركة، بعيدًا عن الهيمنة أو الاستغلال.


ثامنًا: تعزيز التعاون الدولي من أجل تنمية مستدامة ومسؤولة
يوصي المؤتمر بتعزيز التعاون الدولي، على المستويين الحكومي وغير الحكومي، لتحقيق الاستغلال الأمثل للموارد، واحتواء الأثر الكربوني المتنامي لاستخدامات الذكاء الاصطناعي، بما يوازن بين الابتكار التقني، والمسؤولية البيئية، وحق الأجيال القادمة في مستقبل آمن وعادل.


تاسعًا: إصدار الدليل الإرشادي للموظف والعامل
يوصي المؤتمر بإصدار الدليل الإرشادي للموظف والعامل، بوصفه مرجعًا عمليًا يربط بين القيم الأخلاقية، والمسؤوليات المهنية، ومتطلبات الواقع المعاصر، ويُسهم في بناء ثقافة مؤسسية قائمة على النزاهة، والانضباط، والاحترام المتبادل.


عاشرًا: إطلاق حملات توعوية وبرامج تدريبية واسعة النطاق
يدعو المؤتمر إلى إطلاق حملات توعوية ودورات تدريبية متخصصة لترسيخ أخلاقيات المهن في المصانع، والنقابات، والمؤسسات الإنتاجية، ووسائل الإعلام، بما يضمن وصول الرسالة الأخلاقية إلى مواقع التأثير المباشر، وتحويل القيم إلى ممارسات يومية ملموسة.


الحادي عشر: لجنة دائمة لمتابعة التنفيذ وتقييم الأثر
يوصي المؤتمر بتشكيل لجنة علمية وتنفيذية لمتابعة توصياته، واستكمال المقترحات ذات الصلة، ووضع آليات للتنفيذ المرحلي، وقياس الأثر المجتمعي، بما يضمن ألا تبقى التوصيات حبيسة الوثائق، بل تتحول إلى سياسات ومبادرات فاعلة.


خاتمة ونداء
إن هذه التوصيات لا تُقدَّم بوصفها سطورًا تُسجَّل في وثيقة، ولا شعارات تُرفع في مناسبة، بل تُصاغ لتكون نداءَ ضميرٍ حيٍّ، وخارطةَ طريقٍ للعمل، ورسالةَ مسؤوليةٍ إلى كل من يحمل همَّ دينه، ويصون حاضر دنياه، ويستشرف مستقبل أمته؛ نداءٌ نرجو أن يُترجم وعيًا، ثم إرادة، ثم أثرًا ملموسًا في واقع الحياة.


نقدّمها على أملٍ صادقٍ أن نرى قريبًا:
- خطيبَ الجمعة يوقظ الضمائر بالحديث عن إتقان العمل، وحماية الإنتاج الوطني، وربط العبادة بعمارة الأوطان.
- ومعلّمَ المدرسة والجامعة يصوغ العقول على ثنائيةٍ راسخةٍ تجمع بين الإيمان والعمران، وتغرس في النفوس أن العلم بلا قيمةٍ أخلاقية فاقدٌ لوجهته.
- ورجل الأعمال ومديرَ المصنع والمكتب يجعل من الأخلاق، والعدل، وصون الكرامة الإنسانية رأسَ ماله الحقيقي، وأساس نجاحه واستدامة مؤسسته.
- وعالِمَ المختبر، والطبيب، والمهندس، والعامل، وباحثَ الذكاء الاصطناعي، يستحضر مراقبة الله، ويقدّم سلامة الإنسان وخير الخلق على بريق التقنية وسرعة الإنجاز، قبل أن يطلق أداةً أو يوقّع ابتكارًا.
ومن هنا، فإننا نرفع هذا النداء إلى الجميع:
إلى العلماء والدعاة، إلى المربين والمفكرين، إلى الاقتصاديين والمهندسين، إلى صنّاع القرار وأرباب العمل… هلمّوا لبناء فقه معاصر؛ فقهٍ يُعيد وصل السماء بالأرض، ويوازن بين الإيمان والتقدم، ويملأ الحياة علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، وتقنيةً خادمةً للإنسان لا متسلطةً عليه.
فقهٌ نبتغي به أن تَعمُر الأرض بالعدل، وتُصان الكرامة الإنسانية، ويُوجِّه العقل، ويُهذِّب الابتكار، ويُسخِّر القوة للخير، ليكون المستقبل أكثر إنسانية، والعالم أوسع سلامًا، والبشرية أقرب إلى القيم التي خُلقت من أجلها.
والله ولي التوفيق

المصدر

المصدر: بوابة الفجر

كلمات دلالية: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الخطاب الديني العقل رئيس الجمهوري الاحترام المتبادل الذكاء الاصطناعي المجلس الاعلي الرئيس عبد الفتاح السيسي المناهج التعليمية التخصصات الجمهوري الجامعة الأعلى للشئون الإسلامية الأعلى للشؤون الإسلامية عبد الفتاح السيسى رئيـس الجمهوريـة شؤون الإسلامية المهن في الاسلام الذکاء الاصطناعی المؤتمر إلى بین الإیمان

إقرأ أيضاً:

الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.. تدريب صيفي بتعليم المنشاه بسوهاج

تشارك إدارة المنشاه التعليمية جنوب محافظة سوهاج، بقيادة أسامة رفعت المشنب، مدير عام الإدارة، في برنامج التدريب الصيفي المتميز في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، ليشكل محطة معرفية رائدة وفرصة استثنائية للمعلمين والمعلمات لاكتساب مهارات العصر وأدواته الحديثة، وذلك في إطار السعي الحثيث لمواكبة التحولات الرقمية المتسارعة وبناء كوادر تعليمية قادرة على قيادة المستقبل .


 

يهدف البرنامج إلى تمكين المشاركين من استكشاف آفاق الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المتنوعة في العملية التعليمية، والتعرف على أحدث التقنيات التي تسهم في تطوير بيئات التعلم، إلى جانب تنمية الوعي بأساسيات الأمن السيبراني وسُبل حماية البيانات والمعلومات الرقمية في عالم يتجه بخطى متسارعة نحو التحول الرقمي.


 

ويستهدف التدريب جميع المعلمين والمعلمات بمدارس التعليم العام والفني والخاص بمركز ومدينة المنشاه حيث تُعقد فعالياته خلال الإجازة الصيفية بمقر الإدارة التعليمية بما يتيح للمشاركين فرصة مثالية للاستثمار في تطوير قدراتهم المهنية والتقنية.


 

وسوف يحصل المتدربون عقب اجتياز البرنامج على شهادة حضور معتمدة توثق مشاركتهم وتؤكد امتلاكهم لمعارف ومهارات حديثة تؤهلهم لمواكبة متطلبات التعليم الذكي.


 

والبرنامج دعوة إلى معلمي المنشاه ليكونوا في طليعة صناع المستقبل، وأن يغتنموا هذه الفرصة النوعية لصقل مهاراتهم الرقمية، واستشراف آفاق تعليم أكثر ابتكاراً وذكاءً، يرتكز على المعرفة والتقنية ويواكب روح العصر وتحدياته.


 

بادر بالتسجيل الآن وكن جزءاً من رحلة التحول الرقمي وصناعة المستقبل

https://forms.office.com/r/6YfMnTZVFB


 

وفي سياق آخر سطَّر أبناء إدارة المنشاه التعليمية إنجازاً جديداً على صفحات التَّميز الوطني، بعدما حققوا مراكز متقدمة في مسابقات مبادرة "عظمة وجلال مصر"، مؤكدين أنَّ الإبداع حين يجد الرعاية الصادقة يزهر نجاحاً ويثمر تفوقاً، وذلك في مشهدٍ يفيض فخراً واعتزازاً، ويعكس ما تزخر به مدارس الإدارة من طاقاتٍ واعدة وعقولٍ مبدعة،


 

وأحرزت الطالبة حنين حمدي ناصر بمدرسة اللغات الرسمية المركز الثالث والميدالية البرونزية في مجال البحث العلمي والتاريخي، بعد أداءٍ متميز جسَّد وعياً معرفياً وقدرةً لافتة على استلهام صفحات التاريخ الوطني بروح الباحثة الواعدة.


 

كما تألقت الطالبة چولي هاني وليم بحصولها على المركز الثاني في مجال الفن والموسيقى، مقدمةً نموذجاً مشرفاً للإبداع الفني الراقي الذي يعبر عن موهبة أصيلة ورؤية جمالية متميزة والطالبة ديما مالك علي ماهر مدرسة النظام الإبتدائية وتحقيق المركز الأول بالمهارات التعامل مع السوشيال ميديا.


 

ومن جانبه، أعرب أسامة رفعت المشنب مدير عام إدارة المنشاه التعليمية عن بالغ سعادته واعتزازه بهذا الإنجاز المشرف، مقدماً أصدق التهاني والتبريكات لأبنائه وبناته الطلاب والطالبات الفائزين، ولأسرهم ومعلميهم الذين كان لهم الدور الأبرز في صناعة هذا النجاح، مؤكداً أنَّ هذه الإنجازات تمثل ثمرةً طبيعيةً لجهود متواصلة وعملٍ دؤوب داخل مدارس الإدارة.


 

وأشار مدير عام الإدارة إلى أنَّه سيواصل دعمه الكامل للمواهب والقدرات الطلابية في مختلف المجالات العلمية والثقافية والفنية، إيماناً منه بأنَّ بناء الإنسان المبدع هو الركيزة الحقيقية لصناعة المستقبل، مؤكداً أنَّ التميز لم يعد هدفاً عابراً، بل أصبح نهجاً راسخاً وثقافةً متجذرة داخل مدارس المنشاهـ.


 

وأكد عزت خلف الكيلاني وكيل الإدارة على أنَّ ما حققه أبناء إدارة المنشاه هو خطوة جديدة على طريق الإنجازات الكبرى داعياً ابنائه الطلاب إلى مواصلة الاجتهاد والإبداع ورفع راية التفوق في جميع المحافل والمسابقات ليظل اسم المنشاه حاضراً في منصات التكريم ومتوجاً بأكاليل النجاح والإنجاز.

مقالات مشابهة

  • فقاعة أم طوق نجاة.. كيف أصبح الذكاء الاصطناعي الحامل الوحيد للاقتصاد الأمريكي؟
  • أمر رئاسي من ترامب لفحص نماذج الذكاء الاصطناعي قبل إطلاقها
  • "لم أكتب كوداً يوماً".. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مسار المستشارة القانونية لـ "OpenAI"؟
  • حزب الوعي: مؤتمر العمل الدولي فرصة لتعزيز الحوار وتطوير الحماية الاجتماعية
  • وول ستريت تتراجع بعد قمم تاريخية.. وطفرة الذكاء الاصطناعي تدعم أسهم التكنولوجيا
  • ما وراء الكود.. دراسة علمية حول السلطة الثقافة والمجتمع في عصر الذكاء الاصطناعي بجامعة بني سويف
  • برنامج خبراء الإمارات يطلق “مسار الذكاء الاصطناعي” يونيو الجاري
  • معالج جديد من إنفيديا قد يقلب موازين المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي
  • الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.. تدريب صيفي بتعليم المنشاه بسوهاج
  • ولي عهد الشارقة يوجه بتسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد في العمل الحكومي