إصلاح الأحزاب السودانية.. مدخلٌ لنهضة الدولة واستدامة الديمقراطية
تاريخ النشر: 21st, January 2026 GMT
إصلاح الأحزاب السودانية.. مدخلٌ لنهضة الدولة واستدامة الديمقراطية
ميرغنى الحبر/ المحامي
من المعلوم بالضرورة أن الأحزاب السياسية هي العمود الفقري لأي نظام ديمقراطي؛ فهي الوسيط بين الدولة والمجتمع، وصاحبة الدور الأكبر في إنتاج القيادات، وصياغة البرامج، وبلورة الرؤى الوطنية. وفي الحالة السودانية، ظلّت الأحزاب – رغم حضورها التاريخي – عاجزة عن القيام بدورها المركزي في بناء الدولة الحديثة وصون الديمقراطية ، مما أدى إلى تعاقب الانقلابات، وانهيار الحكومات المدنية، وتآكل الثقة بينها وبين المواطنين.
بينما تسعى الكثير من الأطراف ، سودانية وصديقة ، لوضع حد للأزمة الكارثية التى تحيق بشعبنا ، نحاول أن نسهم برسم ملامح لمعالجة خلل وعلل اهم مكون في الدولة ، وذلك على النحو التالي :
أولاً: جذور الأزمة الحزبية في السودان
1. ضعف الثقافة المؤسسية وغلبة المصلحة الذاتية
اعتمدت معظم الأحزاب السودانية ذات الوزن على الزعامات التقليدية ودوائر النفوذ الشخصي، مما جعل القرارات تخضع لحسابات فردية أو أسرية أو جهوية، بدل المعايير الموضوعية والتخطيط المؤسسي. ونتيجة لذلك، لم تُطوّر هذه الأحزاب أجهزة فاعلة للبحث والتخطيط أو لصناعة القرار، وظلّت هياكلها عاجزة عن التجديد.
2. قلة الخبرة وضعف التأهيل السياسي
لم تستثمر الأحزاب في بناء كوادر مهنية قادرة على إدارة الدولة أو ممارسة الحكم الرشيد. وغابت مراكز الدراسات، وبرامج التدريب، وآليات الفرز الموضوعي للكفاءات، فظهر أداءٌ ضعيف في كل فترات الحكم المدني.
3. الانشقاقات والولاءات الضيقة
أدى ضعف المؤسسية إلى بروز الانقسامات، فتكاثرت الأحزاب وتشظّت، وأصبح المشهد السياسي يعجُّ بأكثر من مائة حزب، كثيرٌ منها بلا قواعد حقيقية أو برامج واضحة. وانعكس ذلك على عدم استقرار الحكومات الانتقالية والبرلمانية.
4. غياب المشروع الوطني الجامع
لم تنجح القوى السياسية في الاتفاق على مشروع وطني يحدد أولويات الدولة وثوابتها، ما جعل كل حزب ينظر إلى الوطن من زاويته الضيقة، دون رؤية استراتيجية مشتركة تقود إلى نهضة شاملة.
5. عدم كتابة دستور دائم
تعاقُب الدساتير المؤقتة وانعدام الإجماع الوطني جعل العمل الحزبي رهينةً لفراغ دستوري، فأصبحت الأحزاب تدير صراعاتها على قواعد ونظم هشّة وغير مستقرة، ما أعاق بناء دولة القانون.
6. ضعف الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب
لم تُتح الفرصة لانتخابات دورية نزيهة داخل الأحزاب، ولا لانتقال سلمي للقيادة، فاستمرت الزعامات التاريخية عقوداً طويلة، وأصبح الإصلاح الداخلي شبه مستحيل.
7. اختراق الجيش واستخدامه للوصول إلى الحكم
أحد أخطر مظاهر الأزمة الحزبية في السودان هو لجوء القوى السياسية – خصوصا المؤدلجة – عبر التاريخ إلى التحالف مع المؤسسة العسكرية أو تحريضها، أملاً في الوصول إلى السلطة، مما أدى لثقافة الانقلابات وتقويض الديمقراطية ، وبالتالي قطع مسيرة التطور الديمقراطي .
8. انتشار الفساد وضعف الثقة الجماهيرية
غياب الرقابة الداخلية، وعدم المحاسبة وضعف الشفافية، وارتباط بعض القيادات بمصالح اقتصادية خاصة، أدى لتفشي الفساد ومن ثم لتآكل الثقة الشعبية، وقد تجلى ذلك في عزوف المواطنين عن الانضمام للأحزاب أوالمشاركة في أنشطتها.
—
ثانياً: لماذا إصلاح الأحزاب ضرورة وطنية؟
1. لا توجد ديمقراطية بلا أحزاب: فالبديل هو الفوضى أو الدكتاتورية.
2. الأحزاب هي مصدر القيادات: وحين تكون ضعيفة تظهر حكومات ضعيفة.
3. الأحزاب هي القاعدة التي يُبنى عليها الدستور الدائم: إذ لا يمكن صياغة دستور توافقي بلا قوى سياسية فعّالة.
4. استقرار الدولة مرتبط باستقرار العمل الحزبي: فكل انشقاق أو صراع داخلي ينعكس مباشرة على أداء الحكومة.
—
ثالثاً: نحو مشروع شامل لإصلاح الأحزاب السودانية
1. إعادة بناء المؤسسية ودمقرطة الهياكل بأن :
•فرض انتخاب القيادات بشكل دوري وشفاف.
•تحديد فترة قصوى لقيادة الحزب لمنع الاحتكار.
•إشراك الشباب والنساء عبر مقاعد مخصصة (كوته داخلية).
2. صياغة برامج وطنية واقعية ب:
•الانتقال من الخطاب العاطفي إلى البرامج المبنية على البيانات.
•إنشاء أمانات للبحث العلمي، ومراكز للدراسات الحزبية، والاستفادة من الخبرات السودانية بالداخل والخارج.
3. إعادة هيكلة التمويل ومكافحة الفساد ، بفرض شفافية مالية كاملة على الأحزاب.
4. الاندماج وتقليل عدد الأحزاب ب:
•تشجيع الاندماج بين الأحزاب المتقاربة فكرياً للحد من التشظي.
•وضع شروط قانونية واضحة لتسجيل الأحزاب تمنع “الأحزاب الورقية”.
5. الفصل التام بين الأحزاب والجيش ب:
•تجريم أي نشاط حزبي داخل القوات النظامية.
•إلزام الأحزاب بالعمل السياسي المدني فقط.
6. بناء ثقافة ديمقراطية داخل المجتمع ب:
•إدماج التربية المدنية في المدارس والجامعات.
•تشجيع الندوات وورش العمل والحوار المجتمعي، حول قيم الديمقراطية والمواطنة وسيادة حكم القانون.
7. المساهمة في كتابة دستور دائم:
•أن يكون للأحزاب دور أساسي – ولكن غير مُحتكر – في اجراءات وعملية وضع الدستور.
•الدخول في حوار وطني يشمل الفئات المهنية والشبابية والنقابية في جميع قضايا الوطن.
8/انشاء مفوضية مستقلة تضطلع بمهام اصلاح وتطوير و تحديث الأحزاب والعمل الحزبي ، ومراقبة انشطتها .
—
رابعاً: دور الدولة والمجتمع المدني في دعم الإصلاح يتمثل في:
•إصدار قانون أحزاب جديد يضمن الحد الأدنى من المؤسسية والشفافية.
•تمويل حكومي محدود للأحزاب وفق معايير واضحة لمنع شراء الولاءات.
•تأهيل الجامعات وانشاء اكاديميات عليا ومراكز بحوث ، للاطلاع بمهمة تدريب الكوادر السياسية.
•إشراك منظمات المجتمع المدني في مراقبة ممارسة الأحزاب للديمقراطية.
—
ختاماً: نحو مستقبل ديمقراطي مستقر
إن إصلاح الأحزاب السودانية ليس ترفاً سياسياً ، ولا مطلباً نخبوياً؛ بل هو شرط أساسي لبنية الدولة الحديثة، ولإنهاء دورة الانقلابات، ولتأسيس جمهورية تقوم على القانون والمواطنة.
فلا يمكن للسودان أن ينهض أو يستقر دون أحزاب قوية، وطنية، ديمقراطية، تمتلك رؤية واقعية ومسؤولية أخلاقية تجاه الوطن، وتضع المصلحة العامة فوق المصالح الضيقة.
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: نهضة الدولة
إقرأ أيضاً:
الصحة العالمية: انخفاض الحالات المشتبه بإصابتها بـ إيبولا في الكونغو الديمقراطية
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق