إخراج معسكرات وتغيير أسماء.. هل يبدأ أمن عدن عهدا جديدا؟
تاريخ النشر: 22nd, January 2026 GMT
تشهد عدن جنوبي اليمن سلسلة تحولات متسارعة، في ظل تطلعات السكان لمرحلة أكثر استقرارا مع بدء خطة تنفيذ إخراج المعسكرات وجهود الحكومة والتحالف الرامية إلى إعادة الحياة إلى طبيعتها في العاصمة المؤقتة.
ورغم التحسن النسبي في الوضع الأمني خلال الأسابيع الماضية، أعادت محاولة الاغتيال التي استهدفت، أمس الأربعاء، قائد اللواء الثاني عمالقة العميد حمدي شكري عبر تفجير سيارة مفخخة أثناء مرور موكبه في منطقة جعولة شمالي عدن، طرحَ تساؤلات جديدة حول واقع الأمن في العاصمة المؤقتة، ومدى فعالية الإجراءات التي بدأتها الحكومة والتحالف لضبط الأوضاع وبسط السيطرة.
فالعملية، التي نجا منها العميد شكري، كشفت أن التحديات الأمنية ما تزال قائمة، وأن الخطوات المتخذة حتى الآن لم تصل بعد إلى مستوى الضمانات المطلوبة لتحقيق استقرار مستدام في المدينة.
نقل المعسكراتوقد بدأ في عدن الاثنين الماضي إخلاء معسكر جبل حديد من القوات العسكرية والأسلحة والذخيرة، وتسليمه لقوة حماية المنشآت، ضمن خطة تهدف إلى تمكين الأجهزة الأمنية من القيام بمهامها في تعزيز أمن واستقرار المحافظة، وفق وكالة الأنباء الرسمية "سبأ".
ونقلت الوكالة عن أركان حرب "الفرقة الثالثة عمالقة"، العميد أبو خالد التركي، قوله إن إخلاء معسكر جبل حديد يمثل المرحلة الأولى من الخطة التي تم إقرارها لإنهاء المظاهر المسلحة في عدن، بإشراف من قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن بقيادة السعودية.
من جهته، ذكر أركان عمليات حماية المنشآت، العقيد كمال الكلدي، أن قوة أمنية تسلّمت المعسكر وستعمل على تعزيز الأمن والاستقرار إلى جانب مختلف الأجهزة الأمنية، تحت إدارة وإشراف السلطة المحلية بالمحافظة.
قوات الحزامولعل من بين تلك الجهود والمساعي أيضا، تحويل مسمى "قوات الحزام الأمني" إلى "قوات الأمن الوطني"، مع تغيير الشعار السابق المرتبط بالمجلس الانتقالي الجنوبي واستبداله بنسر باسط جناحيه يتوسطهما ميزان العدالة، وفق صور متداولة.
إعلانوبحسب موقع قوات الحزام الأمني، جاءت هذه الخطوة بتوجيه من عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، تزامنا مع ترتيبات أمنية جديدة تشمل انتشار الأجهزة الرسمية داخل عدن وإخراج المعسكرات العسكرية من المدينة.
ورغم أهمية الخطوة من حيث الشكل، يرى بعض الناشطين أن تغيير المسمى لا يكفي وحده لتحقيق التغيير المنشود. إذ تقول الناشطة الحقوقية أروى فضل -التي تربطها صلة قرابة بأحد المخفيين قسرا في سجون الانتقالي- إن المشكلة "ليست في الاسم، بل في الأشخاص المتورطين في انتهاكات"، مؤكدة أن استمرارهم دون محاسبة "يعني أن شيئا لم يتغير".
وأضافت أروى "لأن الإشكالية ليست في تغيير المسمى، بل في بقاء متهمين بارتكاب تجاوزات خارج القانون، فليس من المعقول تحديث جهاز الأمن بمن ارتكبوا جرائم وانتهاكات واختطافات، لأن بقاءهم دون محاسبة ودون تعاونهم في كشف المتورطين، يجعلنا نشعر بقلق من استمرار دائرة الانتهاكات، ويعني أن التغيير لم يحدث".
ويتفق مع أروى الناشط المجتمعي ماجد علي بالقول "بالنسبة لي لا أعتقد أن تغيير التسمية والشعار سيُحدث فرقا حقيقيا، لأن التغيير بهذه الطريقة يكون اقتصر على الشكل فقط".
كما أن العبرة ليست في اللافتات والشعارات ولا في المسميات، بل في القيادات والسلوك، وضبط الأداء بما لا يكرر الأخطاء والانتهاكات نفسها.
ويضيف ماجد للجزيرة نت "لكن طالما بقيت القيادات نفسها وأدوات النفوذ نفسها وبآلية العمل نفسها فلن يتبدل الواقع، فالمواطن لا يهمه شكل الزي والشعار الذي عليه، بل ما يلمسه على الأرض من سلوك وممارسات يجب أن تترجم الأمن والعدالة".
وهو ما يراه أيضا الناشط السياسي مجدي النقيب الذي يعتقد أن النظرة الشعبية لتغيير المسمى هي نظرة يشوبها الحذر، فيقول إن مسمى الحزام الأمني كقوة أمنية سابقة ارتبط في الذاكرة الشعبية بفصيل معين مارس في فترات سابقة تجاوزات أمنية، أدت لتآكل الثقة بين المواطن وهذه القوة، لذلك فإن مجرد تغيير الاسم لا يكفي لإعادة بناء هذه الثقة المفقودة، حسب قوله.
ويضيف للجزيرة نت أن "الرهان على هذه القوة يرتبط بمسؤوليتها الأخلاقية، وتحولها من (حزام أمني) إلى (أمن وطني) يعني أنها يجب أن تكون مسؤولة عن أمن كل مواطن دون أي حسابات جهوية أو مناطقية أو غيرها".
واقع الحال أن الناس في عدن بحاجة لخطوات وإجراءات من شأنها طمأنتهم فعلا بحدوث التغيير الإيجابي. عن ذلك، يقول الناشط ماجد علي إن "أي إصلاح حقيقي يبدأ بضمان تغيير الأشخاص المتورطين بآخرين يحترمون الإنسان ويخضعون للدولة وسلطة القانون لا الاستمرار بنفس المتورطين".
وفي السياق نفسه، تضيف الناشطة أروى فضل "أن تصبح قوات الحزام الأمني تحت راية الوطن وسلطة الدولة وشرعيتها فهذا شيء جيد، لأننا بحاجة لأجهزة أمنية تعمل بمهنية وصدق وأمانة لخدمة المواطن، لكن المهم أولا التحقيق وتنظيف هذه القوة من المنتهكين، ومحاسبتهم، وأن يعترفوا بالأخطاء، ويعتذروا وأن يتعاونوا للكشف عن مصير المخفيين قسرا".
إعلانوهو ما يراه أيضا الناشط مجدي النقيب بقوله "ينتظر الناس أن يكون هذا التحول بداية لعهد جديد تُحترم فيه كرامة المواطن وحقوقه، بعيدا عن السجون السرية أو التجاوزات التي قد تمارس، وعليه فإن معيار التغيير المنشود مرتبط بمدى التزام هذه القوات بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وتطبيق مبدأ المساءلة والشفافية في حال وقوع أي تجاوز".
على مدى السنوات العشر الماضية اهتزت ثقة الناس في الأجهزة الأمنية التي كانت مسيطرة على عدن، نظرا للانتهاكات التي جرت، وقد تم توثيق الكثير منها في تقارير محلية ودولية.
لذلك، فإن أي تغيير يُفترض أن يرتبط بخطوات وإجراءات من شأنها طمأنة السكان. وبشأن ذلك يقول الناشط السياسي مجدي النقيب "ثقة المواطنين في قوات (الأمن الوطني) مرهونة بأدائها وعملها وفق القانون واحترام حقوق الإنسان، وضمان ألا تتكرر التجاوزات".
ويربط استعادة الثقة بمسألة خضوع هذه القوة فعلا لسلطة الدولة تحت راية وزارتي الداخلية والدفاع "بجعل ولاء القوات للدولة ومؤسساتها الرسمية بعد أن كان للأفراد أو الفصائل، ثم بتطبيق القانون وإخضاع المنتهكين للمحاسبة والمساءلة وفقا للقوانين العسكرية والمدنية وتغيير العقيدة لتصبح قوة أمنية نظامية هدفها حماية المواطن والدولة"، حسب قوله.
الحزام و"الإرهاب"وفي اتجاه مختلف مع ما سبق تحدث الضابط في الأمن العام بعدن عنتر أحمد الحيدري عن ظروف تأسيس قوات الحزام الأمني وطبيعة اختصاصها، فيقول "تأسس الحزام الأمني في ظرف صعب وخطِر، فقد كانت التنظيمات الإرهابية تعمل في كل شارع ومنطقة، بل كانت هناك إمارات إسلامية نشأت بعد حرب صيف 2015".
ويضيف الحيدري وهو قيادي سابق في (المقاومة الجنوبية) للجزيرة نت "عملت هذه المنظومة الأمنية بجد واجتهاد وأنا شاهد -لكوني ضابطا ومديرا سابقا لعميات عدن- أن الحزام الأمني كان منظومة مؤطرة كمؤسسة عسكرية تتبع القوات العسكرية الجنوبية بعد تحرير عدن، وتتعامل مع المحاكم والنيابات بشكل رسمي".
رافضا اتهام هذه القوات بأي تجاوزات، بالقول "هناك ظروف وجهات معينة عملت على فبركة المشهد وتقديم الحزام كما لو كان غير رسمي، مع أن الأمر عكس ذلك". مستدركا "إن كان هناك من أخطاء فالأخطاء طالت كل المؤسسات العسكرية والأمنية سواء من قبل 2015 أو ما بعدها".
وأمام هذه التطورات، يبدو أن التحول من الحزام الأمني إلى الأمن الوطني لا يُقاس بتغيير الاسم أو الشعار، بل بقدرة المؤسسة على تحقيق عدالة انتقالية، وبناء جهاز أمني يحترم حقوق الإنسان ويخضع لسلطة الدولة وحدها.
وبين الآمال الشعبية والحذر العام، تبقى أسئلة الثقة معلقة في انتظار خطوات عملية تثبت للمواطن العدني أن عهدا جديدا قد بدأ بالفعل.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات قوات الحزام الأمنی هذه القوة لا یکفی فی عدن
إقرأ أيضاً:
علماء يحددون عاملا جديدا يرفع خطر الإصابة بالحساسية
أظهرت دراسة أجراها علماء من جامعة فيينا الطبية في النمسا أن التعرض للجزيئات البلاستيكية الدقيقة يضعف جهاز المناعة، ما يزيد من الالتهابات وردود الفعل التحسسية.
قام فريق البحث العلمي بدراسة آثار جزيئات البولي إيثيلين تيريفثاليت (PET)، وهو أحد أكثر أنواع البلاستيك شيوعاً في تصنيع الزجاجات، التغليف، والأقمشة، على أجسام الكائنات الحية، وخلال تجارب مخبرية أجريت على الفئران، تم إدخال هذه الجزيئات الدقيقة إلى أجسامها عبر الجهاز التنفسي مع متابعة تفصيلية للحركة والمسارات التي تسلكها داخل الجسم.
كشفت النتائج أن التعرض لمرة واحدة لهذه الجزيئات يسبب استقرارها في الرئتين لمدة لا تقل عن أسبوعين، وهي فترة شهدت خلالها أجسام الفئران استجابة التهابية واضحة، تمثلت هذه الاستجابة في ارتفاع عدد خلايا المناعة، مثل الخلايا الليمفاوية والخلايا الحمضية، وهي عناصر رئيسية في تطور الحساسية.
وعندما جُمعت هذه الجزيئات مع حبوب لقاح نبات الرجيد، المعروف بأنه من مسببات الحساسية الشائعة، لوحظ تزايد مستوى الالتهاب في المجاري التنفسية.
وتبين من التحليلات الإضافية أن الجزيئات البلاستيكية الدقيقة تمتلك قدرة ملحوظة على تعديل وظائف الجهاز المناعي، مما أثر بشكل ملحوظ على إنتاج الأجسام المضادة المرتبطة بالاستجابة للمسببات الحساسية.
تؤكد هذه الاكتشافات أن الجزيئات البلاستيكية الدقيقة ليست مجرد ملوثات غير ضارة، بل إنها يمكن أن تؤثر مباشرةً على العمليات المناعية، وبمجرد دخولها الجسم، تصبح قادرة على التسبب في تغييرات عميقة تزيد من احتمال ظهور وتفاقم الاستجابات التحسسية لدى الكائنات الحية.