لماذا نحتاج إلى مراجعة الفقه السياسي الإسلامي؟ من مأزق التراث إلى أسئلة الواقع
تاريخ النشر: 22nd, January 2026 GMT
تُنشر هذه المقالة ضمن ورقة بحثية فكرية أعدّها الكاتب والباحث التونسي الدكتور عبد المجيد النجار، المتخصص في شؤون الفكر الإسلامي، تتناول بالدراسة والنقد واقع الفقه السياسي الإسلامي ومآلاته في ظل التحولات العميقة التي يشهدها العالم المعاصر. وتقوم "عربي21" بنشر هذا البحث بالتزامن مع نشره على الصفحة الرسمية للدكتور النجار على منصة فيسبوك، إسهامًا في توسيع دائرة النقاش حول واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في الفكر الإسلامي المعاصر.
وتنطلق هذه الحلقة من تشخيص علمي لمأزق الفقه السياسي الموروث، مبيّنة مبرّرات المراجعة الاجتهادية التي باتت ضرورة شرعية وفكرية، كما تتوقف عند الأسس المنهجية التي ينبغي أن تضبط هذا التجديد، بما يحفظ مرجعية النص ومقاصد الشريعة، ويمنع في الوقت نفسه الجمود أو القطيعة مع الواقع.
ضرورة المراجعة
إنّ مراجعة الفقه السياسي الإسلامي يقتضيها الوضع الذي عليه هذا الفقه، وذلك من حيث نسبته من مجريات الواقع السياسي الراهن، ومدى ما يمكن أن تحقّق الأحكام الواردة فيه من المقاصد المطلوب تحقيقها،كما يقتضيها أيضا ما بُني عليه كثير من تلك الأحكام الشرعية من أدلّة يبدو أنّها مرجوحة من حيث ذاتها، وتأكّدت مرجوحيتها باعتبار تطوّر الأوضاع التي قامت من أجل معالجتها. ويمكن تلخيص هذه المبرّرات لضرورة المراجعة في الفقه السياسي فيما يلي:
المبرّر الأول ـ قلّة المؤلّفات في الفقه السياسي، ومحدودية الآراء والاجتهادات فيه، إذ المؤلّفات في هذا الفقه تكاد لا تتجاوز على مدى تاريخ الثقافة الإسلامية بضع عشرات، في حين تعدّ المؤلّفات في الفروع الفقهية الأخرى بالآلاف، والاجتهادات الواردة في هذه المؤلّفات يكاد يكون المتقدّم منها مستصحبا في المتأخّر على وجه التكرار، فخلت إذن من الثراء في الآراء، والتعدّد والتنوّع فيها، ولا جرم فإنّ ثراء الاجتهادات إنما يلده التفاعل مع الواقع، وتفاعل الفقه السياسي مع الواقع كان محدودا جدا كما أشرنا إليه آنفا.
إنّ مراجعة الفقه السياسي الإسلامي يقتضيها الوضع الذي عليه هذا الفقه، وذلك من حيث نسبته من مجريات الواقع السياسي الراهن، ومدى ما يمكن أن تحقّق الأحكام الواردة فيه من المقاصد المطلوب تحقيقها،كما يقتضيها أيضا ما بُني عليه كثير من تلك الأحكام الشرعية من أدلّة يبدو أنّها مرجوحة من حيث ذاتها، وتأكّدت مرجوحيتها باعتبار تطوّر الأوضاع التي قامت من أجل معالجتها. ويمكن تلخيص هذه المبرّرات لضرورة المراجعة في الفقه السياسي فيما يلي:وهذا الفقر في المؤلفات والمحدودية في الاجتهادات تجعل الناظر اليوم في التراث الفقهي السياسي لا يجد نفسه أمام خيارات متعدّدة من الاجتهادات فيتخيّر منها ما هو مناسب للوضع السياسي الراهن ليعالج به ما يتطلّبه ذلك الوضع من أحكام تتحقّق بها مقاصد الشريعة في الشأن السياسي، وذلك مثل ما عليه الحال في الفقه الاقتصادي أو فقه الأحوال الشخصية فيما يزخر به كلّ منهما من اجتهادات كثيرة يفزع إليها الفقيه في معالجة الأوضاع المستجدّة، فيجد طلبته في هذا الاجتهاد أو ذاك، حتى وإن كان على عهده مرجوحا أو مغمورا ما دام يقوم على سند معتبر من الدلائل؛ ولذلك فإنّ الفروع الفقهية الأخرى إذا كانت تستدعي هي أيضا النظر التجديدي مع ثرائها، فإنّ فقه السياسة الشرعية يستدعي نظرا تجديديا أوكد، واجتهادا في الأحكام أوسع من أجل معالجة القضايا السياسية الراهنة.
المبرر الثاني ـ إنّ الخطاب الديني في الشأن السياسي جاء خطابا يتّصف بالكلّية والعمومية، ويكاد يخلو من التفصيل والجزئية، فالأحكام الشرعية المنصوص عليها في هذا الشأن تكاد لا تتجاوز بضعة مبادئ كلّية عامّة، مثل مبدإ الشورى، وقيام الدولة على الدين، وسيادة الشريعة في الحكم، وإسناد السلطة للأمّة، وما عدا ذلك من الأحكام المتعلّقة بتفاصيل الحياة السياسية وإجراءاتها العملية تُرك الأمر فيه للاجتهاد حسبما يقتضيه تغيّر الأحوال وتبدّل الأوضاع عبر الزمن.
وهذا الوضع اقتضى أن يكون التراث الفقهي السياسي مبنيا في معظمه على الاجتهاد فيما هو عفو غير منصوص عليه من الأحوال المتعلقة بشؤون الحكم، وذلك وفق ما تراءى للمجتهدين من فقهاء السياسة أنّه يحقّق مصلحة الأمّة في الظروف التي كانت على عهدهم، أما وقد تغيّرت تلك الظروف تغيّرا كبيرا، فإنّ الأمر يدعو إلى نظر اجتهادي جديد يتأطّر بإطار تلك المبادئ الكلّية المنصوص عليها، ويستنبط أحكاما تعالج الواقع السياسي المتجدّد، وذلك في مراجعة لتلك الأحكام التراثية قد تكون مراجعة جذرية في البعض منها إذا ما دعت إليها المصلحة التي هي غاية الأحكام الشرعية كلّها.
المبرر الثالث ـ لقد كان الواقع السياسي على تلك العهود التي ألّفت فيها المصادر المؤسّسة للفقه السياسي شديد السطوة على أولئك المؤلفين، وذلك بما زخر به من الفتن السياسية البالغة التأثير في الأمّة، ابتداء من الفتنة الكبرى وما تلاها بعد ذلك من الفتن التي يكاد لم يخل منها عهد من العهود في الحكم الإسلامي، وقد كان لهذه السطوة الواقعية أثر بالغ في الاجتهاد الفقهي الذي دوّن في مؤلّفات السياسة الشرعية، وبقي بعد ذلك مستصحبا في المؤلّفات اللاحقة حتى وإن تغيّرت أحوال الواقع وزالت منه تلك السطوة التي كانت مؤثّرة فيه سابقا، والتي كانت سببا في توجيه الأحكام على النحو الذي استقرّت عليه.
وقد أدّى هذا الوضع الذي انتهى إليه الفقه السياسي إلى تأثير سلبي لبعض الاجتهادات من الموروث الفقهي حينما أُريد أن تدرج في مجريات الواقع السياسي الإسلامي الراهن على أساس توجيهه بحسبها، وذلك ما قد يفضي أو لعلّه قد أفضى إلى أزمات في ذلك الواقع، ويعوق عن التطوّر الإيجابي فيه، وذلك ما يستلزم مراجعات اجتهادية نقدية عميقة لتعديل تلك الآراء وإبطال مفعولها السلبي في الشأن السياسي الراهن.
ب ـ أسس المراجعة في الفقه السياسي
من الضروري أن تتأسّس تلك المراجعة الاجتهادية للفقه السياسي على جملة من الأسس التي تضمن أن تكون مراجعة سديدة، وأن تحول دون الوقوع في تحكّمات تنأى عن التوجيه النصّي في الشأن السياسي، أو تخضع لما هو مناقض لذلك التوجيه مما قد يغري به الفقه السياسي الوضعي بما بلغه من تطوّر كبير تطابقت فيه الفلسفة النظرية بالمجريات الفعلية، أو تسقط في مقابل ذلك في موقف الرفض المطلق لذلك الفقه الذي يشتمل على تجربة ثريّة كثير منها محقّق لمقاصد الشريعة فيمكن اقتباسه والانتفاع به. ولعلّ من أهمّ تلك الأسس التي ينبغي أن تُبتى عليها المراجعة ما يلي:
أولا ـ التأصيل
ومعناه الرجوع إلى نصوص القرآن والسنّة وما انعقد عليه إجماع قطعي بصفة مباشرة في تقرير الأحكام الفقهية السياسية، واتّخاذها المرجعية الحاكمة على كلّ ما سواها من الاجتهادات والآراء، سواء ما تمثّل منها في نصوص قولية، أو ما تمثّل في تصرّفات نبوية فعلية تتعلّق بالممارسة السياسية، فهذه الأصول هي التي يجب أن تكون منطلقا تتأسّس عليه أحكام الفقه السياسي، وهي التي يجب أن تكون مقياسا لمراجعة تلك الأحكام كما وردت في التراث.
وإنما نؤكّد على ذلك لأنّ الكثير من الأحكام في السياسة الشرعية انبنت على الاجتهاد، ولكنّها لثباتها في مؤلّفات هذا العلم، وتناقلها جيلا عن جيل اكتسبت في الثقافة الإسلامية ما يشبه المصدرية التي تعلو بها على المراجعة والتغيير، والحال أنّها باعتبارها اجتهادا مرتبطا بظروف معيّنة تحمل قابلية التغيير ليكون النصّ هو المرجع الذي تنبني على أساسه المراجعة لكلّ اجتهاد.
ثانيا ـ التأسّي بالخلافة الراشدة
وذلك بالرجوع إلى الخلافة الراشدة فيما مارسته من شؤون الحكم والسياسة، فقد كانت تمثّل الانطلاقة الإسلامية الصحيحة في هذا الشأن، وقد رسمت من التوجّهات النظرية والعملية في الفقه السياسي ما ظلّ كثير منه محجوبا عن أنظار فقهاء السياسة في الأزمنة اللاحقة؛ وذلك لما حدث من انتكاس في التاريخ اللاحق للدولة الإسلامية أفضى إلى انتكاس أيضا في فقه أولئك الفقهاء، خضوعا لسطوة الواقع الذي جرت عليه الحالة السياسية للدولة الإسلامية.
من الضروري أن تتأسّس تلك المراجعة الاجتهادية للفقه السياسي على جملة من الأسس التي تضمن أن تكون مراجعة سديدة، وأن تحول دون الوقوع في تحكّمات تنأى عن التوجيه النصّي في الشأن السياسي، أو تخضع لما هو مناقض لذلك التوجيه مما قد يغري به الفقه السياسي الوضعي بما بلغه من تطوّر كبير تطابقت فيه الفلسفة النظرية بالمجريات الفعلية، أو تسقط في مقابل ذلك في موقف الرفض المطلق لذلك الفقه الذي يشتمل على تجربة ثريّة كثير منها محقّق لمقاصد الشريعة فيمكن اقتباسه والانتفاع به.والرجوع إلى هذا الميراث السياسي الراشد يمثّل إذن موردا ثريّا لمراجعة ما استقرّ في التراث الفقهي من أجل التجديد، وليس مقتضى هذا الرجوع إلى الخلافة الراشدة أن تكون التصرّفات السياسية التي مارستها هذه الخلافة ملزمة في الاجتهاد الفقهي، فالملزم إنما هو النصّ وما انبنى عليه من إجماع، وإنما يكون الرجوع إليها على معنى التأسّي بها والاستئناس بتقريراتها الفقهية، فقد كانت أقرب التصرّفات السياسية إلى روح الدين وفلسفته في الشأن السياسي، كما كانت تتّصف بالإضافة إلى ذلك بالتعدّدية والثراء، وهو ما يرشّحها إلى أن تكون مرجعا معتبرا في مراجعة الفقه السياسي.
ثالثا ـ التأسيس المقاصدي
ويعني ذلك مراجعة الفقه السياسي مراجعة مقاصدية، تقوم في بناء الأحكام على مراعاة ما تتحقّق به مقاصد الشريعة، وذلك بأن تُحرّر هذه المقاصد من الأحكام المتعلّقة بالسياسة والحكم وفق المنهجية المتّبعة في استكشاف مقاصد الشريعة، فيكون لها حضور بيّن متميّز ضمن المقاصد الدينية العامّة، ثمّ تُجعل تلك المقاصد هي الموجّه لكلّ اجتهاد يروم استنباط الأحكام السياسية التفصيلية من المبادئ الكلّية العامّة، ضمانا في ذلك لأن تكون تلك الأحكام محقّقة لما وضعت لأجله من المقاصد.
ومن الجدير بالملاحظة أنّ الفقه السياسي الموروث لم تتأسّس بعض آرائه وأحكامه على مقاصد شرعية بيّنة في هذا الشأن، وإنّما خضعت لظروف طارئة وأحوال جزئيّة، وكان لمجريات الواقع تأثير فيها، فجانبت الصواب كما سنشير إلى بعضه لاحقا، ولمّا كان من أهمّ أسباب ذلك كما نقدّر غياب المقاصد الشرعية في الشأن السياسي أن تكون هي الموجّه الأساسي لتلك الأحكام، فإنه يكون من المتحتّم مراجعة الفقه السياسي بصفة عامّة مراجعة مقاصدية.
رابعا ـ الاستفادة من الفقه السياسي الوضعي
لقد شهد الفقه السياسي الوضعي تطوّرا كبيرا في مبادئه النظرية الفلسفية وفي إجراءاته العملية على حدّ سواء، وأصبحت الحياة السياسية تدار بحسب ذلك الفقه في الواقع، فأثرت النظريات السياسية بالتجربة، وأثرت التجربة بتلك النظريات، وقد تحقّقت من ذلك أقدار كبيرة من النجاح في إدارة الشأن السياسي، كما يبدو ذلك على سبيل المثال في الطرق التي يتمّ بها تداول السلطة، والتي تتمّ بها المراقبة والمحاسبة لمن تكون بيده تلك السلطة.
وإذ كان كثير من الأحكام القانونية الواردة في هذا الفقه السياسي الوضعي متعلّقا بالآليات التي تُدار بها الحياة السياسية، وهي آليات تخلو في كثير منها من الحمولة الإيديولوجية، وإذ كانت بعض المبادئ النظرية في هذا الفقه لا تتناقض مع المبادئ الإسلامية، فإنّ كثيرا من القوانين في الفقه السياسي الوضعي يمكن أن يُدرج بصفة مباشرة أو بشيء من المعالجة الاجتهادية ضمن الفقه السياسي الإسلامي، إذ هو يشبه أن يكون تفصيلا للمبادئ والأحكام العامّة في ذلك الفقه رشّدته التجربة الواقعية المتراكمة عبر قرون من الزمن، فالنظر في ذلك الكسب يمكن أن يكون عونا على الانطلاقة التجديدية في الفقه السياسي الإسلامي.
خامسا ـ مراعاة تطوّر العلاقات الإنسانية
لقد شهدت العلاقات الإنسانية على مستوى النظام الدولي تغيّرات جذرية بالنسبة للوضع الذي نشأ فيه الفقه السياسي الموروث، فقد تشابكت هذه العلاقات وتوسّعت بحيث أصبح لا يمكن أن تعيش أية دولة أو مجموعة من الناس بمعزل عن الأخرين، وأصبحت العلاقات الدولية تنتظم وفق قانون يحدّد كيفيات التعامل بين الدول، في حال السلم التي هي الحال الأصلية، وحال الحرب التي قد تطرأ على تلك الحال الأصلية، وتلك أوضاع لم يتناول الكثير منها الفقه السياسي الموروث.
وهذا الوضع الجديد للعلاقات بين بني الإنسان ينبغي أن يؤدّي إلى أن يأخذ الفقه السياسي الشرعي بعين الاعتبار هذا التطوّر العالمي في العلاقات بين بني الإنسان أفرادا وفئاتٍ ودولا، فقد أصبح المسلمون في علاقاتهم بغير المسلمين من التوسّع والتعقيد والتشابك سواء في ذات المجتمع الإسلامي أو مع غيره من المجتمعات على وضع يستلزم اجتهادا لاستنباط أحكام سياسية تسع عناصره وتفاصيله، إذ ما في الفقه السياسي الموروث غير موف بذلك لعدم عهديته بهذه الأطوار الجديدة في العلاقات الإنسانية.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب الذاكرة السياسية تقارير واقع رأي تطورات واقع أفكار أفكار أفكار سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة ی فی الشأن السیاسی الأحکام الشرعیة السیاسی الراهن الواقع السیاسی مقاصد الشریعة تلک الأحکام من الأحکام الشریعة فی من المقاصد الواردة فی کثیر منها المؤل فات ذلک الفقه هذا الفقه کثیر من یمکن أن أن تکون من أجل فی هذا التی ت فی ذلک من حیث ذلک من ر منها
إقرأ أيضاً:
تحترق المكتبات وترحل المرويات!
كنت أستمع إلى خبر أوردته وكالة الأنباء العُمانية يشير إلى أن فريقاً مختصاً من التاريخ الشفوي يواصل زياراته الميدانية لمختلف المحافظات ضمن جهود وطنية تهدف إلى توثيق الروايات الشفوية، وصون الموروث الثقافي.
وفي اليوم نفسه شاهدت على شاشة قناة عُمان الفضائية مقابلات ولقاءات تجرى مع كبار السن. وقبل ذلك أحرص على متابعة برنامج (مناشدة) الذي يقدم عددا من اللقاءات مع كبار السن يستجدي أخبارهم عن الماضي وحوادثه.
أستعيد ذلك الخبر الآن وتلك المشاهد، وتحضر في بالي مقولة سيدنا الجاحظ «إن المعاني ملقاة على قوارع الطريق»، فأقول: إذا كانت المعاني والكلمات ملقاة على قوارع الطرقات، فيحق لنا أن نقول كذلك: إن المرويات والحكايات ملقاة على شفاه آبائنا وأجدادنا كبار السن والشيوخ، تنتظر من يحررها وينتشلها، وينزلها من علوها قبل أن تطير وترحل.
أن يروي لك كبير في السن حكاية أو قصة أو حكمة فتلك هي عصارة الحياة ورحيقها، فكلامه ليس كلاماً يومياً عابراً، بل كلام يستند إلى أساس ومنهج وبناء وحبكة، ويخضع لمعان ثابتة وخالدة.
لكبار السن قيمة معرفية تتجلى في درايتهم، وقدرتهم على استحضار الماضي وحيويتهم وخبرتهم فيه، لماض عايشوه أو شاركوا فيه أو شاهدوه، أو حتى سمعوا شيئا عنه، وكانوا قريبا منه. هؤلاء هم الذخيرة والكنز الذي لا ينضب معينه. وبوجودهم يتلألأ الحكي وتزدهر الحكاية، وبفقدانهم ورحيلهم تنكفي الحكاية، وتتلاشى إلى أن ترحل.
وصف ذلك الفيلسوف والمفكر المالي (أمادو همباتي با) بعبارة أطلقها عام ١٩٦٠ في مؤتمر اليونسكو قائلا: (عندما يموت شيخ مسن في أفريقيا فإن موته يكون بمثابة احتراق مكتبة)، وفي مراكش يموت حكاؤو ساحة جامع الفنا فتموت مكتبة.
نقول بكل حسرة: كم من كبار السن والحكائين الذين رحلوا ورحلت معهم حكاياتهم وقصصهم! ولم تدرك أهميتهم في حينه، لكنهم يرحلون بصمت، وتحترق في دواخلهم مكتبات زاخرة من المرويات الشفهية وتندثر، ولم يجدوا في زمنهم من يستنطق صمتهم، وينبش حضورهم ويستجدي تلك الدرر من الحكايات منهم. يموتوا يوميا دون أن نفكر تسجيل ذاكرتهم التي ترحل معهم، لا نفعل لهم إلا ثلاثة أيام حزناً، وتمضي، ثم تعود الحياة إلى مجرها ونهرها المتسارع. كل ذلك دون أن ندرك مدى الخسارة التي لحقتنا بموت ذلك الشيخ الكبير.
إنها بالأحرى موت ذاكرة ورحيل مكتبة ذات رفرف من الحكايات والقصص التي لم ترو أو التي رويت وتناثرت في الفضاء. بكلمة أخرى تكمن فلسفة الرحيل في الفقد من فقد عزيز إلى فقدان ذاكرة، لكن الفرق بينهما هو أن الذاكرة قد لا ترحل إذا لقيت من يحافظ عليها، ونعيدها للحياة من جديد، حتى لو رحل الجسد وصعدت الروح. نقول: من منا لم تعلق في ذاكرته رواية أو قصة قصيرة أو مثلاً أو حكمة سمعها وهو صغير من جد أو جدة، أو من شخص كبير في السن في الحارة؟ تلك المرويات التي غادرت أجساد راويها، ولم تغادرنا نحن، حكايات بقيت في ذاكرتنا، لكنها ذات يوم ربما تغادر وتسبقنا إلى دار الخلود. الحكاية المعلقة على شفاه كبار السن تظل حية تؤرق أخضرا، لكنها قد تذبل وتسقط وتتوارى عندما لا يوجد من يرويها ويعتني بها ليعيدها إلى تألقها الأول.
ليس الموت وحده من يهدد ذاكرة هؤلاء الحكائين كبار السن، أو الرواة، بل النسيان وفقدان الذاكرة، وطغيان وسائل التواصل الاجتماعي، وتراجع أدوارهم في المجتمع. وقد تكون بعض العادات والتقاليد تشكل عائقاً تمنع الراوي من الإدلاء بما لديه، ويفضل كتمها وعدم الإفصاح بها لمحاذير دينية أو مجتمعية، أو لأسباب قد يراها تخدش الحياة، أو تمس مجموعة أو فرداً معيناً.
لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله.
تاريخنا العُماني زاخر بالتراث الشفوي؛ مرويات قصص، والشعر، الحكم، أمثال، الرقصات، والأناشيد، والأهازيج، والفولكلور الشعبي، الملابس، والطبخ، والأساطير، النكت والألغاز، والغناء، ومجموعة من العادات والتقاليد، ومن الأحداث والمعارف والآراء وعادات، وممارسات سلوكية دينية وأخلاقية، وأخبار السحرة والمغيبين والأساطير الخارقة. ولا يزال بعض سارديها على قيد الحياة. ولا تزال ذاكرتهم متقدة تنتظر من يشعلها.
إن التراث بمجمله المدون منه والشفوي هو هوية ثقافية مختومة في حياة الشعوب وذاكرتها، والعلاقة بينهما، علاقة تكاملية تعادلية. (قد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر) هكذا ينبغي أن تكون. وما من شيء يحفظ هذه الذاكرة أكثر من الاهتمام بها وتوثيقها وحفظها من الاندثار، وبالرغم من تزاحم التقانة ووسائل التواصل الاجتماعي وانتشارها لجأت بعض الدول إلى انتشال ذلك الموروث.
يتحسر المرء، ويقول: لو فكرنا في ذلك منذ سنوات طويلة لكانت الحصيلة كبيرة جداً، ولكانت لدينا الآن مكتبات ومجلدات من الكتب والمراجع.
لكن دون ريب خطوة تدوين التراث الشفوي هي خطوة رائدة متسقة مع أهمية هذا التراث، وضرورة استنهاضه وبث الروح فيه من جديدة، وذلك ما يجب أن يكون لحمايته من الاندثار والانهزام وتدوينه وتصنيفه وتدريسه.
التراث الشفوي ذو أهمية قصوى في إبراز جزء مهم وأصيل من الثقافة العُمانية ورافد مهم ومكون في المحافظة على الهوية الوطنية.
وتتعدد أشكال المحافظة على ذلك التراث الشفوي كالاستفادة من المرويات والأساطير وحكايات السحرة والمغيبين في الإنتاج الأدبي في الشعر والإنتاج القصصي والروائي كتلك الحكايات التي تضمنتها الكثير من الكتب، خصوصا التراثية منها، وحكاية مسحورة نزوى التي دُوِّنَت لاحقا على شكل شعر، واسْتُفِيد منها في السرد والروايات، وكذلك ما تقدمه قناة عمان الثقافية كجزء من هذه المهمة. وفي المستقبل ربما يأتي يوما نشاهد فيه قناة تلفزيونية وثائقية خاصة بالتراث العُماني.
في مراكش مثلاً تجوب الحكاية ساحة جامع الفنا حيث الحكاؤون الذين يجدون ضالتهم في الساحة يطرحون فيها حكاياتهم، وينسجون أساطيرهم على إيقاعات ممسرحة مطرزة بالأغاني والأهازيج، يتمايلون في رقصات تطاول الفضاءات. وفي فلسطين أطلقت الجهات المختصة (مشروع الأرشيف الشفوي للتاريخ الفلسطيني) توثق فيه الشهادات التي يدلي بها الأجيال، والحكايات والمرويات، ويسعى إلى رقمنة هذه الشهادات وحفظها وتأمين الوصول إليها.
وفي جنوب أفريقيا عمدت لجنة الحقيقة والمصالحة التي تشكلت بعد مرحلة الفصل العنصري في عام ١٩٩٥ إلى اعتبار تلك الفترة ضمن التراث الشفوي، فعمدت إلى توثيق شهادات ضحايا العنف ومرتكبيه، وسمحت لهم أن يعبروا عن شهاداتهم.
هل علينا أن نعيد قراءة التراث الشفوي وتشذيبه؟
هناك رأيان في المحافظة على التراث الشفهيّ؛ الأول: أن نأخذ هذا التراث غير المادي كما هو، وننقله بحذافيره دون تدخل بينما يقول الرأي الآخر بضرورة تشذيب هذا الموروث وغربلته وتنقيته من الشوائب، وإخراجه بشكل مع الاحتفاظ بأركانه الرئيسية، وهذا ما أيده بعض المؤرخين والباحثين الذين يرون أهمية التراث الشفوي مع ضرورة تنقية الروايات الشفوية وتصفيتها من الكثير من المغالطات مثل ابن خلدون والطبري وغيرهم. وذكر ابن خلدون أن الرواية الشفوية جزء من التاريخ ومكمل له رغم أنه يضع شروطا لنقلها وصحتها.
الشيء الآخر الذي يهدد التراث المادي منه وغير المادي الشفوي بالخصوص هو السطو عليه وتبنيه من قبل دول ونسبه لها، فتعمل على توثيقه وتسجيله وكأنه تراث ملك لها. دول تجد نفسها بلا تاريخ ولا موروث، فتلجأ للسرقة والاستحواذ على تراث الدول الأخرى، كما فعلته وتفعله إسرائيل وبعض الدول التي تنسب بعض المأثورات الشعبية لها، وتسارع إلى تسجيلها في المنظمات الدولية. ولتجنب ذلك تقوم الدول والجماعات المضطهدة، أو التي تتعرض للاستعمار بحفظ تراثها الشفوي عن طريق تدوينه وترحيله لحفظه في مراجع دولية موثوقة خوفا من الطمس والضياع.
وهناك رواية المستعمر أو القوي، وهي غالبا ما يتم ترويجها وبثها عكس رواية المستضعف أو الضعيف المضطهد التي تتوارى، ولا يستطيع تدوينها نتيجة للاضطهاد والقهر الذي يتعرض له.