افتتحت دار الإفتاء المصرية برنامجها الثقافي بجناحها الخاص في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، بعقد أولى ندواتها لهذا العام تحت عنوان "الإرشاد الأسري.. أهم المشكلات والحلول"، وذلك في إطار تأكيد حضور الدار في ساحات الفكر والثقافة، وتعزيز دورها المجتمعي في دعم استقرار الأسرة المصرية، في ظل تصاعد التحديات النفسية والاجتماعية والرقمية التي تواجه كيان الأسرة في العصر الحديث والذكاء الاصطناعي.

وشهدت الندوة مشاركة فضيلة الشيخ عويضة عثمان مدير إدارة الإرشاد الأسري وأمين الفتوى بدار الإفتاء، والأستاذ الدكتور محمد محمود حمودة أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر واستشاري علاج الإدمان والعلاج الأسري، فيما أدار اللقاء الأستاذ محمد حبيب الأخصائي النفسي بمركز الإرشاد الزواجي بدار الإفتاء، بحضور عدد من المثقفين والمهتمين بقضايا الأسرة من رواد المعرض.

دعاء اليوم الثالث من شعبان.. يفرج كربك ويقضى حوائجكدعاء ثالث يوم في شعبان لغفران الذنب .. أدركه بـ18 كلمة من القرآن والسنة

وأكد المتحدثون أن اختيار موضوع الندوة يعكس إدراك دار الإفتاء لخطورة المرحلة التي تمر بها الأسرة المصرية، في ظل ارتفاع معدلات الطلاق، وتراجع لغة الحوار داخل البيوت، وتأثير البيئة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل العلاقات الأسرية، بما يستدعي الانتقال من الاكتفاء بمعالجة الأزمات بعد وقوعها إلى بناء وعي وقائي شامل. ففي كلمته، صرح فضيلة الشيخ عويضة عثمان بأن الأسرة اليوم تواجه واقعًا جديدًا تتداخل فيه الضغوط النفسية والاجتماعية مع التأثيرات الرقمية المتسارعة، وأن كثيرًا من المشكلات لم تعد تنشأ داخل جدران المنازل فقط، بل تصنع في فضاءات افتراضية مفتوحة تفرض نماذج استهلاكية وصورًا مثالية زائفة تؤدي إلى حالة عامة من عدم الرضا والتوتر داخل الأسرة. وأوضح أن الإسلام قدم نموذجًا مبكرًا ومتكاملًا للإرشاد الأسري، يقوم على السكن والمودة والرحمة، ويؤسس للعلاقة الزوجية باعتبارها ميثاقًا غليظًا، يبدأ من حسن الاختيار، ويمتد إلى تنظيم تفاصيل الحياة الزوجية، وينتهي بإدارة الخلاف أو الانفصال عند الضرورة بإحسان، بما يحفظ الكرامة الإنسانية ولا يهدر الفضل بين الزوجين، مشيرًا إلى أن مفهوم الأسرة في اللغة والشرع قائم على الترابط والتماسك، ومحذرًا من أن غياب التجمع الأسري، وتراجع الحوار بين أفراد الأسرة، وانشغال كل فرد بعالمه الرقمي الخاص، حوَّل الأسرة من مصدر أمان نفسي إلى بيئة صراع أو صمت قاتل. واستشهد بأن كثيرًا من الحالات المعروضة التي تحضر إلى إدارة الإرشاد الأسري بدار الإفتاء تكشف أن الخلافات الزوجية، إذا أُديرت بالإهانة أو العنف أو الإهمال العاطفي، تنعكس بصورة خطيرة على الأبناء، في شكل اضطرابات نفسية، وكراهية للزواج، وإدمان، وانسحاب اجتماعي، وقد تصل في بعض الحالات إلى التفكير في الانتحار. وأضاف أن دار الإفتاء المصرية استشعرت منذ سنوات خطورة الأمر وقصدت إلى سد الحاجة المجتمعية إلى الإرشاد والتأهيل المناسب لشباب المجتمع المقبل على الزواج تحقيقًا لمقصد مهم من مقاصد الشرع الشريف وهو بناء الأسرة التي هي أساس المجتمع على قدر من الوعي الصحيح، والعلم الرصين، مضيفًا: إن مئات الشباب والشابات قد استفادوا من هذه البرامج التأهيلية على مدار السنوات الماضية حيث تلقَّوا تدريبًا على مهارات الحياة الزوجية وكيفية التعامل مع المشكلات والضغوط الحياتية التي يواجهها الزوجان، ليس من الناحية الشرعية فحسب، بل النفسية والمجتمعية وغيرها على أيدي متخصصين. وفي النهاية، دعا الشيخ عويضة عثمان إلى تعميم برامج تأهيل المقبلين على الزواج من خلال المؤسسات المتخصصة، مؤكدًا أن مركز الإرشاد الزواجي بدار الإفتاء يمثل نقلة نوعية في التعامل مع قضايا الأسرة، حيث لا يكتفي بالفتوى السريعة، بل يعمل على تفكيك جذور المشكلة عبر جلسات إرشادية متخصصة تهدف إلى الاستقرار ومنع تكرار الأزمات.

من جانبه، صرح الأستاذ الدكتور محمد محمود حمودة، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، بأن الأسرة السوية تبدأ من فرد ناضج نفسيًّا، موضحًا أن كثيرًا من الأزمات الزوجية تعود إلى أزمة الهوية، حيث لا يعرف الزوج ذاته ولا أهدافه، فينعكس ذلك على علاقته بالزوجة والأبناء، مشيرًا إلى أن الزواج لا يرتبط بسن محددة، بل بقدرة الشخص على تحمل المسؤولية، وفهم الآخر، وتوفير الإحساس بالأمان النفسي داخل الأسرة، وأن غياب هذا الأمان يحول الضغوط المادية والاجتماعية إلى صراعات داخل البيت. وفي أثناء حديثه، استعرض حمودة أنماط التفاعل الأسري، فذكر أن الأسرة القائمة على الحوار والتفاهم هي النموذج الأكثر نجاحًا، بينما تؤدي الأسر الصاخبة أو الصامتة إلى إنتاج أجيال تعيد إنتاج الصراع أو العزلة ذاتها، وأن التربية في جوهرها تقوم على القدوة والممارسة اليومية أكثر من التوجيه النظري. وفيما يخص البيئة الرقمية، أوضح أن صراع الأجيال ظاهرة قديمة، لكنها تفاقمت مع التسارع التكنولوجي، داعيًا الآباء إلى الاقتراب من عالم أبنائهم الرقمي، ومشاركتهم اهتماماتهم، بدل الاكتفاء بالمنع، لأن الحرمان غير الواعي يزيد الفجوة ويعمق الخلافات داخل الأسرة، ولكن يجب أن نجذب أبناءنا إلى ممارسة الهوايات والأنشطة المفيدة، محذرًا من الاعتماد غير المنضبط على الذكاء الاصطناعي في التشخيص النفسي أو الاستشارات الأسرية، إذ إن هذه الأدوات تفتقر للفهم الإكلينيكي العميق، وقد تؤدي إلى تشخيصات خاطئة، أو زيادة القلق، أو تعميق العزلة الاجتماعية، فضلًا عن خطورة التطبيقات التي تحاكي العلاقات الإنسانية وتضعف الروابط الأسرية الحقيقية.

وفي ختام الندوة، ذكر الأستاذ محمد حبيب الأخصائي النفسي بمركز الإرشاد الزواجي بدار الإفتاء، أن انعقاد هذه الندوة يأتي في توقيت بالغ الأهمية، في ظل تداخل التحديات النفسية والاجتماعية والرقمية التي تواجه الأسرة المصرية، وارتفاع معدلات الطلاق بوتيرة مقلقة، مشيرًا إلى أن اختيار معرض القاهرة الدولي للكتاب لاحتضان أولى ندوات دار الإفتاء هذا العام يعكس حرص الدار على الحضور في ساحات الفكر والثقافة، والإسهام في تشكيل الوعي العام ودعم استقرار المجتمع... مؤكدًا أن الأسرة اليوم تواجه واقعًا جديدًا لم تعد فيه المشكلات محصورة داخل جدران المنازل، بل باتت تتشكل في فضاءات رقمية مفتوحة، وتتأثر بثقافات سريعة وصور مثالية زائفة، وأن الأجيال الجديدة، وعلى رأسها جيلا "زد" و"ألفا"، لا ترفض القيم، لكنها لم تعد تستجيب للخطاب التقليدي، وتبحث عن المعنى قبل الأمر، وعن الفهم قبل إصدار الأحكام. وأشار إلى أن الندوة تنطلق من أسئلة واقعية ملحة، من بينها: كيف يمكن إصلاح الأسرة دون إدانتها؟ وكيف يمكن إدارة الخلافات الأسرية دون إلغائها أو تفجيرها؟ وكيف يمكن إعادة الأسرة إلى دورها الطبيعي بوصفها مصدرًا للأمان النفسي، لا ساحة للاستنزاف العاطفي والصراع المستمر، مشددًا على أن دار الإفتاء لا تطرح من خلال هذه الندوة حلولًا سريعة أو شعارات مثالية، بل تقدم رؤية تكاملية للإرشاد الأسري، تقوم على فهم المشكلات قبل الحكم عليها، ومعالجة الأسباب دون الاكتفاء بعلاج الأعراض، والنظر إلى الأسرة باعتبارها وحدة نفسية متكاملة، تجمع بين مقاصد الشريعة الإسلامية وأدوات الإرشاد النفسي المعاصر، مع قراءة واعية للواقع الاجتماعي والرقمي. واختتم قائلًا: إن دار الإفتاء المصرية من خلال إدارة الإرشاد الأسري تعمل على بناء وعي أسري قادر على التفاعل مع العصر دون فقدان القيم، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الإرشاد الأسري ليس فكرة مستوردة، بل هو امتداد أصيل لمنهج الإسلام في الإصلاح.

طباعة شارك دار الإفتاء معرض القاهرة الدولي للكتاب الإرشاد الأسري

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: دار الإفتاء معرض القاهرة الدولي للكتاب الإرشاد الأسري القاهرة الدولی للکتاب الإرشاد الأسری بدار الإفتاء دار الإفتاء أن الأسرة إلى أن

إقرأ أيضاً:

العالم الرقمي وتأثيره النفسي.. تحذيرات متصاعدة من الاستخدام المفرط

في ظل الانتشار الواسع للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت جزءًا أساسيًا من حياة ملايين الأشخاص حول العالم، تتزايد التساؤلات حول تأثير هذا الحضور الرقمي المكثف على الصحة النفسية والسلوكية للأفراد.

 ولم تعد منصات التواصل مجرد أدوات للتفاعل وتبادل الأخبار والصور، بل تحولت إلى بيئات رقمية متكاملة تؤثر في أنماط التفكير واتخاذ القرار وبناء العلاقات الاجتماعية، خاصة لدى الأجيال الشابة التي نشأت داخل العصر الرقمي.

 معدلات استخدام الإنترنت

ومع الارتفاع الكبير في معدلات استخدام الإنترنت والهواتف الذكية، بدأت مؤسسات بحثية وطبية في التحذير من التداعيات المحتملة للإفراط في استخدام الشاشات، في ظل مؤشرات متزايدة تربط بين الاستخدام المفرط وظهور اضطرابات نفسية وسلوكية ومعرفية تؤثر على جودة الحياة اليومية.

كما اتسع الجدل عالميًا حول مدى مسؤولية شركات التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي عن تصميم تطبيقات تستهدف إبقاء المستخدمين أطول فترة ممكنة داخلها، وهو ما دفع جهات تعليمية وقانونية للمطالبة بإعادة النظر في هذه السياسات ووضع ضوابط تحد من آثارها السلبية.

وزير التخطيط: التحول الرقمي وتطوير الخدمات الحكومية ركيزة لتحقيق التنمية المستدامة

وفي هذا السياق، حذر الدكتور أحمد هارون، استشاري الصحة النفسية وعلاج الإدمان، من التأثيرات المتصاعدة لوسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية والسلوكية، مؤكدًا أن العالم بات أكثر إدراكًا للمخاطر المرتبطة بالاستخدام المفرط لهذه المنصات، خصوصًا بين الأطفال والمراهقين الأكثر تأثرًا بالمحتوى الرقمي.

وأوضح هارون أن هناك عددًا متزايدًا من الدعاوى القضائية المرفوعة ضد شركات ومنصات التواصل الاجتماعي، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا منها يتعلق بتداعيات هذه المنصات على الصحة النفسية للنشء والشباب، إضافة إلى اتهامات تتعلق بآليات تصميم تشجع على الإدمان الرقمي وزيادة زمن الاستخدام.

الفيومي: التحول الرقمي بقطاع الأعمال العام لم يكتمل رغم مرور 7 سنوات على إطلاقه

وأضاف أن الجمعية الأمريكية لعلم النفس أشارت إلى مفهوم «تعفن الدماغ» أو Brain Rot، والذي يصف مجموعة من التأثيرات المعرفية الناتجة عن الإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي والتعرض المستمر للشاشات، بما قد يؤدي إلى تراجع بعض القدرات الذهنية والإدراكية.

وبيّن أن هذه الحالة قد ترتبط بضعف الذاكرة وتشتت الانتباه وصعوبة التركيز، إلى جانب الشرود الذهني واضطرابات النوم وزيادة العصبية وتغيرات الشهية وانخفاض الدافعية لإنجاز المهام اليومية.

وأكد استشاري الصحة النفسية أن تأثير الاستخدام المفرط لا يقتصر على الجانب الذهني فقط، بل يمتد إلى العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة والمجتمع، حيث يقلل الانشغال المستمر بالهواتف من جودة التواصل المباشر بين الأفراد.

واختتم بالتأكيد على أن الاستخدام المتوازن والواعي للتكنولوجيا أصبح ضرورة أساسية، داعيًا إلى تعزيز الوعي المجتمعي وتشجيع الأنشطة الاجتماعية والرياضية والثقافية، لتحقيق التوازن بين العالم الرقمي والحياة الواقعية والحفاظ على الصحة النفسية وجودة العلاقات الإنسانية.

مقالات مشابهة

  • كيف يدمّر الضغط النفسي صحة البشرة دون أن تلاحظ؟
  • بن جفير متهم بإخفاء قضايا العنف الأسري داخل إسرائيل.. تفاصيل
  • هند الضاوي: اتهامات لـ بن جفير بإخفاء قضايا العنف الأسري داخل إسرائيل
  • هند الضاوي: اتهامات لبن جفير بإخفاء قضايا العنف الأسري داخل إسرائيل
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • "الثقافة" تقدم لقاءات توعوية وورش ومعرض للكتاب ضمن برنامج "المواطنة"
  • "إيركايرو" تدشن أولى رحلات عودة الحجاج من جدة إلى ميلانو عبر القاهرة
  • اليوم.. نظر أولى جلسات محاكمة التيك توكر «أم مكة» في قضية غسل الأموال
  • العالم الرقمي وتأثيره النفسي.. تحذيرات متصاعدة من الاستخدام المفرط
  • 2 يونيو.. نظر أولى جلسات محاكمة عاطل بتهمة هتك عرض فتاة في المطرية