تعذيب واغتصاب.. هل تغلق مدرسة بيتارام الكاثوليكية أبوابها في فرنسا؟
تاريخ النشر: 22nd, January 2026 GMT
في خضم فضيحة مدوية هزت التعليم الكاثوليكي في فرنسا، برزت قضية إغلاق مؤسسة "نوتر دام دو بيتارام" بوصفها الخيار المطروح بقوة لوضع حد لتداعيات عقود من العنف والاعتداءات، ولاستعادة الثقة التي تضررت بشدة.
وكشفت صحيفة لوموند الفرنسية -اليوم الخميس- عن أن مسؤولين في هيئات إدارة التعليم الكاثوليكي صرحوا بأن المدرسة الواقعة في إقليم بيارن ستغلق أبوابها، معتبرين أن بقاءها بات مستحيلا أخلاقيا وتربويا، حتى وإن استمر الجدل حول الصيغة النهائية والجدول الزمني للتنفيذ.
وذكرت أن رئيس الاتحاد الوطني لهيئات إدارة التعليم الكاثوليكي، بيار فانسان غيريه، أكد عبر إذاعة "آر تي إل" أن اسم بيتارام "لطخ سمعة مجمل التعليم الكاثوليكي"، وأنه "يجب إرساله إلى مزبلة التاريخ".
وبرأيه، فإن الإغلاق يجب أن يتم بحلول الصيف، مع نقل التلاميذ إلى مؤسسات أخرى قريبة، لا سيما في بلدية إيغون المجاورة، من دون خسارة أي تلميذ أو معلم أو موظف.
ويستند هذا الموقف إلى قناعة بأن المكان ذاته تحول إلى رمز سلبي، لا يمكن فيه حمل مشروع تربوي إيجابي، مهما تغير الاسم أو الإدارة. وبعد تفجر الفضيحة وتفاصيها، غُير اسم المدرسة من "نوتر دام دو بيتارام" إلى "لو بو رامو"، أي "الفرع الجميل".
لا إغلاقفي المقابل، أشارت رهبنة آباء بيتارام، التي كانت تدير المؤسسة، إلى أن قرار الإغلاق "لم يُتخذ بعد" وما زال قيد المباحثات، خصوصا أن الوصاية عليها دولية وتتطلب موافقة روما.
كما أعلنت الأمانة العامة للتعليم الكاثوليكي في فرنسا اليوم أنه "إلى حدود هذه المرحلة"، لا يوجد "أي حديث عن إغلاق المؤسسة"، نافية تصريحات رئيس الاتحاد الوطني لهيئات إدارة التعليم الكاثوليكي عن إغلاق "بحلول الصيف".
وأوضحت الأمانة العامة -في بيان صحفي- أن العمل جار "بشكل جماعي على تهيئة جميع الشروط اللازمة لإعادة الثقة والطمأنينة" إلى هذه المؤسسة.
إعلانوأضافت أن "هذا العمل يتطلب وقتا وحسن تقدير، ولا يوجد، في هذه المرحلة، أي حديث عن إغلاق المؤسسة".
كشفت الشهادات عن ممارسات قاسية من ضرب وتعذيب وعقوبات مهينة واعتداءات جنسية وتحرش
اعتداءات بالجملةغير أن غيريه شدد على أن العقبات القانونية أو الإدارية، بما فيها تعقيدات القوانين الفرنسية والإيطالية، لا ينبغي أن تعرقل تنفيذ مشروع يعد ضروريا، ملوحا باللجوء إلى القضاء في حال عدم الالتزام.
وتعود خطورة القضية أساسا إلى حجم الشكاوى وطبيعتها، فقد أقرت الرهبنة في مارس/آذار 2025 بمسؤوليتها عن الوقائع المبلغ عنها عبر نحو 250 شكوى فردية، نصفها تقريبا يتعلق باعتداءات ذات طابع جنسي، وأكدت تعويض جميع الضحايا.
وحسب صحيفة لوباريزيان الفرنسية، تشير المعطيات إلى إيداع ما لا يقل عن 217 شكوى من تلاميذ سابقين، وهو ما جعل المؤسسة مستهدفة بعشرات الشكاوى التي تتعلق بأعمال عنف جسدي ونفسي واعتداءات جنسية تعود إلى خمسينيات القرن الماضي.
كما سجل، في الصيف الماضي وحده، تقديم 17 شكوى جديدة من قبل مجموعة من الضحايا.
وقد كشفت الشهادات عن ممارسات قاسية، من ضرب وتعذيب وعقوبات مهينة واعتداءات جنسية وتحرش، وأثرت الفضيحة أيضا في الحياة اليومية للمؤسسة، إذ لم يبق هذا العام سوى 5 تلاميذ في الصف النهائي شعبة العلوم.
وفي ظل هذه الأرقام الثقيلة، يرى ممثلو الضحايا أن الإغلاق لم يعد خيارا، بل ضرورة أخلاقية لطي صفحة مؤلمة، وإنصاف الضحايا، ومنع تكرار ما حدث.
وقد نشر الإعلام الفرنسي عدة شهادات لضحايا الاعتداءات بالضرب والتعذيب والتحرش الجنسي، وسط اتهامات لفرانسوا بايرو، وزير التعليم خلال فترة التسعينيات (1993-1997)، بتجاهل أولى الشكاوى التي وصلت من داخل المؤسسة.
ومن بين الشهادات ما قاله جان ماري ديلبوس، من أن راهبا في المدرسة اغتصبه بين 1957 و1961، ويضيف أنه أرسل رسالة إلى بايرو في مارس/آذار 2024 دون أن يتلقى أي رد.
وفي 12 فبراير/شباط 2025، عادت قضية المدرسة إلى الواجهة بعدما نشر موقع "ميديا بارت" الإلكتروني وثائق وشهادات تشير إلى "وقوع حالات اغتصاب وعنف جنسي" ضد الطلاب داخل المدرسة في الفترة الممتدة ما بين سبعينيات القرن الـ20 و2010.
وردا على الوثائق المنشورة، نفى بايرو علمه بوجود تلك الانتهاكات، غير أن موقع ميديا بارت نشر يوم 14 فبراير/شباط من العام نفسه وثائق جديدة قالت إنها "تثبت علمه بالانتهاكات التي كانت تشهدها المدرسة"، عندما كان وزيرا للتعليم.
واضطر بايرو لاحقا -وهو رئيس للوزراء حاليا- أن يستمع للجنة الضحايا، وعبر عن تضامنه معهم، لكن من دون أن يقدم اعتذارا صريحا، مؤكدا عدم علمه بما جرى.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..