نبات ليبي يربح معركة الاستدامة ضد الصبغات الصناعية.. ما القصة؟
تاريخ النشر: 23rd, January 2026 GMT
كثيرة هي الحلول التي حاول خلالها العلماء استخدام خامات طبيعية لإنتاج مواد ماصة يتم توظيفها لالتقاط الملوثات من مياه الصرف الصناعي، لكن عادة ما كانت تصطدم هذه الحلول القائمة بشكل أساسي على المخلفات الزراعية مثل قش الأرز ونشارة الخشب وقشور الفواكه ببعض المعوقات، أبرزها أن الخامات القائمة عليها ترتبط بموسم محدد، وهذا يجعل الحل غير مستدام على مدار العام، كما أن بعضها غير قابل للمعالجة الكيميائية بشكل مثالي، ومن ثم تكون قوة امتصاصه أضعف من الحلول التقليدية، فضلا عن أنها قد تتحلل بسرعة أو تفقد فعاليتها بعد دورة أو دورتين من الاستخدام، مما يزيد التكلفة على المدى الطويل.
وفي محاولة لتجاوز هذه التحديات، وجد فريق بحثي ليبي من جامعة بنغازي، بالتعاون مع باحث من جامعة تريبهوفان بنيبال، ضالته في نبات أصيل في البيئة الليبية وهو "أربوتس بفاريي" أو ما يعرف محليا بـ "القطلب" أو "الشماري"، حيث نجحوا في استخدام أوراقه لإنتاج مادة ماصة لصبغة "الفيوليت الميثيلي 6 بي"، وهي من الصبغات شائعة الاستخدام في صناعة المنسوجات، الورق، وأحيانا الأدوية.
وأكدت التجارب التي أجريت على المادة الجديدة، والتي أسماها الباحثون "إم إيه بي إل"، اختصارا لـ "المادة الماصة من أوراق أربتوس البفارية المعدلة"، أنها تجاوزت كل التحديات السابقة، فهي قائمة على نبات محلي متوفر بكثرة في منطقة الجبل الأخضر على مدار العام، وتقبل أوراقه المعالجات الكيميائية، ويحقق نتائج في التقاط الصبغات حتى 3 مرات مع الحفاظ على أكثر من 83% من كفاءته.
ويقول الدكتور أشرف الحشاني، أستاذ الكيمياء بكلية العلوم جامعة بنغازي، والباحث الرئيسي بالدراسة للجزيرة نت، إنه "إلى جانب الوفرة في بيئة منطقة الجبل الأخضر في ليبيا، وهي ميزة رئيسة للنبات شجعتنا على البحث عن استخدامات صناعية لأوراقه، فإن أوراقه نفسها كانت تتمتع بمزايا مشجعة، أبرزها أنها غنية بمادة "الليجنوسليلوز"، وهي خليط من ثلاثة مكونات رئيسية، وهي السليلوز والهيميسليلوز واللجنين، وهذه المكونات تحتوي على المجموعات الوظيفية، مثل الهيدروكسيل والكربوكسيل، والتي تعمل مثل خطافات كيميائية صغيرة على سطح الورقة".
وللاستفادة من هذه الميزة المهمة في أوراق النبات، سعى أشرف ورفاقه إلى تفعيل كفاءة الخطافات على سطح الورقة عن طريق تعديلها كيميائيا بالمعالجة الحمضية والقلوية، وهذا التعديل من شأنه أن يزيد عددها، ويجعلها سالبة الشحنة أو أكثر نشاطا، وبما أن الصباغ المستهدف (الفيوليت الميثيلي 6 بي) موجب الشحنة، فإنه ينجذب بقوة إلى هذه المجموعات السالبة، فتلتصق جزيئات الصباغ بسطح الأوراق المعدلة بسهولة.
إعلانوكشف الباحثون في الدراسة المنشورة بدورية "رزلتس إن كمستري" (Results in Chemistry)، الخطوات التي ساروا عليها في سعيهم لتحقيق هذا الغرض، والتي بدأت بتنظيف وتجفيف الأوراق ثم طحنها للحصول على مسحوق ناعم، ثم معالجتها حمضيا باستخدام "حمض الكبريتيك"، لتكسير بعض مكونات النبات مثل "الهيميسليلوز" و"الليجنين" وكشف الألياف الأساسية "السليلوز"، مما يزيد المسامية، ثم تجرى معالجة قلوية تعرف باسم "الزنتنة"، يتم خلالها معالجة المادة بمحلول قلوي "هيدروكسيد الصوديوم"، ثم يتبع ذلك إضافة ثاني كبريتيد الكربون، والهدف هو إضافة مجموعات كيميائية جديدة غنية بالكبريت إلى سطح المادة، تزيد من قدرة الامتصاص، وبعد ذلك، تغسل المادة وتجفف لتصبح جاهزة للاستخدام كمادة ماصة لصبغة "الفيوليت الميثيلي 6 بي".
ويقول أشرف إن "الطريقة التقليدية لتعديل المواد الحيوية غالبا لا تفتح البنية الداخلية بشكل كاف، لكن الطريقة التي تم استخدامها تفتح بنية مركب (الليجنوسليلوز) بالمعالجة الحمضية، بينما الزنتنة تضع خطافات قوية داخله لالتقاط الصبغة، والنتيجة هيكل مسامي كبير مع كثافة عالية من المواقع النشطة، ما يزيد قدرة الامتصاص".
خصائص مميزة للمادة الجديدة
وبعد المعالجة، كشفت التحاليل العلمية التي أجراها الباحثون على المادة الجديدة باستخدام مجموعة من الأدوات المتقدمة أنها أصبحت مهيأة لأداء دور فعال في الامتصاص.
ويوضح الحشاني أن "المجهر الإلكتروني الماسح"، أظهر أن سطح الأوراق تحول من أملس إلى خشن ومتشقق، مما يسهل وصول الصبغة إلى الداخل.
أما "مطياف الأشعة تحت الحمراء"، فقد أثبت نجاح التعديل الكيميائي، بحدوث اختفاء لبعض المجموعات الكيميائية الأصلية في النبات، وإضافة مجموعات كيميائية نشطة مثل زانثات وكربوكسيلات، كما أظهر "تحليل مساحة السطح ونفاذية المسام"، حدوث زيادة كبيرة في مساحة السطح والحجم الكلي للمسام، ما يعزز قدرة المادة على امتصاص الصبغات.
وأخيرا، كشف "تحليل حيود الأشعة السينية" انخفاض درجة البلورية، أي أن المادة أصبحت أقل انتظاما، مما يسهل دخول الصبغة إلى المسام الداخلية.
وانتقل الباحثون بعد إثبات أن المادة مهيأة للامتصاص إلى التجارب المعملية، حيث أظهرت أداء عاليا في إزالة صبغة "الفيوليت الميثيلي 6 بي"، حيث بلغت أقصى قدرة امتصاص نحو 228.3 ملغ من الصبغة لكل غرام من المادة، وذلك تحت ظروف مثالية شملت درجة حموضة قريبة من التعادل، واستخدام كمية صغيرة جدا من المادة الماصة.
ويشير أشرف إلى أن "هذا الأداء المرتفع لا يعتمد على عامل واحد فقط، بل هو نتيجة تضافر عدة آليات تفاعلية، فإلى جانب الجذب الكهروستاتيكي بين الصبغة موجبة الشحنة وسطح المادة الماصة السالب، تلعب الروابط الهيدروجينية وقوى التجاذب غير الكهربائية التي تحدث بين حلقات الصبغة والمكونات العطرية في اللجنين دورا مهما في تثبيت جزيئات الصبغة".
وبالإضافة لهذه الفعالية العالية في الامتصاص، فإن المادة الجديدة تتميز بمجموعة من المزايا يذكرها الحشاني منها أنها مادة رخيصة، متجددة، وقابلة لإعادة الاستخدام، حيث يمكن إعادة استخدامها 5 مرات مع الحفاظ على 83% من الكفاءة باستخدام محلول قاعدي خفيف (محلول هيدروكسيد الصوديوم بتركيز 0.1 مولار)، كما أنها مناسبة بشكل خاص للمناطق ذات الموارد المحدودة، لمعالجة مياه الصرف الصناعي بدون تكلفة عالية أو معدات معقدة.
إعلانوالخطوة التالية للفريق البحثي ستكون بالانتقال من التجارب المختبرية إلى أنظمة التدفق المستمر بالمصانع لتقييم الجدوى الاقتصادية والتشغيلية على نطاق واسع، كما سيسعون لاختبار مواد نباتية محلية أخرى باستخدام نفس الآلية لتطوير مجموعة من المواد الماصة المناسبة لكل منطقة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
«مسافة بين ثورتين».. كمال القاضي يوثق معركة الوعي في مصر
صدر حديثا كتاب «مسافة بين ثورتين» للكاتب والناقد الفني والروائي البارز كمال القاضي، عن دار أم الدنيا للدراسات والنشر والتوزيع.
يمثل الكتاب - الذي يأتي تزامنًا مع احتفالات ثورة 30 يونيو 2013 والتي تحل نهاية الشهر- وثيقة تاريخية وإبداعية فريدة ترصد كواليس الحراك السياسي والثقافي والفني في أدق المراحل التاريخية التي عاشتها مصر المعاصرة.
فلسفة «المسافات» وتوثيق الذاكرة الوطنية
وجاء الكتاب في 282 صفحة مصدّراً بإهداء بليغ: «إلى تراب الوطن المخضب بدماء الشهداء»، وضم بين دفتيه مئة وعشرين مادة ومقالاً تحليلياً كتبها المؤلف مواكبةً للأحداث الساخنة كشاهد عيان عاش المشهد بحواسه كافة ناقداً وكاتباً ومواطناً.
واعتمد القاضي في تبويب كتابه على فلسفة خاصة ومبتكرة أطلق عليها «مفهوم المسافات»، حيث تنوعت الأقسام بين: (من المسافة صفر إلى المسافة ألف)، (المسافة ث.ق: الثقافة أزمات ومواقف)، (المسافة ش.ص: محاكمة نقدية للشاشة الصغيرة)، (المسافة س: السينما مرآة الثورة وهواجس التغيير)، وصولاً إلى قسم (إسقاط خارجي.. قضايا الأمة في مرآة الفكر والإبداع).
معركة الثقافة ضد «الأخونة» والتغريب
ويطرح الكتاب رؤية نقدية وفكرية عميقة حول كيفية تحول الثقافة المصرية من «قوة ناعمة» إلى ساحة اشتباك ومقاومة شرسة.
ويوثق المؤلف في قسم «المسافة ث.ق» كيف خاض المثقفون والمبدعون من أبناء الشعب معركة استعادة الهوية الوطنية والوسطية العريقة ضد محاولات الاختراق الأيديولوجي وسياسات «الحلال والحرام» قسراً التي حاولت التيارات المتطرفة فرضها للترهيب والإذعان أثناء حقبة وصولها للسلطة.
محاكمة الشاشة الفضية والسينما
لم يغفل الكاتب دوره كناقد فني مخضرم؛ فخصص قسماً كاملاً لمحاكمة الشاشة الصغيرة (التلفزيون والفضائيات) كلاعب وموجه أساسي للجماهير، كاشفاً التذبذب والارتباك وصراعات الفضائيات بين الحقيقة والتزييف.
وفي قسم «السينما»، يرصد الكاتب كيف كانت الفنون والدراما شاهد إثبات ودقّت أجراس الخطر مبكراً مستشرفةً نبوءات الجوع والغضب عبر قراءة متأنية في روائع الإبداع السينمائي ونصوص نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم.
البعد العربي والإقليمي
ويمتد أفق الكتاب ليربط الواقع المصري بالمتغيرات العربية والإقليمية المحيطة، مستعرضاً قضايا الأمة المركزية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وأحداث الثورة التونسية، والنهاية المأساوية للعقيد الليبي معمر القذافي، في محاولة عميقة لرؤية الذات المصرية في مرآة الفكر العربي الأكبر.
الكاتب كمال القاضي، من مواليد ديسمبر 1965، وهو كاتب صحفي بجريدة «القدس العربي» اللندنية، حاصل على بكالوريوس الدراسات النوعية ودرس بمعهد الموسيقى العربية. صدرت له عدة مؤلفات بارزة في النقد والرواية والشعر منها: «السينما شاهد إثبات»، «نصوص موازية»، رواية «عتبة عبد الكريم»، ورواية «ابن سبعة». وأخيرًا المجموعة القصصية «بدون أوراق رسمية».
شارك القاضي كعضو لجنة تحكيم ورئيس في العديد من المهرجانات السينمائية الدولية بمصر وتونس والجزائر والمغرب.
والكتاب الجديد يُعد إضافةً رصينة للمكتبة العربية توثق بالوعي والفن كواليس مرحلة فارقة حوّلت كابوس الوطن إلى أمل بالبناء العقلاني الحر.