مفترق سياسي ودستوري.. هل تصمد الحكومة الفرنسية أمام حجب الثقة؟
تاريخ النشر: 23rd, January 2026 GMT
باريس – تدخل فرنسا واحدة من أكثر لحظاتها السياسية حساسية منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة، بعد قرار رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو اللجوء إلى المادة (49.3) من الدستور، لتمرير مشروع قانون الموازنة دون تصويت في الجمعية الوطنية.
وفي خطوة أعادت إلى الواجهة النقاش القديم حول حدود السلطة التنفيذية في البلاد وأزمة الحكم في ظل برلمان منقسم، لم يكن قرار لوكورنو مفاجئا تماما، لكنه جاء تتويجا لمسار طويل من المفاوضات المتعثرة بين الحكومة وكتل المعارضة حول بنود أساسية في الموازنة، تتعلق بالدعم الاجتماعي والضرائب وضبط العجز المالي.
ومع فشل الحكومة في تأمين أغلبية واضحة ولجوء رئيسها إلى المخرج الدستوري، تبدأ مرحلة أكثر خطورة، حيث ستُعرض الجمعة اقتراحات حجب الثقة للتصويت، بينما يبرز السؤال: هل سيتمكن النظام السياسي الفرنسي من الصمود أمام هذا التشرذم البرلماني؟
أداة دستورية أم تجاوز؟تتيح المادة (49.3) للحكومة اعتماد مشروع قانون دون تصويت برلماني، مقابل تعريض نفسها لخطر السقوط عبر تصويت حجب الثقة، وقد استخدمت هذه الآلية عدة مرات في تاريخ فرنسا الحديث، في ملفات مهمة مثل إصلاحات التقاعد والموازنات.
ووصف نواب اليسار الخطوة بأنها "انقلاب ناعم على البرلمان"، بينما اعتبرها اليمين المتطرف دليلا على "عجز الحكومة عن الإقناع"، في المقابل، تدافع الحكومة عن قرارها باعتباره ضرورة لتفادي تعطيل الدولة، خاصة مع اقتراب الموعد الدستوري لإقرار الموازنة.
دستوريا، يعتبر هذا الإجراء قانونيا بالكامل، لأنه يهدف إلى تفادي الشلل التشريعي عندما يعجز البرلمان عن إصدار قرار. لكنه من الناحية السياسية، غالبا ما ينظر إليه كاعتراف ضمني بفشل الحكومة في بناء توافق، أو كاستخدام قسري للقوة الدستورية على حساب نقاش ديمقراطي.
واعتبر المتخصص في السياسة الفرنسية إيف سنتومير أن مناورة لوكورنو سمحت له بالمماطلة ووضع الحزب الاشتراكي في مأزق، بحيث يهدر أي انتقاد للحكومة اليوم أسابيع من الجهود للتوصل إلى حل وسط، ما يشكّل فشلا ذريعا بالنسبة له.
إعلانوأضاف في حديثه للجزيرة نت "من حيث الطريقة الإجرائية البحتة، فيمكن القول إن لوكورنو كان ذكيا، أما موضوعيا، فلا تزال الأمور معلقة ولم تُحسَم بعد لأن مشروع القانون يفتقر إلى أي تركيز حقيقي ولا يخفض عجز الميزانية الفرنسية بالمستوى المطلوب".
كما استبعد سنتومير سقوط الحكومة "لأن اقتراح حجب الثقة لن يمر على الأرجح، لكن من الناحية الموضوعية، لا يوجد أي تحالف بين تيارات سياسية قوية بما يكفي لإسقاطها".
وسواء كانت الأغلبية مطلقة أو نسبية، يرى المحلل السياسي أن الاشتراكيين لن يرغبوا بأي حال في إسقاط هذه الحكومة لأن إجراء انتخابات جديدة سيعني فوز المعسكر اليميني المتطرف بقيادة مارين لوبان، وهي نتيجة لن يرغب بها ائتلاف ماكرون والجمهوريون، على حد قوله.
ويتضمن مشروع الحكومة إجراءات تقشفية وتعديلات على الدعم الاجتماعي ورفع بعض الضرائب على الشركات الكبرى، وهو ما أثار اعتراضات واسعة من اليسار، بينما اعتبره التجمع الوطني غير كافٍ لمعالجة الأزمة المالية.
واللافت أن القرار جاء رغم تعهدات سابقة لرئيس الوزراء بعدم اللجوء إلى هذه المادة، ما دفع خصومه إلى اتهامه بالتراجع عن وعوده واستغلال الأدوات الدستورية كبديل عن تحقيق توافق سياسي حقيقي.
وفي حالة سيباستيان لوكورنو، جاء هذا الخيار وسط برلمان شديد الانقسام، حيث تفتقر الحكومة إلى أغلبية مستقرة، وتعتمد على تفاهمات مؤقتة مع كتل متناقضة، مما يجعل اللجوء إلى هذه المادة خطوة سياسية عالية المخاطر.
وأمام هذا الانسداد، كان لدى الحكومة خياران اثنان، إما سحب المشروع والدخول في أزمة مالية وتشريعية مفتوحة، أو فرضه عبر مادة الدستور وتحمّل التكلفة السياسية.
وقد برر لوكورنو الخيار الثاني بالتأكيد أن "الدولة لا يمكن أن تُدار بالشلل"، وأن الموازنة "مسؤولية وطنية تتجاوز الحسابات الحزبية".
وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي إيف سنتومير أن الحكومة الفرنسية والمعارضة وصلتا إلى طريق مسدود، خاصة بعد فشل الاشتراكيين في الاتفاق على مشروع قانون إيجابي، ما جعل اللجوء إلى المادة (49.3) السبيل الوحيد لتمرير المشروع.
بدوره، يعتقد توماس غينولي، الأستاذ المشارك في العلاقات الدولية في مدرسة "سنترال سوبيليك"، أن نواب الحزب الاشتراكي لا يرغبون في حل البرلمان، لأنهم يسعون جاهدين لاستعادة هيمنتهم كقوة يسارية في مواجهة ميلانشون، لذا سيخفون مصالحهم الشخصية تحت ستار مصلحة البلاد العليا.
وأكد غينولي، في حديثه للجزيرة نت، أنه في حال أُجريت انتخابات تشريعية مبكرة في الفترة المقبلة، فلن يكون ذلك في صالحهم، ولن يكون هناك يسار موحد، ما يعني أن الكثير منهم سيخسرون مقاعدهم بسبب انقسام اليسار.
وفي محاولة لتفكيك جبهة المعارضة، حاول لوكورنو فتح قنوات تفاوض مع الحزب الاشتراكي وبعض نواب الوسط، وقدم تعديلات تركّز على حماية القدرة الشرائية للفئات الهشة وتمديد بعض برامج الدعم.
وأوضح غينولي أن الاشتراكيين حاولوا تحسين الميزانية بالتصويت عليها مقابل تنازلات، لكنهم وصلوا إلى مرحلة لا يمكنهم فيها مساعدة رئيس الوزراء في تمرير الميزانية، لذا لجأ إلى المادة الدستورية لتمرير الإجراءات.
إعلانويعتقد غينولي أن الحكومة قامت بابتزاز الحزب الاشتراكي بالتهديد بحله، ملقيا باللوم على هذا الحزب الذي وضع نفسه في يد الحكومة بكسره التحالف اليساري، وقام بتوريط نفسه في هذه الفوضى من خلال محاولته الإطاحة بجان لوك ميلانشون في منتصف ولايته.
خطر حجب الثقة
وردا على استخدام المادة (49.3)، تقدمت كتل المعارضة باقتراحين لحجب الثقة، الأول من اليسار بقيادة حزب فرنسا الأبية، والثاني من اليمين المتطرف بزعامة التجمع الوطني، ومن المقرر التصويت عليهما اليوم الجمعة في الجمعية الوطنية.
في المقابل، تراهن الحكومة على تشتت المعارضة وتخوف بعض النواب من الذهاب إلى سيناريو انتخابات مبكرة في مناخ سياسي مضطرب، اقتصاديا واجتماعيا، مما يجعل حجب الثقة ورقة ضغط أكثر منه مسارا واقيا لإسقاط السلطة التنفيذية.
ومن الناحية الحسابية، يحتاج أي اقتراح إلى أغلبية مطلقة لإسقاط الحكومة، وهو ما يبدو صعبا في ظل الانقسامات الحالية، وغياب التنسيق بين اليسار واليمين المتطرف، كما أن موقف الحزب الاشتراكي سيكون حاسما.
ويرى المتخصص في السياسة الفرنسية إيف سنتومير أن طلبات حجب الثقة المقدمة من التجمع الوطني ستجذب دعم حلفائه، بما في ذلك الحزب الجمهوري بقيادة إيريك سيوتي، في حين سيحظى حزب "فرنسا الأبية" بدعم الخضر والشيوعيين وربما بعض الاشتراكيين، مؤكدا أن ذلك لن يكون كافيا لإسقاط الحكومة.
وأضاف أن تصويت اليوم يمثل لحظة حاسمة، إما تثبيت حكومة ضعيفة لكنها مستمرة، أو فتح الباب أمام أزمة سياسية جديدة قد تعيد خلط الأوراق داخل البرلمان.
و"في كلتا الحالتين، قد تدخل البلاد مرحلة حكم هش، يتسم بالابتعاد عن الاستقرار والاقتراب من إدارة الأزمات داخل نظام دستوري صُمم أساسا لتفادي هذا النوع من الانسداد"، كما يقول سنتومير.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الحزب الاشتراکی اللجوء إلى حجب الثقة
إقرأ أيضاً:
الحركة الشعبية من مالقة تؤسس لمرحلة جديدة مع مغاربة العالم.. لقاء سياسي يرسخ المشاركة من داخل المؤسسات
شهدت مدينة مالقة الإسبانية تنظيم لقاء تواصلي لحزب الحركة الشعبية مع أفراد الجالية المغربية، في إطار الدينامية التنظيمية التي يقودها الأمين العام للحزب محمد أوزين، وذلك ضمن مشروع “التعاقد الجديد بين الحركة الشعبية والجهة 13″، الهادف إلى تعزيز ارتباط مغاربة العالم بالمؤسسات الوطنية وإشراكهم في مختلف الأوراش التنموية والسياسية.
وعرف اللقاء مشاركة واسعة لمغاربة مقيمين بعدد من المدن الإسبانية، إلى جانب فعاليات جمعوية وأطر وكفاءات مغربية، في حضور عكس الاهتمام المتزايد بقضايا الجالية المغربية، وأبرز مكانتها ضمن أولويات المشروع السياسي الذي يطرحه الحزب.
وأكد المتدخلون خلال هذا الموعد السياسي أن المرحلة المقبلة تستوجب الانتقال من منطق اللقاءات الظرفية إلى اعتماد مقاربة مؤسساتية تقوم على الإنصات والتعاقد، بما يتيح لمغاربة العالم المساهمة الفعلية في صياغة السياسات العمومية والانخراط في الأوراش الوطنية الكبرى.
وفي كلمتها الافتتاحية، رحبت إيمان العاقل، رئيسة الجمعية الإنسانية للإدماج وتكافؤ الفرص بإسبانيا، بالحضور، معتبرة أن الإقبال على اللقاء يعكس رغبة حقيقية في المشاركة السياسية، مشددة على أن صناعة القرار والتغيير تتم عبر المؤسسات والأحزاب المؤطرة، وليس من خلال منصات التواصل الاجتماعي فقط.
وأضافت أن الجالية المغربية تمثل امتدادًا استراتيجيًا للمملكة، وتسهم في دعم التنمية وتعزيز الحضور الدبلوماسي للمغرب، مؤكدة أن المرحلة المقبلة ينبغي أن ترتكز على ترسيخ العدالة المجالية، وتكافؤ الفرص، وتثمين الكفاءات المغربية داخل الوطن وخارجه، انسجامًا مع التوجيهات الملكية الداعية إلى إشراك جميع الطاقات الوطنية في مسار التنمية.
من جهته، أكد محمد أوزين أن مشروع “الجهة 13” يمثل تصورًا سياسيًا يهدف إلى بناء علاقة قائمة على الشراكة والثقة مع مغاربة العالم، باعتبارهم شركاء في صناعة القرار الوطني، وليس فقط مساهمين في التحويلات المالية أو فاعلين موسميين.
كما شكل اللقاء فرصة لفتح نقاش مباشر مع أفراد الجالية حول عدد من الملفات المرتبطة بالمشاركة السياسية، والاستثمار، وتحسين الخدمات الإدارية والعمومية، في إطار رؤية تعتمد الإنصات والتفاعل لإيجاد حلول تستجيب لتطلعات مغاربة العالم.
وخلفت هذه المحطة صدى إيجابيًا في الأوساط السياسية والإعلامية، حيث اعتُبرت خطوة جديدة لتعزيز الحضور التنظيمي للحركة الشعبية خارج أرض الوطن، وتجسيدًا لنهج القرب والتواصل مع أفراد الجالية المغربية.
وفي ختام اللقاء، وجه الأمين العام للحركة الشعبية رسالة شكر وتنويه إلى إيمان العاقل، مثمنًا المجهودات التنظيمية التي أسهمت في إنجاح هذه المحطة، ومؤكدًا أن نجاحها يعكس روح العمل الجماعي والانخراط المسؤول في خدمة قضايا مغاربة العالم وتعزيز إشعاع الحزب على المستوى الدولي.
مملكة بريس ا الحبيب بوكعيبة #الحركة_الشعبية #محمد_أوزين #مالقة #مغاربة_العالم #الجالية_المغربية #الجهة13 #المشاركة_السياسية #المغرب #إسبانيا #العمل_الحزبي 0 شارك FacebookTwitterWhatsAppالبريد الإلكترونيLinkedinTelegramطباعةالسابق بوست
كازاخستان تختار مراكش مقراً لقنصليتها الشرفية الجديدة بالمغرب
قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف اخر الاخباركازاخستان تختار مراكش مقراً لقنصليتها الشرفية الجديدة بالمغرب
اخر الاخبارقطاع الداخلية يتصدر قائمة الإدارات الأكثر موضوعاً للتظلمات سنة 2025
اخر الاخباروسيط المملكة يسجل ارتفاعاً بـ25% في عدد الملفات وسط تنامي لجوء المواطنين إلى الوساطة…
اخر الاخبارمراكش تستعد لافتتاح محطة طرقية بمواصفات دولية
السابق التالي اترك رد إلغاء الردلن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
احفظ اسمي والبريد الإلكتروني وموقع الويب في هذا المتصفح للمرة الأولى التي أعلق فيها.
مملكة tv
الجواهري أمام الملك يكشف الحقيقة… الاقتصاد المغربي ينمو ولكن علاش جيب المواطن ما…
أمريكا تضرب قلب إيران وطهران تشعل الخليج… الاتفاق انهار فهل بدأت…
فوزي لقجع إلى رئاسة الحكومة؟ هل وجدت الأحزاب المنقذ بعدما فشلت في…
وهبي يتحدى المحامين.. هل إصلاح العدالة يخدم المواطن أم الدولة؟
الندوة الصحفية لمحمد وهبي من بعد المونديال… واش اعترف بالأخطاء؟…
السابق التالي 1 من 477حوادث
اخر الاخباركارثة بكل المقاييس.. حلبة امتحان السياقة بمراكش تفتقر لأبسط شروط الاستقبال وتضاعف…
عبد القيوم ABDELKAYOUM يوليو 23, 2026 0 عبد القيوم ا مملكة بريس تحولت تجربة اجتياز امتحان الحصول على رخصة السياقة بمراكش، بالنسبة لعدد من المترشحين، إلى…انتشال أكثر من 30 جثة قبالة سواحل الداخلة بعد تعلقها في شباك مراكب…
يوليو 23, 2026فتح تحقيق قضائي في مزاعم تسريب أجوبة مباراة ولوج كليات الطب والصيدلة…
يوليو 22, 2026لدغة أفعى تنهي حياة طفلة رغم أسبوع من العلاج المكثف
يوليو 22, 2026 السابق التالي 1 من 1٬601أخبار ملكية
اخر الاخبارالملك محمد السادس يهنئ السيسي بمناسبة ذكرى ثورة 23 يوليوز ويؤكد متانة الروابط…
مملكة بريس /س يوليو 23, 2026 0الجواهري يستعرض أمام الملك حصيلة الاقتصاد الوطني
يوليو 20, 2026الملك محمد السادس يهنئ ملك إسبانيا بعد تتويج المنتخب الإسباني بكأس…
يوليو 20, 2026جلالة الملك يخص الوزير الأول الفرنسي والوفد المرافق بمأدبة غداء رسمية…
يوليو 16, 2026 السابق التالي 1 من 650 Pollsهل أنت مع إلغاء معاشات البرلمانيين؟
نعم لاعرض النتائج
مملكة بريس من نحن هيئة التحرير سياسة الخصوصية اتفاقية الاستخدام أرسل مقال إتصل بنا تصنيفات سياسة مجتمع الدولية قضايا عامة حوادث ثقافة جميع الحقوق محفوظة لجريدة مملكة بريس 2026