في قراءة نقدية معمّقة، تناول الدكتور علي عبد الظاهر رواية الجادة السلطانية للكاتبة اليمنية آسيا ناصر، واصفًا إياها بأنها تجربة روائية حديثة وجريئة تسائل التاريخ والسلطة من داخل الوعي الذاتي الأنثوي، عبر بناء سردي تأملي كثيف الرموز، يستثمر الذاكرة الفردية والجمعية في آن واحد.

الذاكرة بوصفها مدخلًا للسرد

 

تدور الرواية حول البطلة «زبيدة»، التي تعيش حالة من القلق الوجودي والبحث الداخلي، تدفعها إلى استعادة ذكرياتها منذ لحظات مبكرة تصل – رمزيًا – إلى ما قبل الميلاد.

ومن هذه النقطة، تنطلق الساردة في رحلة ذهنية تتنقل فيها بين أماكن وشخصيات ارتبطت بتاريخ السلطة والحكم في اليمن، متخذة من «الجادة السلطانية» محورًا مركزيًا للحكي، لا باعتبارها مكانًا جغرافيًا فحسب، بل رمزًا تاريخيًا ودلاليًا لعبور الوعي من الهامش إلى المركز.

 

ويشير عبد الظاهر إلى أن الرواية لا تقدّم سردًا تاريخيًا توثيقيًا، بل تعتمد على استدعاءات جزئية ولمحات متفرقة من التاريخ، تتقاطع مع التجربة الذاتية للبطلة، لتكشف عن علاقة مركبة بين الفرد والتاريخ، وبين المرأة وبنية السلطة الذكورية.

 

التاريخ بوصفه «ميراجًا»

 

أحد المحاور المركزية في الرواية، بحسب الدراسة، هو تفكيك مفهوم التاريخ بوصفه حقيقة ثابتة. فالكاتبة تنظر إلى التاريخ على أنه «ميراج» تصنعه السلطة، بينما تتولى الذاكرة الفردية مهمة تفكيكه وإعادة تشكيله. ومن هنا، تعود الساردة إلى شخصيات تاريخية نسائية، أبرزها «زبيدة» زوجة هارون الرشيد، لتقارن بين حضور المرأة في التاريخ الرسمي وتجربتها الذاتية في الحاضر.

 

هذا التداخل بين الأزمنة – من العصر العباسي مرورًا بعهد الملك المظفر، وصولًا إلى إشارات معاصرة – يخلق بنية زمنية غير خطية، تتماوج بين الحاضر والذاكرة والتاريخ الرمزي، في محاولة لإثبات أن الماضي لا يُستعاد كما هو، بل يُعاد تشكيله وفق حاجات الحاضر وأسئلته.

 

سرد تأملي وهيمنة الصوت الواحد

 

وتقف الدراسة عند الخيار الفني للكاتبة باستخدام السرد بضمير المتكلم، معتبرة أنه منح النص عمقًا نفسيًا ووجدانيًا، وسمح بالنفاذ إلى العالم الداخلي للشخصية الرئيسة، لكنه في الوقت نفسه أدّى إلى هيمنة الصوت الواحد وتراجع التعددية الصوتية، ما جعل الشخصيات الثانوية تؤدي أدوارًا رمزية أكثر من كونها شخوصًا مستقلة فاعلة في تحريك الحدث.

 

كما لاحظ عبد الظاهر أن الرواية تعمد إلى إزاحة الحدث إلى المرتبة الثانية لصالح التأمل، حيث تغيب الحبكة التقليدية والصراع المتصاعد، ويحل محلها التداعي الفكري والوجداني، وهو ما منح النص طابعًا فلسفيًا واضحًا، لكنه أبطأ الإيقاع السردي وأضعف الذروة الدرامية.

 

اللغة والرمز

 

على المستوى اللغوي، تشيد الدراسة بلغة الرواية، واصفة إياها بأنها لغة واعية ومتزنة، تعتمد الفصحى الميسّرة دون تعقيد أو ترهل، مع توظيف محسوب للمجاز والخيال. كما يحضر التناص التاريخي والثقافي بوصفه عنصرًا داعمًا للبنية الدلالية، دون أن يتحول إلى استعراض معرفي.

 

غير أن كثافة الرمز – ولا سيما مفاهيم مثل «الميراج» و«العبور» و«الظل» – أدت في بعض المواضع إلى غموض دلالي تجاوز حدود الإيحاء الفني، وأثقل عملية التلقي، خصوصًا لدى القارئ غير المتخصص.

 

ملاحظات نقدية

 

ولم تخلُ القراءة من تسجيل مآخذ فنية، من بينها مشاهد رآها الباحث «تنافي المعقول السردي»، مثل استدعاء البطلة لتجارب وهي جنين في رحم أمها، إضافة إلى بعض العناصر الرمزية التي تطرح تساؤلات منطقية داخل البناء السردي، ما قد يؤثر في الانطباع الأولي لدى القارئ.

 

كما أشار إلى ضعف التجسيد الحسي للمكان، حيث ظل الفضاء الروائي في كثير من المقاطع فكرة رمزية أكثر منه تجربة معيشة ملموسة.

 

تجربة نخبوية التلقي

 

ويخلص عبد الظاهر إلى أن «الجادة السلطانية» تمثل تجربة روائية نخبوية التلقي، تخاطب قارئًا مشغولًا بأسئلة الهوية والذاكرة والسلطة، أكثر من بحثه عن المتعة الحكائية المباشرة. ومع ذلك، يؤكد أن هذه الملاحظات لا تنتقص من قيمة الرواية، التي يراها عملًا أدبيًا احترافيًا غنيًا بالأفكار والدلالات، ويعكس حضورًا نسويًا واعيًا في المشهد الروائي اليمني المعاصر.

المصدر

المصدر: مأرب برس

كلمات دلالية: عبد الظاهر

إقرأ أيضاً:

فيفا: أسطورة مصر يقود الفراعنة نحو حلم المونديال وإنجاز التاريخ

سلط الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" الضوء على حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، قبل المشاركة المرتقبة للفراعنة في نهائيات كأس العالم 2026، التي تستضيفها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، في النسخة الأكبر بتاريخ البطولة بمشاركة 48 منتخبًا للمرة الأولى.

وأكد "فيفا" أن حسام حسن يمثل حالة استثنائية في الكرة المصرية، بعدما نجح في الجمع بين مسيرة أسطورية كلاعب يُعد أحد أبرز المهاجمين في تاريخ أفريقيا، وبين مشروع تدريبي طموح أعاد للمنتخب المصري شخصيته وهيبته على الساحة القارية والدولية.

من هداف تاريخي إلى قائد للمشروع الوطني

بدأ حسام حسن رحلته الكروية داخل أسوار النادي الأهلي، حيث صنع لنفسه مكانة خاصة كواحد من أعظم المهاجمين في تاريخ الكرة المصرية، قبل أن يخوض تجارب احترافية خارجية مع باوك اليوناني ونيوشاتل السويسري، ثم يواصل كتابة التاريخ بقميصي الأهلي والزمالك، محققًا العديد من البطولات المحلية والقارية.

ويظل العميد الهداف التاريخي لمنتخب مصر، وهو الإنجاز الذي عزز مكانته كأحد أبرز الأسماء التي ارتدت القميص الوطني عبر الأجيال، وجعل منه رمزًا خالدًا في ذاكرة الجماهير المصرية.

بصمة تدريبية صنعت شخصية جديدة

بعد اعتزاله الملاعب، بدأ حسام حسن مشواره التدريبي عام 2008، ليشق طريقه سريعًا بين كبار المدربين المحليين، من خلال تجارب ناجحة مع المصري البورسعيدي والزمالك والإسماعيلي وعدد من الأندية الجماهيرية.

وعُرف المدير الفني الحالي للفراعنة بأسلوبه القائم على الانضباط والروح القتالية والقدرة على استخراج أفضل ما لدى لاعبيه، وهي السمات التي انعكست بوضوح على الفرق التي أشرف على تدريبها، وجعلته أحد أبرز المدربين المصريين خلال السنوات الأخيرة.

مهمة استعادة الهيبة

في فبراير 2024، تولى حسام حسن القيادة الفنية لمنتخب مصر خلفًا للبرتغالي روي فيتوريا، في مرحلة اعتُبرت من أكثر الفترات حساسية في مسيرة المنتخب الوطني.

ومنذ اليوم الأول، وضع المدير الفني هدفًا واضحًا يتمثل في استعادة شخصية المنتخب وتعزيز الروح القتالية داخل الفريق، وهو ما انعكس سريعًا على نتائج الفراعنة وأدائهم خلال مشوار التصفيات المؤهلة إلى كأس العالم 2026.

تأهل تاريخي بلا هزيمة

نجح منتخب مصر تحت قيادة حسام حسن في حجز بطاقة التأهل إلى كأس العالم 2026 دون التعرض لأي هزيمة خلال التصفيات، في إنجاز أعاد الفراعنة إلى الواجهة العالمية وأكد نجاح المشروع الفني الذي يقوده "العميد".

ويرى الاتحاد الدولي لكرة القدم أن هذا التأهل يعكس التطور الملحوظ الذي شهده المنتخب المصري خلال الفترة الأخيرة، ويمنح الجماهير آمالًا كبيرة قبل الظهور المرتقب في المونديال.

حلم كتابة التاريخ

لا يتوقف طموح حسام حسن عند حدود التأهل إلى البطولة العالمية، إذ يسعى إلى قيادة منتخب مصر لتحقيق أفضل مشاركة في تاريخ الفراعنة بكأس العالم، وتجاوز الدور الأول للمرة الأولى، مستفيدًا من مجموعة تضم مزيجًا من أصحاب الخبرات والعناصر الشابة الواعدة.

ويعول المنتخب المصري على عدد من أبرز نجومه، يتقدمهم محمد صلاح وعمر مرموش ومحمود حسن تريزيجيه، إلى جانب مجموعة من المواهب الشابة التي تمثل مستقبل الكرة المصرية.

مجموعة مصر في كأس العالم 2026

أسفرت قرعة البطولة عن وقوع منتخب مصر في المجموعة السابعة، حيث يستهل مشواره بمواجهة قوية أمام بلجيكا يوم 15 يونيو في سياتل، قبل لقاء نيوزيلندا يوم 21 يونيو في فانكوفر، ثم يختتم دور المجموعات بمواجهة إيران يوم 26 يونيو في سياتل.

وتُقام مباريات المجموعة بين الولايات المتحدة وكندا وسط توقعات بمنافسة قوية على بطاقات التأهل إلى الدور التالي.

تاريخ الفراعنة في المونديال

يستعد منتخب مصر لخوض مشاركته الرابعة في تاريخ كأس العالم، بعدما سبق له الظهور في نسخ 1934 و1990 و2018.

وكان الفراعنة أول منتخب عربي وأفريقي يشارك في البطولة عام 1934 بإيطاليا، عندما واجهوا المجر وسجل عبد الرحمن فوزي أول أهداف مصر في المونديال.

كما شهدت نسخة إيطاليا 1990 واحدة من أبرز اللحظات التاريخية للكرة المصرية، بعدما سجل مجدي عبد الغني هدف التعادل الشهير أمام هولندا، ليمنح مصر أول نقطة في تاريخ مشاركاتها بكأس العالم.

أما في نسخة روسيا 2018، فعاد المنتخب المصري إلى البطولة بعد غياب 28 عامًا، بقيادة الأرجنتيني هيكتور كوبر، وشهدت المشاركة تسجيل محمد صلاح هدفين ليعادل الرقم التاريخي لعبد الرحمن فوزي كأفضل هداف مصري في المونديال.

فرصة جديدة لصناعة المجد

يدخل منتخب مصر منافسات كأس العالم 2026 وسط طموحات غير مسبوقة، في ظل التطور الذي شهده الفريق خلال السنوات الأخيرة، والآمال الكبيرة المعلقة على الجيل الحالي لتحقيق إنجاز تاريخي يعيد الفراعنة إلى دائرة المنافسة العالمية.

ومع قيادة حسام حسن، أسطورة الملاعب المصرية وأحد أبرز رموزها، تتطلع الجماهير إلى رؤية منتخب قادر على تجاوز حدود المشاركات السابقة وكتابة فصل جديد في تاريخ الكرة المصرية على أكبر مسرح كروي في العالم.

مقالات مشابهة

  • بخاخ أنفي يخفف آثار الشيخوخة الدماغية
  • المونديال الأكبر في التاريخ.. مشاركة 1248 لاعباً من 449 فريقاً
  • فيفا: أسطورة مصر يقود الفراعنة نحو حلم المونديال وإنجاز التاريخ
  • الأكاديمية السلطانية للإدارة تُطلق برنامج صنع وتنفيذ السياسات العامة
  • جلسة لمجلس الوزراء في هذا التاريخ
  • دراسة تبحث في كيفية إعادة إنتاج المجتمع تحت النار في غزة
  • أكثر من نصف مليون بين متضرر ومهجّر.. ماذا كشفت دراسة عن نزع الملكية في مصر؟
  • بين الذاكرة واللوحة.. أورهان باموق يعود بـ الكلمات والصور
  • سلسلة الوعود المعطلة: من 10 × 10 إلى المدينة الجديدة واللجان.. الذاكرة لا تنسى
  • أزمة البنزين.. 7 ملاحظات على رواية وزارة النفط