من غرينلاند إلى أوكرانيا وسوريا.. دبلوماسية ترمب المركزية تربك الحلفاء
تاريخ النشر: 25th, January 2026 GMT
بدت الجلسة التي جمعت مسؤولين من كل من الولايات المتحدة والدانمارك وغرينلاند الشهر الماضي في مدينة نوك عاصمة الجزيرة عادية على نحو مطمئن، ولم يدر أي نقاش حول سيطرة الولايات المتحدة عسكريا أو ماليا على هذا الإقليم الواقع في القطب الشمالي، ويتبع للدانمارك مع تمتعه بالاستقلالية.
لكن هذا الانطباع انقلب بعد أقل من أسبوعين، عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تعيين جيف لاندري مبعوثا خاصا إلى الجزيرة، والذي كتب بدوره -على وسائل التواصل الاجتماعي- أنه "سيساعد في جعل غرينلاند جزءا من الولايات المتحدة".
وأكدت عدة مصادر مطلعة لرويترز أن هذا التعيين والرسالة باغتا كوبنهاغن، وفاجآ كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية الذين يعملون على القضايا الأوروبية وقضايا حلف شمال الأطلسي.
ويصر ترمب ومؤيدوه على أن الولايات المتحدة بحاجة إلى غرينلاند لدرء التهديدات الروسية والصينية في القطب الشمالي، معتبرين أن الدانمارك لا تستطيع ضمان أمنها، ويُذكر أن الولايات المتحدة لديها بالفعل قاعدة في الجزيرة، وبإمكانها توسيع وجودها هناك بموجب معاهدة وقعت عام 1951 مع الدانمارك.
نهج ترامب
ويتناسب تهميش ترمب للدبلوماسيين مع أسلوبه في إدارة السياسة الخارجية التي شهدت تغيرات حادة في قضايا مختلفة، وكانت غالبا ما تجري صياغتها دون الرجوع إلى مسؤولي الأمن القومي الذين أسهموا في توجيه السياسات خلال الولايات الرئاسية السابقة.
وبدلا من ذلك، بدا أن ترمب ومجموعة صغيرة من معاونيه المقربين يدفعون تحركات الإدارة الأمريكية، وشملت تلك التحركات تهديدا ضمنيا بالاستيلاء على غرينلاند، والسعي نحو الحصول على تنازلات من الدانمارك التي تحكمها، بالإضافة إلى الإعلان عن خطة لفرض رسوم جمركية جديدة على حلفاء الولايات المتحدة.
وذكرت رويترز الأسبوع الماضي أن بين هؤلاء المعاونين وزير التجارة هوارد لوتنيك الذي اقترح فكرة فرض الرسوم الجمركية، وجيه دي فانس نائب الرئيس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، وآخرين حاولوا صرف نظر ترمب عن القوة العسكرية.
إعلانويتناسب هذا النهج مع ترمب في جوانب عديدة، نظرا لتشكيكه في بيروقراطية واشنطن، ورغبته في تنفيذ قراراته بسرعة، لكن الإعلانات والتراجعات المفاجئة تهدد بإلحاق ضرر دائم بالعلاقات مع حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين.
وعندما طُلب من المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي التعليق على أمثلة مختلفة على تحركات البيت الأبيض التي فاجأت الدبلوماسيين المعنيين، في قضايا تشمل غرينلاند وأوكرانيا وسوريا، قالت كيلي إن "الأشخاص الذين يسربون لرويترز ليسوا على علم بالمناقشات الحساسة، وإن إنجازات فريق ترمب للأمن القومي تتحدث عن نفسها".
وأضافت كيلي إن "الرئيس انتُخب لتطبيق سياسة خارجية تقوم على مبدأ أمريكا أولا، وفعل ذلك بفاعلية أكبر من خلال نهجه الشامل".
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية إن "هناك تعاونا كبيرا في جميع أقسام إدارة الرئيس ترمب، وهناك موظفون حكوميون متفانون يعملون بإخلاص على النهوض بالأولويات الرئيسية، ثم هناك المصادر المجهولة التي تشتكي للصحافة، والتي من الواضح أنها تفتقر إلى الحكم الرشيد أو الحالة الذهنية لتنفيذ جدول أعمال الرئيس ترمب".
مخاوف وتحفظاتتجلى خطر هذا النهج المركزي والشخصي خلال الأسابيع القليلة الماضية، وخصوصا مع إثارة قضية أطماع ترمب في غرينلاند، حيث تزايد الغضب عبر الأطلسي بعد مقابلة أجراها ستيفن ميلر نائب كبير موظفي البيت الأبيض مع شبكة "سي أن أن" في 5 من يناير/كانون الثاني.
فقد أحجم ميلر عن الإجابة بشكل مباشر على سؤال عما إذا كان البيت الأبيض يستبعد شن عمل عسكري للاستحواذ على غرينلاند، بعد العملية العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة في فنزويلا لاختطاف رئيسها نيكولاس مادورو، والتي كانت قد تمت قبل يومين من المقابلة.
كما قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كيلي عند سؤالها عن تصريحات ميلر إنه "إذا تم هذا الاتفاق، فإن الولايات المتحدة ستحقق جميع أهدافها الإستراتيجية فيما يتعلق بغرينلاند -بتكلفة قليلة جدا- إلى الأبد".
وبدا أن ترمب والمسؤولين في إدارته يؤكدون احتمال استخدام الولايات المتحدة للقوة في غرينلاند، وذلك من خلال مقابلاتهم ومنشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أثارت تصريحاتهم الإرباك والقلق سواء في واشنطن أو بين حلفائها.
وقال مصدران مطلعان إن الديمقراطيين والجمهوريين في الكونغرس يشعرون بالقلق، إذ بدا أن الإدارة الأمريكية تمضي قدما مرة أخرى نحو تنفيذ عملية عسكرية كبيرة دون استشارة مجلسيْ الشيوخ والنواب أولا.
وقال أحد هذين المصدرين إن المشرعين اتصلوا هاتفيا بوزير الخارجية روبيو وكبار المسؤولين في البيت الأبيض وأبدوا لهم مخاوفهم، ونصحوا الإدارة بعدم المضي قدما.
وذكر المصدران أن بعض المشرعين الجمهوريين أبلغوا مسؤولي الإدارة بأنهم يخشون من فتح تحقيق محتمل في عزل الرئيس في حال الإقدام على أي غزو عسكري لغرينلاند.
وقد خفف ترمب -في الأيام القليلة الماضية- من حدة التوتر عندما سحب تهديده بفرض رسوم جمركية على الحلفاء الذين يدعمون غرينلاند، وقال إنه توصل إلى الخطوط العريضة لاتفاق مع حلف شمال الأطلسي بشأن مستقبل الجزيرة.
إعلانوذكر ترمب أنه والأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته "شكلا إطار اتفاق مستقبلي، لا يتعلق بغرينلاند فحسب بل بالمنطقة القطبية الشمالية بأكملها"، وذلك خلال محادثات بينهما في دافوس بسويسرا على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي.
لكن مصدرين مقربين من الإدارة الأمريكية قالا إن "العمل العسكري لم يُنظر فيه بجدية".
وقالت المسؤولة السابقة في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) والبيت الأبيض كوري شاك إن "الضرر قد وقع بالفعل بعد تهديد ترمب بالاستيلاء على غرينلاند بالقوة".
وأضافت شاك -التي تعمل حاليا في معهد "أمريكا إنتربرايز"- إن "ترامب متقلب في تهديداته، ولا توجد طريقة لإثبات أنه لن يسحب كلمته ويفعل ذلك مرة أخرى، لقد جعل الولايات المتحدة غير جديرة بالثقة لأقرب أصدقائنا".
مركزية القرارتبرز إحدى السمات الرئيسية خلال ولاية ترمب الثانية في مركزية اتخاذ القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية، والاعتماد على معاونين موثوق بهم، بينما يتم تهميش الخبراء الآخرين.
وحدث ذلك عدة مرات خلال المفاوضات لإنهاء الحرب الروسية على أوكرانيا، فقد سبق أن أُعلن عن خطة مكونة من 28 نقطة لإنهاء الحرب، انبثقت من اجتماعات المبعوثيْن الأمريكييْن ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مع المبعوث الروسي كيريل دميترييف، الذي يرأس الصندوق الروسي للاستثمار المباشر، وهو أحد أكبر صناديق الثروة السيادية في روسيا.
وقال مصدران مطلعان على الخطة في ذلك الوقت إن كثيرا من كبار المسؤولين الأمريكيين داخل وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي -والذين عادة ما يكونون على دراية بتطور مثل هذه الخطط- لم يتم إطلاعهم على سير العملية.
كما تجلى هذا النهج أيضا في سياسة واشنطن تجاه سوريا، ففي مايو/أيار الماضي التقى ترمب مع الرئيس السوري أحمد الشرع في السعودية، بينما كان بعض مسؤولي إدارته ينصحونه بعدم فعل ذلك، كما فاجأ قراره رفع جميع العقوبات الأمريكية عن سوريا عددا كبيرا من المسؤولين الأمريكيين.
وقالت ثلاثة مصادر مطلعة لرويترز إن المبعوث الأمريكي توم برّاك هو المنفذ الرئيسي للسياسة الأمريكية تجاه سوريا، وإنه لا يوجد لدى المسؤولين في وزارة الخارجية وأقسام أخرى من الإدارة الأمريكية مجال كبير لتقديم اقتراحات سياسية، وأضافت المصادر أن التواصل بين برّاك والخبراء المختصين في واشنطن غير منتظم.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الإدارة الأمریکیة الولایات المتحدة المسؤولین فی البیت الأبیض
إقرأ أيضاً:
القيادة المركزية الأمريكية: «أبراهام لينكولن» تواصل دعم الحصار البحري على إيران
أكدت القيادة المركزية الأمريكية أن حاملة الطائرات أبراهام لينكولن تواصل دعم الحصار البحري المفروض على إيران، مشيرة إلى أنها غيّرت مسار 122 سفينة تجارية لضمان الامتثال للحصار البحري على إيران.
وقال وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو إن هناك احتمالًا بأن تكون إيران قد وافقت على التفاوض بشأن بعض جوانب برنامجها النووي التي كانت ترفض سابقًا مناقشتها خلال المحادثات، مشيرًا إلى أن بلاده في مرحلة تفاوض مع طهران على الكثير من النقاط.
وأضاف أنه يتعين على إيران أن تعلن بشكل واضح وصريح أن مضيق هرمز بات مفتوحًا أمام حركة الملاحة، مشيرًا إلى أن أي تخفيف للعقوبات المفروضة على إيران سيكون مشروطًا، بحسب قناة القاهرة الإخبارية.
وأوضح أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد إعادة فتح المضيق، مشددًا على أن الشرط الأول يتمثل في التزام إيران بفتح مضيق هرمز بشكل كامل.
اقرأ أيضاًترامب يكلّف بيل بولتي بقيادة الاستخبارات الوطنية مؤقتًا
بسبب الأوضاع الراهنة.. البحرين تمنع سفر مواطنيها إلى إيران والعراق
لغز اختفاء 11 عالما نوويا أمريكيا.. العثور على رفات موظفة بمختبر في موقع إنتاج أول قنبلة ذرية