لماذا الجيش أكثر انسجامًا مع البنية الثقافية السودانية من الأحزاب!!
تاريخ النشر: 26th, January 2026 GMT
لماذا الجيش أكثر انسجامًا مع البنية الثقافية السودانية من الأحزاب!! : قراءة في مأزق السياسة السودانية
ليست المفارقة في السودان أن يتقدّم الجيش على الأحزاب في مشهد السياسة، بل المفارقة الأعمق أن يكون الجيش – بوصفه مؤسسة انضباطية فوق سياسية – أكثر انسجامًا مع البنية الثقافية والاجتماعية الحاكمة من الأحزاب التي يُفترض بها أن تكون التعبير الأرقى عن الإرادة الشعبية والتنظيم المدني في السودان .
فالسودان، في جوهره العميق، لا تحكمه الدولة الحديثة بقدر ما تحكمه فكرة “العرّاب”، أو ما يمكن توصيفه اصطلاحًا بـ نظرية “الشيخ/الحوار”: بنية رمزية مستمدة من التربية الصوفية، تقوم على مركزية الشيخ، قداسة الطاعة، وأخلاقيات الأدب قبل الفعل، والتهذيب قبل المبادرة.
وهي بنية أنتجت مجتمعًا عالي الاحترام للتراتبية، لكنه منخفض القابلية على التمرد الخلّاق.
الجيش، بحكم طبيعته التنظيمية، لم يصطدم بهذه البنية، بل اندمج فيها بسلاسة. فالعقيدة العسكرية في السودان – كما تشكّلت تاريخيًا – لم تُبنَ على مفهوم “المؤسسة الجمهورية” الحديثة، بقدر ما تماهت مع نموذج الشيخ-القائد:
الأوامر تُنفّذ، القرار مركزي، والشرعية تُستمد من الرمز لا من التداول.
أما الأحزاب، فقد وقعت في المأزق الأخطر:
لم تُنتج حداثة سياسية حقيقية، ولم تحافظ على تقاليدها التنظيمية الأصلية.
الأحزاب المنبتّة: بين التكيّف المرضي وفقدان الجوهر
الأحزاب السودانية بصورتها الحالية هي كيانات منبتّة:
منبتّة عن المزاج العام، ومنبتّة عن القاعدة الاجتماعية، ومنبتّة – وهذا الأخطر – عن ذاتها الفكرية الأولى.
فبدل أن تقوم بدورها الطبيعي كـ بناء قاعدي أفقي (Horizontal Grassroots Construction)،
انزلقت إلى نمط التكيّف المرضي مع البنية الصوفية-السلطوية، فاستعارت نموذج الشيخ بدل أن تناقضه، واحتضنت الزعامة الأبدية بدل أن تؤسس للتداول.
وهكذا، تحوّل الحزب من تنظيم سياسي إلى طريقة،
ومن فضاء نقاش إلى حلقة ذكر سياسية،
ومن أداة لإنتاج القيادة إلى آلية لإعادة إنتاج الزعيم نفسه.
لم تعد البرامج تُنتج القيادات،
بل القيادات تُنتج البرامج… أو تُعطّلها.
ثقافة الأدب حين تتحول إلى قيد سياسي
لا يمكن إنكار أن التربية الصوفية التي تسربت إلى بنية المجتمع السوداني قد أسهمت في إنتاج قيم نبيلة:
التهذيب، التسامح، خفض الصراع، وتجنّب العنف الرمزي.
لكن هذه القيم، حين تنتقل بلا نقد إلى المجال السياسي، تتحول من فضائل أخلاقية إلى قيود بنيوية:
– تقتل الإبداع الفردي لصالح الامتثال الجماعي
– تُضعف المبادرة الشخصية باسم “الأدب”
– تُجرّم النقد باعتباره “قلة تهذيب”
-تُحوّل القيادة إلى مقام لا يُسأل
وقد انسحب هذا النموذج في السودان على:
– التعليم، حيث يُكافأ الحفظ لا التفكير
– الخدمة المدنية، حيث تُقدّس الأقدمية لا الكفاءة
– الأحزاب، حيث يُخلّد الرئيس منذ التعيين… إلى الممات
الزعيم الأبدي: عرض مرضي لا استثناء تنظيمي
ليس استمرار رؤساء الأحزاب لعشرات السنين ظاهرة عارضة، بل هو عرض مرضي لبنية ثقافية-سياسية مشوّهة.
في هذا السياق، لا يُنظر إلى الزعيم باعتباره:
> موظفًا سياسيًا بعقد محدد المدة
بل باعتباره:
> “شيخ الطريقة السياسية”،
ومرجعيتها الرمزية،
ومالك الشرعية التاريخية.
وبذلك تُفرغ مفاهيم:
– الانتخاب
– المحاسبة
– التداول
من مضمونها، وتتحول إلى طقوس شكلية بلا أثر.
خاتمة: المعضلة ليست في العسكر وحدهم
الخطأ التحليلي الشائع هو اختزال أزمة السودان في “تغوّل العسكر”.
الحقيقة الأعمق أن الأزمة تكمن في غياب حزب حديث قادر على كسر نموذج العرّاب، لا استنساخه.
فالعسكر لم يفرضوا ثقافتهم على الأحزاب،
بل الأحزاب عجزت عن إنتاج ثقافة سياسية بديلة.
ومن دون تفكيك نموذج الشيخ-الزعيم،
وإعادة الاعتبار للفرد،
وإطلاق الحرية داخل التنظيم قبل المطالبة بها في الدولة،
ستظل الأحزاب أقل حداثة من الجيش،
وأقل ديمقراطية من مؤسسة لم تُخلق أصلًا لتكون ديمقراطية.
وذلك هو جوهر المأزق السوداني.
وليد محمدالمبارك احمد
إنضم لقناة النيلين على واتسابPromotion Content
أعشاب ونباتات رجيم وأنظمة غذائية لحوم وأسماك
2026/01/26 فيسبوك X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة الطبيب السوداني د. محي الدين أحمد ينقذ فتاة كندية من موتٍ محقق بمرض غامض2026/01/26 النيل الأزرق – هجوم التحالف المليشي..2026/01/25 ابراهيم شقلاوي يكتب: آخر أوراق الابتزاز الإقليمي2026/01/25 أين حميدتي ؟2026/01/25 د. هاشم حسين بابكر يكتب: والله أحب هذا الجيش2026/01/25 إسحق أحمد فضل الله يكتب: (عنك….)2026/01/25شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات الي الأصم من دون تحية مع عودة الخرطوم وعودة الجامعات 2026/01/25الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن
المصدر
المصدر: موقع النيلين
كلمات دلالية: فی السودان مع البنیة
إقرأ أيضاً:
ندوة تناقش دور “السردية الثقافية الرسمية” في ترسيخ الهوية الوطنية
صراحة نيوز – نظّمت إدارة مهرجان جرش للثقافة والفنون، بالتعاون مع اتحاد الكتّاب والأدباء الأردنيين، ندوة ثقافية بعنوان “السردية الثقافية الرسمية”، في قاعة المؤتمرات بالمركز الثقافي الملكي، بحضور نخبة من الأدباء والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي والفكري.
وشارك في الندوة الأمين العام لوزارة الثقافة نضال العياصرة، وعاقل الخوالدة، فيما أدارها وقدّمها عايد أبو فردة، الذي استعرض أهمية موضوع السردية الثقافية وعلاقته بتعزيز الوعي الوطني، وحماية الذاكرة الأردنية، وإبراز المنجز الثقافي والحضاري للمملكة.
وناقشت الندوة عددا من المحاور المرتبطة بمفهوم السردية الثقافية الرسمية، ودورها في توثيق الذاكرة الوطنية، وإبراز التنوع الثقافي الأردني، وتعزيز حضور الثقافة في الحياة العامة، إضافة إلى مسؤولية المؤسسات الرسمية والأهلية في إنتاج خطاب ثقافي متوازن ومنفتح وقادر على مواكبة التحولات الاجتماعية والتكنولوجية.
كما تناول المشاركون، أهمية توثيق الروايات والتجارب المحلية، والمحافظة على التراث المادي وغير المادي، والاستفادة من الأدب والفنون والمسرح والسينما والإعلام الرقمي في تقديم الحكاية الأردنية إلى الجمهور بأساليب معاصرة، تعزز حضورها واستمرارها بين الأجيال وقال العياصرة، إن السردية الثقافية الرسمية تمثل أحد المرتكزات الأساسية في التعبير عن هوية الدولة الأردنية وتاريخها وقيمها، مشيرا إلى أن بناء سردية ثقافية وطنية متماسكة يسهم في تقديم صورة واضحة عن الأردن، تستند إلى إرثه الحضاري وتنوعه الثقافي والاجتماعي، وتعكس مسيرته ومواقفه ومنجزاته.
وأضاف أن الثقافة ليست نشاطًا منفصلًا عن مسيرة الدولة والمجتمع، بل تعد أداة رئيسة في بناء الوعي وتعزيز الانتماء، وترسيخ القيم الوطنية لدى الأجيال، مؤكدًا أهمية توثيق المنجز الثقافي الأردني وإتاحته للجمهور بأساليب حديثة تتناسب مع التطورات المتسارعة في وسائل الاتصال والمنصات الرقمية.
وبيّن العياصرة أن المؤسسات الثقافية تتحمل مسؤولية كبيرة في صون الذاكرة الوطنية، ودعم المبدعين والكتّاب والفنانين، وإبراز الإنتاج الثقافي الذي يعبر عن خصوصية المجتمع الأردني، إلى جانب فتح مساحات أوسع أمام الشباب للمشاركة في صياغة المشهد الثقافي والمساهمة في نقل الرواية الوطنية إلى المستقبل.
وأشار إلى ضرورة أن تقوم السردية الثقافية على المعرفة والتوثيق والدقة، وأن تقدم التاريخ والهوية والمنجز الوطني بلغة قادرة على مخاطبة مختلف فئات المجتمع، ولا سيما فئة الشباب، بما يعزز قدرتهم على فهم تاريخ وطنهم والاعتزاز به والتفاعل الإيجابي مع قضاياه.
وأضاف العياصرة، أن السردية الثقافية الأردنية تستند إلى تراكم حضاري وتاريخي عميق، وتستمد قوتها من تنوع الموروث الثقافي في مختلف محافظات المملكة، مشيرا إلى أهمية إبراز الحكايات المحلية والتجارب الإبداعية التي تعبّر عن خصوصية المكان والإنسان الأردني، ودمجها ضمن خطاب ثقافي وطني جامع يحفظ التعدد، ويعزز وحدة الهوية والانتماء.
وأكد، أن وزارة الثقافة تعمل على تطوير برامجها ومشروعاتها بما يوسّع مشاركة الشباب في الحياة الثقافية، ويتيح أمامهم المجال لإنتاج مضامين أدبية وفنية ورقمية تعكس رؤيتهم لوطنهم، لافتا النظر إلى أن استدامة السردية الثقافية تتطلب مواكبة لغة العصر، والاستفادة من التقنيات الحديثة والمنصات الرقمية في توثيق المنجز الوطني ونشره، والوصول به إلى الجمهور داخل الأردن وخارجه.
من جانبه، قال الخوالدة، إن بناء السردية الثقافية الوطنية لا يقتصر على المؤسسات الرسمية، وإنما يتطلب شراكة متكاملة بين وزارة الثقافة والمؤسسات التعليمية والجامعات ووسائل الإعلام والكتّاب والأدباء والفنانين ومؤسسات المجتمع المدني.
وأوضح أن السردية الثقافية الفاعلة هي التي تستوعب تعدد التجارب والرؤى داخل المجتمع، وتقدم صورة شاملة عن الإنسان الأردني وتاريخه وموروثه وقيمه.
وشهدت الندوة نقاشا بين المشاركين والحضور حول آليات تطوير الخطاب الثقافي الوطني، وأهمية تعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية، وتوسيع مشاركة المثقفين والشباب في صياغة المبادرات والبرامج التي تخدم الثقافة الأردنية، وتدعم حضورها داخل المملكة وخارجها.
وتأتي الندوة ضمن الفعاليات الثقافية المصاحبة لمهرجان جرش للثقافة والفنون، والهادفة إلى إثراء المشهد الثقافي الأردني، وتوسيع فضاءات الحوار الفكري، وتعزيز دور الأدباء والمثقفين في مناقشة القضايا الوطنية، وترسيخ الثقافة بوصفها ركيزة أساسية من ركائز الهوية والانتماء الوطني.