لجريدة عمان:
2026-06-02@21:45:25 GMT

مينيابوليس وغزة .. لغة عنف واحدة

تاريخ النشر: 26th, January 2026 GMT

أجلس الآن كل يوم إلى جهاز الكمبيوتر، وأسأل نفسي: ما الذي بقي لي فأقوله عن أكثر أمرين يعنياني؟ أحدهما يجري في مدينتي على ضفاف نهر المِسيسيبي، والآخر يجري في الضفة الغربية لنهر الأردن، وعلى كلتا ضفتي وادي غزة.

أي فيديو ينبغي أن أتمهل أمامه أكثر من سواه: صور ريني جود، وقد أصابها ضابط من إدارة الهجرة والجمارك في مينيابوليس بطلقة في الوجه بينما تحاول بوضوح أن تخرج من الموقع، أم فيديو إطلاق عملاء فيدراليين يوم السبت الرصاص على جيفري بريتي ممرض العناية المركزة بعد أن حاول مساعدة امرأة كانت تتعرض لرذاذ الفلفل، أم لعله فيديو يوم الأربعاء الذي يظهر فيه ما بعد ضربات إسرائيلية أسفرت عن مقتل ثلاثة صحفيين فلسطينيين ضمن آخرين في غزة يعملون لحساب لجنة توزع المساعدات المصرية وتوثق توزيعها في معسكر للنازحين، أم لعله فيديو لحماس إذ تعدم منافسين وترفض الاستسلام برغم أن الحرب التي بدأتها الجماعة في السابع من أكتوبر سنة 2023 لم تسفر عن شيء إلا الوبال على الفلسطينيين؟

تشترك هذه الأخبار في عناصر أكثر مما قد تتخيلون؛ فكلها في رأيي نتاج قادة بشعين يؤثرون الحلول العنيفة السهلة على العمل الجاد القائم على حل المشكلة من خلال التفاوض.

هؤلاء القادة يرون أن القبضة الحديدية هي النهج الأمثل للفوز في انتخاباتهم القادمة: الرئيس ترامب في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي ينتظر أن يدعو للانتخابات في الوقت نفسه تقريبا، وحماس في سعيها اليائس إلى قيادة الحركة الفلسطينية فيما بعد الحرب برغم خسارتها في الحرب.

وتشترك حماس وإدارة الهجرة والجمارك الأمريكية في سمة بارزة لم أحسب قط أن أراها في الولايات المتحدة، وهي أن جميع جنودها تقريبا يرتدون الأقنعة.

وقد علمتني خبرة عملي الصحفي في الشرق الأوسط أن من يرتدون الأقنعة إنما يهمون بعمل أمر قبيح لا يريدون أن تلتقط العدسات وجوههم وهم يقومون به. وقد رأيت ذلك مرارًا في بيروت وفي غزة، ولم أتوقع قط أن أراه في مينيابوليس. فمنذ متى شعرت قوات الشرطة المحلية في أمريكا المسؤولة عن الدفاع عن الدستور وسيادة القانون بأن أفرادها بحاجة إلى إخفاء هوياتهم؟

أفهم سبب ارتداء مقاتلي حماس الأقنعة؛ فأيديهم ملطخة بدماء كل من الإسرائيليين والفلسطينيين، وهم يخشون الثأر، لكنك إن وضعت صورة لضابط في إدارة الهجرة والجمارك بجانب مقاتل من حماس في امتحان أخبار فأتحدى أن تميز بينهما. فهذه رسالة إلى وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم: هذا الأمر لا يبدو جيدًا. ما الذي تخفينه؟

لقد كان واضحًا أن جود وبريتي حاضران بوصفهما مراقبين ـ يحاولان الدفاع عن غيرهما ـ، فانساق كل منهما إلى الفوضى، وتلقى طلقات من مدى قريب أطلقتها عناصر أمنية ما كان لها أن تضغط الزناد. غير أن فريق ترامب يصر على أن إدارة الهجرة والجمارك لا تلام في شيء. وما هذه بالطريقة التي تقام بها الشرعية لجهود حكومية رامية إلى تعقب المهاجرين غير الشرعيين وترحيلهم.

غير أن غريزة «الإطلاق، والاستعداد، والتصويب» إرث أخلاقي فاسد عن حرب إسرائيل في غزة. لقد عمل أحد الصحفيين الفلسطينيين القتلى في الغارة الإسرائيلية الجوية يوم الأربعاء، ويدعى عبد الرؤوف شعث، لسنين مصورا في شبكة أخبار سي بي إس ومنابر إعلامية أخرى، والآخران كانا صحفيين محليين هما صلاح قشطة وأنس غنيم. ويقال إنهم كانوا مكلفين بتصوير توزيع مساعدات لجنة الإغاثة المصرية عندما تعرضت سيارتهم للاستهداف.

فعلا؛ أكانت تلك هي الطريقة الوحيدة للتعامل مع الموقف خلال وقف إطلاق النار؟ إطلاق غارة جوية فورية، ثم طرح الأسئلة لاحقا؟ هل بوسع إسرائيل أن تغتال علماء نوويين في إيران في جنح الليل على بعد ألف ومائتي ميل، لكنها لا تستطيع أن تميز في جوارها بين صحفي ومقاتل وفي وضح النهار؟ إنه لعار. ويأتي هذا بعد شهور فقط من قتل القوات الإسرائيلية صحفيًا في رويترز يدعى حسام المصري على درج مستشفى ناصر في غزة في شهر أغسطس.

لقد اعتذر نتنياهو عن واقعة القتل الأسبق. أما في ما يخص الصحفيين القتلى في الأسبوع الماضي؛ فأصدر الجيش الإسرائيلي بيانًا مكرورًا يقول: إن القوات تعرفت على «العديد من المشتبهين الذين قاموا بتشغيل طائرة مسيرة مع حماس»، ووجهت «ضربة للمشتبهين الذين قاموا بتشغيل المسيرة»، وأضاف البيان أنه تجري مراجعة التفاصيل، وهذا ما يقولونه دائما، وهكذا تفقد أمة وجيش روحهما.

ولكن هذا هو ما يحدث بالفعل: نتنياهو يعمل على إعادة انتخابه، وإسرائيل في الوقت الراهن تحتل قرابة 53% من قطاع غزة مع سيطرة حماس على الـ47% الباقية.

وترامب ـ بمساعدة مصر وقطر وتركيا ـ يدفع حماس إلى نزع السلاح، ورحيل قادتها، وتحويل المنظمة إلى كيان سياسي محض. وفي المقابل يتوقع ترامب من إسرائيل أن تبدأ الانسحاب إلى حدودها.

يعلم نتنياهو أنه في حال خوضه الانتخابات في ظل احتفاظ حماس بنفوذ سياسي في غزة وانسحاب الجيش الإسرائيلي فإنه سوف يتعرض لهجوم وحشي من متطرفي أقصى اليمين من أعضاء ائتلافه؛ فهؤلاء الحلفاء لا يريدون فقط البقاء في غزة، وإنما يريدون ضم الضفة الغربية.

ولذلك يريد بيبي أن تستمر الحرب، ويريد أن يستفز حماس فتقاتل؛ لكي لا يضطر إلى الانسحاب.

في الوقت نفسه تتشبث حماس بالسلاح لتحافظ على سيطرتها القائمة على الأرض. وحتى في حال اضطرارها إلى التحول إلى كيان سياسي فسوف تفعل أي شيء في طاقتها لاختطاف حكومة التكنوقراط الفلسطينية التي يحاول ترامب تنصيبها.

ولنرجع إلى الوطن حيث يبدو أن ترامب يعتقد أن فوضى مينيابوليس سوف تفيده في نوفمبر برغم أن استطلاعات الرأي تبين سخط الأمريكيين على أساليب إدارة الجمارك والهجرة. وهو يراهن على أن بوسعه خوض الانتخابات ببرنامج «القانون والنظام» الذي تغذيه المشاعر المعادية للهجرة.

غير أن هناك رؤية أخرى في البيت الأبيض؛ فقد زار نائب الرئيس جيه دي فانس مينيابوليس الأسبوع الماضي؛ لحث المسؤولين هناك على التعاون مع العملاء الفيدراليين من أجل «تخفيف السخونة، وتقليل الفوضى».

ففجأة كان فانس المخاتل بالذات هو الصوت الداعي للتهدئة والعقل. وأعتقد أنه كان يستغل مخاوف النواب الجمهوريين الذين يخشون أن تفضي أفعال إدارة الجمارك والهجرة إلى كارثة انتخابية في التجديد النصفي.

رسالة إلى أصدقائي وأهلي في مينيابوليس: لا تفقدوا اعتزازكم بتوثيقكم للانتهاكات، ووقوفكم بجانب جيرانكم من حملة جوازات السفر الشرعية ومن غير حملتها ممن يلتزمون بالقانون، ويجتهدون في العمل من أجل إثراء مدينتنا.

لكن من المهم أن تكون هذه الحملة مصحوبة بالتزام معلن بإصلاح الهجرة بما يحقق السيطرة على الحدود، ويقيم مسارًا شرعيًا للحصول على المواطنة.

وتبقى هذه هي الرسالة الرابحة: جدار عال وبوابة ضخمة. سيطروا على الحدود، وأفسحوا مجالا أكبر للهجرة الشرعية. لا يجب أن ينسى الديمقراطيون أن سببًا أساسيًا لرجوع ترامب إلى السلطة هو عجز الإدارة السابقة عن السيطرة على الهجرة غير الشرعية؛ فلا يزال الناخبون الشرعيون مهتمين بهذا الأمر.

وتبقى أعين ترامب وبيبي وحماس معلقة بالجائزة: أي انتخابات 2026. ويجب ألا تغفل شعوب مينيابوليس وإسرائيل وغزة عن هذا؛ فإن استمر ترامب في السيطرة على الكونجرس، وفاز بيبي بإعادة الانتخاب، وتمكنت حماس من السيطرة على الحركة الفلسطينية فإن المجتمعات الثلاثة كلها سوف تمضي إلى ظلمة سيكون التعافي منها أمرا شاقا ومضنيا.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: إدارة الهجرة والجمارک السیطرة على فی غزة

إقرأ أيضاً:

د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا

يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.

فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.

لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.

بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.

الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.

ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.

الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.

الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.

فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.

ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.

ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.

أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.

كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.

فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.

أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.

ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.

وهناك أيضًا أمان المكانة.

ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.

فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟

الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.

ثم يأتي أمان الضعف.

وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.

أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.

فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.

في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.

لكن الأمان وحده لا يكفي.

فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.

الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.

فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.

أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.

وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.

فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.

هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.

وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.

وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.

وهناك ونس الصمت.

نعم، الصمت.

فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.

أما العنصر الثالث فهو العفوية.

العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.

العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.

العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.

فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.

كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟

من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟

فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.

العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.

والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.

ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.

ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.

ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟

ليس الشكل وحده.

ولا الكلمات وحدها.

ولا البدايات المبهرة وحدها.

الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.

فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.

هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.

ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.

بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.

وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.

يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.

ويكبر لأنه منحنا الأمان.

ويكبر لأنه كان مصدر ونس.

ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.

فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.

وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.

القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.

فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.

نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.

ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.

ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.

لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.

فالأمان يجعل القلب يستقر.

والونس يجعل الروح تبتسم.

والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.

أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.

فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.

شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.

وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.

ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .

طباعة شارك الأمان الطمأنينة الحب الحقيقي

مقالات مشابهة

  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • ولايات ديمقراطية تقاضي إدارة ترامب بسبب صفقة لإلغاء مشروع رياح بحرية
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • حماس: اتهامنا برفض تسليم إدارة غزة أكاذيب
  • حماس: مستعدون لتسليم إدارة غزة ومجلس السلام عاجز أمام الاحتلال
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • خلفًا لتولسي غابارد..ترامب يكلّف بيل بولتي بقيادة الاستخبارات الوطنية مؤقتًا
  • مساعدات سعودية للمحتاجين في اليمن وغزة ومالي
  • إدارة ترامب تقترح فرض رسوم بنسبة 25% على واردات برازيلية بدعوى ممارسات تجارية غير عادلة
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟