تدريب الكوادر الوطنية على تحليل البيانات الاقتصادية وصياغة المحتوى الإعلامي المؤسسي
تاريخ النشر: 27th, January 2026 GMT
مسقط- الرؤية
اختُتِم بنجاح البرنامج التنفيذي لتعزيز القدرات في مجال الإعلام الاقتصادي والتواصل المؤسسي، والذي نظمته البوابة الذكية للاستثمار (SIG)؛ وقدمته نخبة من الخبراء والمتخصصين، وسط حضور لافت تضمن أكثر من 30 مشاركًا من مختلف الجهات الإعلامية والمؤسسية في القطاعين العام والخاص.
وهدف البرنامج- الذي عُقد على مدار يومين- إلى بناء وتأهيل كوادر وطنية قادرة على تحليل البيانات الاقتصادية وصياغة المحتوى الإعلامي المؤسسي بأسلوب احترافي يسهم في رفع جودة الخطاب الإعلامي الاقتصادي.
وقدَّم البرنامج للمشاركين تجربة تدريبية مكثفة جمعت بين الجانبين النظري والتطبيقي، عبر سلسلة من المحاضرات التفاعلية وورش العمل العملية التي قادها خبراء متخصصون في الصحافة الاقتصادية وتحليل البيانات، إذ حرص منظمو البرنامج التنفيذي على تهيئة مناخ يُشجّع على تبادل المعرفة والنقاش التفاعلي بين المحاضرين والمشاركين لنشر أفضل الممارسات في هذا المجال الحيوي.
واستعرض البرنامج التنفيذي حزمة من المحاور الرئيسية التي تغطي جوانب مختلفة من الإعلام الاقتصادي والتواصل المؤسسي؛ ومن أبرزها: المشهد الاقتصادي في عُمان ومتطلبات تطوير الخطاب الإعلامي لمواكبة التحولات التنموية، وكذلك مهارات التحرير الصحفي الاقتصادي وصياغة المحتوى المؤسسي بأسلوب مهني يجذب الجمهور، ومنهجيات تحليل البيانات والإحصاءات وتحويلها إلى قصص إخبارية واضحة تُسهِّل فَهم المعلومات المعقدة، إلى جانب توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي وأدوات عرض البيانات الحديثة (مثل Power BI) لدعم عملية التحليل وصناعة المحتوى الإعلامي المبني على البيانات، علاوة على بناء المحتوى الرقمي المتميز لمنصات التواصل وتنظيم التواصل الإعلامي الفعّال عبر إعداد الرسائل الإعلامية وعقد المؤتمرات الصحفية بكفاءة.
وتضمن اليوم الأول من البرنامج استعراض تطورات الاقتصاد العُماني، وورشًا تدريبية حول مهارات التحرير الصحفي الاقتصادي وتحليل البيانات، إضافة إلى تطبيقات عملية في تحرير القصص الإخبارية المُستخلَصة من الجداول والإحصاءات باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. واختُتمت فعاليات اليوم الأول بتمارين تطبيقية مستمدة من تجربة جريدة «الرؤية» في الصحافة الاقتصادية، لإكساب المشاركين خبرات عمليّة من واقع الممارسة الإعلامية المحلية.
فيما اشتمل اليوم الثاني على تدريب مُتقدِّم لتحليل البيانات، وتنمية مهارات بناء المحتوى الرقمي الإعلامي وإعداد الرسائل الإعلامية وتنظيم المؤتمرات الصحفية. وتعرّف المشاركون خلال اليوم الثاني على أدوات متقدمة في عرض وتحليل البيانات مثل (Power BI) وتقنيات الذكاء الاصطناعي، مع تطبيقات عملية على بيانات الاستثمار الأجنبي وكيفية توظيفها لصياغة تقارير صحفية مدعومة بالبيانات والرسوم البيانية.
وأُتيحت للمشاركين فرصة الاطلاع على تجارب دولية رائدة في مجال الإعلام الاقتصادي والتواصل المؤسسي؛ حيث نقل الخبراء خلاصة خبراتهم العالمية لإثراء معرفة المتدربين. واستعرض الخبير الإعلامي أحمد الشيخ- المستشار في مجال الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، وصاحب خبرات مهنية ممتدة في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)- رؤى حديثة حول تطوير المحتوى الإعلامي باستخدام التقنيات المتقدمة.
وقدّم الدكتور يوسف بن حمد البلوشي خلاصة تجاربه الاقتصادية والاستشارية على المستوى الدولي، مُسلِّطًا الضوء على أفضل الممارسات العالمية في الاتصال المؤسسي الاقتصادي وآليات مواءمته مع الرؤى والاستراتيجيات الوطنية. بينما ساهم المهندس الحسن جمال بخبرته في تحليل البيانات وذكاء الأعمال، في إبراز دور الأدوات التقنية مثل (Power BI) في تعزيز قدرة الإعلاميين على إعداد تقارير مُعمَّقة تعتمد على البيانات. وانعكس ذلك في صورة نقاشات ثرية حول كيفية الاستفادة من النماذج العالمية لتطوير الأداء الإعلامي المحلي والتواصل بفعالية مع الجمهور في عصر المعلومات الرقمية.
وفي ختام البرنامج، أعرب المشاركون عن استفادتهم الكبيرة من البرنامج التنفيذي وما تضمنه من معارف حديثة وتطبيقات عملية أصقلت خبراتهم وعززت مهاراتهم. فيما أعرب القائمون على تنفيذ البرنامج عن ثقتهم في أن تُسهم مخرجات البرنامج في تعزيز قطاع الإعلام والاتصال المؤسسي في سلطنة عُمان خلال المرحلة المقبلة، بفضل الكوادر الوطنية المؤهلة والقادرة على إنتاج محتوى اقتصادي متخصص قائم على البيانات، يسهم في إيصال المعلومة الدقيقة وصناعة قرار مُستنير يخدم مسيرة التنمية.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
كلمات دلالية: البرنامج التنفیذی المحتوى الإعلامی فی مجال الإعلام تحلیل البیانات
إقرأ أيضاً:
تحولات الشهرة في العصر الرقمي
د. هبة العطار
مُنذُ أن تحوَّل العالم إلى شاشاتٍ صغيرة نحملها بين أيدينا، لم تعد وسائل التواصل مجرد أدوات للاتصال أو الترفيه؛ بل أصبحت مساحات لإعادة تشكيل الوعي الإنساني وأنماط الحضور الاجتماعي، وتغيَّرت معها علاقة الإنسان بالصورة وبنفسه داخل الفضاء العام الرقمي، حتى أصبح الظهور جزءًا من الحياة اليومية لا حدثا استثنائيا مرتبطا بالمشاهير وحدهم.
في ظل هذا التدفق الرقمي المتسارع، لا تكتفي المنصات بنقل المحتوى وحسب، وإنما تشارك في إنتاجه وتوجيه انتشاره، وتحديد ما يظهر وما يختفي داخل بيئة تعتمد على السرعة والتكثيف، ومع هذا التحول أضحى النظر إليها بوصفها أدوات ترفيه وفضاءات ثقافية تُعيد صياغة الذوق العام وأنماط التأثير داخل المجتمع الحديث.
منصة TikTok الشهيرة تحولت من مجرد مساحة رقمية عابرة إلى ظاهرة إعلامية وثقافية أعادت تعريف مفهوم الشهرة وصناعة المحتوى، ومن هنا بات السؤال الحقيقي كيف أعاد هذا الفضاء الرقمي تشكيل علاقتنا بالشهرة والانتباه والتأثير والهوية الإنسانية ذاتها، بغض النظر عن مدى إيجابيات أو سلبيات هذه المنصة؟!
لقد أحدثت منصة TikTok تحولًا عميقًا في فكرة "النجم" كما عرفته الأجيال السابقة؛ ففي الماضي كانت النجومية تمُر عبر أبواب مغلقة تتحكم فيها المؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج والقنوات التلفزيونية، أما اليوم فقد أصبح الظهور أكثر انفتاحًا؛ حيث يستطيع شاب يُغني من غرفته الصغيرة، أو فتاة تقدم محتوى معرفيًا عبر هاتف بسيط، أن تصل إلى جمهور واسع في غضون ساعات قليلة. وهكذا ظهرت نماذج جديدة من المؤثِّرين وصُنَّاع المحتوى الذين لم تمنحهم المؤسسات التقليدية فرصة حقيقية للظهور، لكن الجمهور والخوارزمية معًا أعادا اكتشافهم، ولم تعد الشهرة مرتبطة فقط بالإمكانات المادية أو النفوذ الإعلامي؛ بل أصبحت مرتبطة بقدرة الشخص على جذب الانتباه وصناعة القرب الإنساني وتقديم محتوى يلامس اهتمامات الناس ومشاعرهم اليومية.
لقد تحولت الخوارزمية إلى ما يُشبه "حارس بوابة" جديدًا، يُقرِّر من يظهر ومن يختفي، لكنها تختلف عن الحارس التقليدي في أنها لا تسأل عن الشهادات أو المكانة الاجتماعية بقدر ما تسأل عن القدرة على إيقاف الجمهور ولو لثوانٍ قليلة وسط هذا التدفق الهائل للمحتوى.
وقد قدمت المنصة نماذج إيجابية حقيقية تستحق التأمل والدراسة، إذ برز أطباء ومتخصصون نفسيون وصناع معرفة نجحوا في تبسيط المعلومات وتقديم محتوى توعوي سريع يناسب طبيعة العصر الرقمي وإيقاعه المتسارع، كما ظهرت مبادرات إنسانية ومحتويات داعمة للصحة النفسية، وأصبح بعض الشباب يستخدمون المنصة لنشر رسائل اجتماعية وثقافية تعزز قيم التسامح والتطوير الذاتي والتواصل الإنساني.
ومن اللافت أن كثيرًا من هذه النماذج اعتمدت على العفوية والبساطة أكثر من اعتمادها على الإنتاج الضخم أو الإمكانات الاحترافية، وهو ما خلق نوعا جديدا من العلاقة بين الجمهور وصانع المحتوى، علاقة تقوم على الإحساس بالقرب والتشابه والمشاركة اليومية، لا على المسافة التقليدية التي كانت تفصل المشاهير عن الناس.
غير أن الوجه الآخر للمنصة يكشف عن إشكاليات لا يمكن تجاهلها؛ إذ ظهرت أنماط من المحتوى تقوم على الإثارة الرخيصة والاستعراض المُبالَغ فيه والبحث المحموم عن المشاهدات بأي وسيلة مُمكِنة، فبعض الحسابات تبني انتشارها على افتعال الجدل والصراعات الفكرية أو الدينية، أو تغذية التعصب والكراهية، أو تقديم محتوى قائم على الاستفزاز والصدمات السريعة التي تضمن التفاعل ولو على حساب القيم والمعنى.
هنا لا تبدو المشكلة في التكنولوجيا ذاتها؛ بل في طبيعة البيئة الرقمية التي تُكافئ أحيانًا المحتوى الأكثر إثارةً وصخبًا أكثر من المحتوى الأكثر عمقًا واتزانًا، مما يدفع بعض المستخدمين إلى المبالغة والتطرف من أجل البقاء داخل دائرة الضوء.
وفي هذا السياق، برز ما يُعرف بـ"اقتصاد الانتباه"؛ بوصفه أحد أهم ملامح البيئة الرقمية المعاصرة، ففي عالم تتزاحم فيه الرسائل والصور والمقاطع بلا توقف، أصبح الانتباه ذاته موردًا بالغ القيمة تتنافس عليه المنصات وصناع المحتوى والمعلنون، وتُبنى عليه معدلات الانتشار والتأثير والعوائد الاقتصادية، ومع الاعتياد على الانتقال المستمر بين الصور والأصوات والمثيرات البصرية في ثوان معدودة، يُثار تساؤل مهم حول قدرة الإنسان المعاصر على الاحتفاظ بالتركيز العميق والتأمل الطويل في عالم يتسارع إيقاعه بصورة غير مسبوقة.
ومع ذلك قد يكون من الخطأ النظر إلى TikTok باعتبارها السبب الوحيد لهذه التحولات، فهي- أي المنصة- لا تخلق الرغبة في الشهرة أو البحث عن الاعتراف من العدم، بقدر ما تمنحها فضاءً أوسع للظهور والتضخم، ومن ثم تبدو المنصة أقرب إلى مرآة رقمية تعكس ما يفضله المجتمع وما يتفاعل معه، بقدر ما تؤثر فيه وتعيد تشكيله، لتصبح مسؤولية المحتوى مسؤولية مشتركة بين الخوارزمية وصانع المحتوى والجمهور على حد سواء.
إنَّ TikTok أكثر من مجرد منصة للترفيه السريع؛ فهي انعكاس واضح لتحولات الإنسان المعاصر وطريقته المستمرة في البحث عن الحضور والتأثير والاعتراف داخل العالم الرقمي، ورغم ما تُتيحه من فرص واسعة للتعبير والظهور، وما تُثيره من تحديات تتعلق بطبيعة الانتباه وقيمة المحتوى في عصر السرعة، تبقى الحقيقة الأهم أن المنصات قد تمنح الضوء والانتشار، لكنها لا تصنع وحدها المعنى؛ فالقيمة الحقيقية ليست في عدد من يشاهدوننا، وإنما في الأثر الذي يبقى بعد أن ينتهي المشهد ويُغلق الجميع شاشاتهم.
رابط مختصر