حسين الراوي
الذين لا يعيشون مع العطور مُعظم ساعات يومهم يخسرون الكثير… يخسرون القدرة على استدعاء الذكريات، الأماكن، والوجوه. فالعطر موسيقى العشق، وقهوة المزاج، وشراع السفينة الذي يأخذنا إلى موانئ الماضي الغارقة في الحنين.
إنه أمر واقعي، لا خيال فيه، ولا فلسفة مزيفة، أن تحمل العطور ذاكرة تشبه ذاكرة الإنسان، ذاكرة تخفي في أدراجها وجوهًا رحلت، ومدنًا تلاشت، وأسماءً هامت في ضباب الزمن، وأسفارًا عادت لتجعل القلب يئن.
للعطر ذاكرة مشبوبة بالزمن، ممزوجة بالحنين وبالجرح النفسي، ذاكرة تتنفس بين طياتها كل ما عاشه الإنسان ككائن حيٍّ اجتماعي، كل ما حمله قلبه من علاقاتٍ مع نفسه، ومع الناس، ومع المدن، ومع كل ما لامسه أو اقترب منه روحياً وجسدياً وفكرياً.
وبسرعة خاطفة، بلحظة عابرة من رذاذٍ سحري، يستطيع العطر أن يستحضر الماضي، أن يقلب الزمن على ظهره، فيعود بنا إلى الوراء، فنجد وجوهًا قد رحلت، أسماءً ضاعت بين صفحات الحياة، أماكن لم نعد نجد لها طريقًا، وأحداثًا طالما ربطت بيننا وبين رائحةٍ وحيدة، لم تزل عالقة في ذاكرتنا كجُرحٍ مفتوح.
حاسة الشم جزء من منظومة الجسد، والجسد جزء من منظومة الحياة، والحياة نفسها تتأرجح بين الزمن والحدث والذاكرة، والعطر، كما لو كان لعنةً جميلة، له نصيب من كل ذلك.
عالم العطور حكاية طويلة لا نهاية لها، ليس فيها بطل، ولا منطق، ولا حتى خيال. قد يغلب عطرٌ رخيص آخر أغلى العطور، وقد يعلو عطرٌ مُهمل آخر مشهور، لأنَّ الغلبة في العطر ليست للأسماء، بل للصدفة، وللحظات التي تحفر في الروح.
أتذكر مرة أن رائحة عطرٍ لفت انتباهي مع زميل في العمل، ذكر لي اسمه وشركته الصغيرة، وكان ثمنه 11 دينارًا كويتيًا فقط. بعد أيام، ذهبت لأجد الشركة، فلم يكن لديها سوى 5 زجاجات، ومن بينها ذلك العطر الذي بدا أنَّه وُلد من صدفة، ولم يكن متوقعًا أن يترك هذا الأثر العميق في نفسي.
ومرة أخرى، أهداني صديق عطرًا من صلالة. عطر استطاع أن ينافس الكثير من العطور العالمية، ليس لقيمته أو شهرته، بل لأنَّ بيني وبين صلالة سنوات ممتدة من العشق والذكريات والوجوه والأماكن والأحداث التي تشبعت بها تلك الرائحة.
ذاكرة العطر، حين يخرج الرذاذ من الزجاجة، تدق جرسًا في داخلنا، توقظ أحاسيس حاول غبار النسيان أن يدفنها، فتجد القلب يرتجف، والعين تدمع، والذاكرة تنكسر على وقع رائحةٍ وحدها، لتذكرنا بما رحل وما لن يعود.
العطر ليس مجرد رائحة… إنه حكاية الحنين، وجسد الفقد، وصرخة الذاكرة التي لا تهدأ.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
يمن مونيتور/ رصد خاص
كشفت السلطات الأمريكية عن مستجدات جديدة في القضية التي هزّت أوساط الجالية اليمنية في ولاية نيويورك، بعد توجيه اتهامات رسمية إلى صالح محمد (28 عاماً) على خلفية جريمتي قتل وقعتا يوم الإثنين في مدينتي بوفالو وتشيكتواغا.
ومثل المتهم أمام المحكمة، حيث وُجهت إليه ثلاث تهم بالقتل من الدرجة الثانية وتهمة واحدة بالقتل من الدرجة الأولى، وذلك على خلفية مقتل عائشة عبد الله وطفلين داخل منزل في منطقة تشيكتواغا.
وفي تطور متصل، أكدت شرطة بوفالو أن المتهم يواجه أيضاً اتهاماً منفصلاً بالقتل من الدرجة الثانية في قضية إطلاق النار التي أودت بحياة المواطن اليمني شكري علي صالح الشيبة داخل متجره في شارع غرانت بمدينة بوفالو، وذلك قبل وقت قصير من اكتشاف الجريمة الأخرى.
وتشير المعطيات الأولية إلى وجود صلة بين مسرحي الجريمتين، فيما تواصل أجهزة إنفاذ القانون جمع الأدلة واستكمال التحقيقات لتحديد التسلسل الكامل للأحداث وكشف جميع ملابسات القضية.
ورغم تداول روايات متعددة بشأن أسباب الجريمة، أكدت المعلومات الرسمية الصادرة حتى الآن عدم وجود أي إعلان من الشرطة أو النيابة العامة يوضح الدافع وراء الجرائم.
كما لم تتضمن البيانات الرسمية أي إشارات إلى خلافات عائلية أو مشكلات مالية أو اضطرابات نفسية، ما يجعل جميع التفسيرات المتداولة في الوقت الراهن مجرد تكهنات غير مؤكدة.
ويُحتجز المتهم حالياً في مركز احتجاز مقاطعة إيري، بانتظار استكمال الإجراءات القضائية ومواصلة التحقيقات.
وتبقى القضية مفتوحة على مزيد من التطورات، في ظل ترقب واسع داخل الجالية اليمنية لنتائج التحقيقات الرسمية التي يُنتظر أن تكشف الدوافع الحقيقية وراء واحدة من أكثر الجرائم صدمة التي شهدتها الجالية في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.
دوافع غامضة وصدمة كبرى.. ماذا حدث للأسرة اليمنية في مدينة بوفالو الأمريكية؟