تتفرد "الشهقة الأخيرة"، وهي مجموعة قصصية من حرب غزة للكاتب والأديب حسن القطراوي بكونها صادرة من قلب تجربة الحرب في غزة، حيث عاش الكاتب مأساة الصراع بكل ألوانها وقسوتها.

حول القطراوي هذه التجربة المباشرة إلى عمل أدبي يتجاوز المتعة الجمالية، ليصبح نافذة مكثفة على التجربة الإنسانية في أقسى لحظاتها وأكثرها هشاشة.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2مسارات أدب الرعب في الثقافة العربية من الجن إلى الخيال العلميlist 2 of 2لماذا انتصر المسلسل على الفيلم؟end of list

ولا تكتفي المجموعة بسرد واقع مثقل بالمعاناة، بل تعمل على تفكيكه وإعادة تركيبه سرديا، لتسلط الضوء على الإنسان قبل الحدث، وعلى النبض اليومي قبل الصورة النمطية، ما يمنحها أهمية خاصة بوصفها نتاجا مباشرا لشهادة حية متوازنة بين البعد الفني والبعد الواقعي.

يرتكز البناء السردي في "الشهقة الأخيرة" على الإنسان بوصفه جوهر الحكاية ومحورها الأساسي

الإنسان في قلب السرد

"المجاعة تتوحّش أكثر، لا شيء في السوق يمكن شراؤه، وإن وجد فإن صديقي لا يقوى على ثمنه، ينظر إلى أبنائه بعيون دامعة وأجسادهم تذوب أمامه كما يذوب الثلج، وفي ليلة استشرى فيها الجوع رأى القفص الصدري لابنه الصغير بارزا ويمكنه عد فقراته بالواحدة، حينها جن جنونه، وأقسم أن يذهب إلى أماكن المساعدات التي أعلن عنها جيش الاحتلال".

إنها فقرة في قصة "المصيدة"، إحدى قصص المجموعة، يرسم الكاتب من خلالها صورة إنسانية قاسية لتجربة الجوع واليأس في غزة، حين يصبح الإنسان أمام خيار مستحيل بين النجاة أو الموت جوعا.

‎⁨القطراوي بين أنقاض ما خلّفته الحرب، ممسكًا بكتاب كأنّه يتمسّك بآخر خيوط المعنى وسط الخراب (الجزيرة)⁩

ويركز النص على التفاصيل اليومية الدقيقة التي تعكس المعاناة العميقة والخوف الدائم، ليحوّل اللحظة الفردية إلى شهادة حية على الواقع الصعب، مؤكدا هشاشة الإنسان وقوته في آن واحد، وصراع البقاء الذي يختبر حدود الصبر والصمود.

في قصة "السبت الأسود" يوثق الكاتب مجزرة النصيرات بوصفها شهادة حية من قلب الإبادة

ويقول القطراوي للجزيرة نت: "يرتكز البناء السردي في "الشهقة الأخيرة" على الإنسان بوصفه جوهر الحكاية ومحورها الأساسي. القصص تركز على تفاصيل الحياة اليومية في ظل ظروف بالغة الصعوبة، حيث يصبح الألم تجربة مشتركة، والخوف رفيقا دائما، والصبر فعلا يوميا لا بطولة استثنائية. تظهر الشخصيات في لحظات ضعفها وقوتها معا، دون تزويق أو ادعاء، ما يمنح النصوص صدقا إنسانيا عميقا".

إعلان

ويضيف: "تبرز الروابط الاجتماعية والتفاعلات الإنسانية بوصفها خطوط نجاة في عالم متصدع، فالعائلة والجيرة والعلاقات البسيطة تتحول إلى مصادر دعم ومقاومة صامتة، تؤكد أن الإنسان قادر على التشبث بالحياة رغم كل شيء."

القاص الفلسطيني زياد خداش: المجموعة شهادة أدبية نابضة تنحاز للإنسان العادي، لتكشف هشاشته وقوته معا في مواجهة الموت

شهادة من قلب الإبادة

في قصة "السبت الأسود" يوثق الكاتب مجزرة النصيرات بوصفها شهادة حية من قلب الإبادة، حيث يصف ما جرى بعد ساعات من القصف، حين بدا الزمن ممتدا كألم متواصل.

يكشف النص عن صدمة المواطن التي تجاوزت حدود الوصف، ويضع القارئ أمام حجم الاستهداف الشمولي، مؤكدا أن ما حدث لم يكن مجرد حادث عسكري، بل جريمة جماعية تركت أثرا عميقا في الوعي الإنساني، وصارت جزءا من ذاكرة لا تُمحى.

وتعكس "المجموعة القصصية" الأثر النفسي العميق للأحداث على شخصياتها، كاشفة عن القلق واضطراب الشعور بالأمان، والخوف من المستقبل في سلوكياتهم اليومية، حيث يصبح التردد سمة، والانتظار عبئا ثقيلا.

كما ترصد العلاقة الجدلية بين الفرد والمجتمع، فتظهر المعاناة كظاهرة جماعية تعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية، إما بتعميق التضامن أو بإنتاج أشكال جديدة من الصمت والانكفاء.

‎⁨القطراوي: الكتابة أداة لفهم ما تبقّى من الحياة وسط الدمار حين تختلط خطوات الإنسان بثقل الفقد (الجزيرة)⁩

وفي هذا السياق يصف القاص الفلسطيني زياد خداش في حديثه للجزيرة نت: المجموعة بأنها "شهادة أدبية نابضة من قلب الروح، تنحاز للإنسان العادي، لتكشف هشاشته وقوته معا في مواجهة الموت والحصار والفقد".

ويضيف: "التفاصيل الصغيرة تتحول إلى ذاكرة مقاومة، وإلى نصوص توثق الألم بوصفه تجربة معيشة، وتمزج بين واقعية قاسية وحس إنساني رفيع. إنه أدب يلتقط الحياة وهي تُنتزع من بين أنياب الفناء، ويمنح الضحايا صوتهم الأخير في مواجهة الصمت".

هذه القصص جزء من مشهد أكبر، إذ تجمع بين أصوات وتجارب متعددة تشكّل مقاطع من حكايات مؤلمة كثيرة يستحيل أن يحتويها كتاب واحد

اللغة، هوية وفعل مقاومة

تُبرز قصص القطراوي الحضور الواضح للهوية الفلسطينية من خلال استدعاء القيم والعادات والتقاليد، ليس كعناصر فولكلورية، بل كمكوّنات حية تشكّل الشخصيات ونمط حياتها. والبيئة المحلية تظهر بتفاصيلها اليومية لتؤكد أن الهوية ليست شعارا، بل ممارسة معيشية تتجدد رغم المحاولات المستمرة للطمس والتهميش.

ويصبح التمسك بالثقافة والذاكرة الجمعية شكلا من أشكال المقاومة، حيث يتحول الحفاظ على العادات واللغة والعلاقات الاجتماعية إلى تأكيد على الوجود والاستمرار.

وفي هذا الجانب يقول الروائي الفلسطيني سعيد أبو غزة للجزيرة نت: "القصص في مجموعة القطراوي تفتح أفقا لغويا حارا في المشهد السردي الفلسطيني. لغته ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل قلب اللقطة القصصية، تلتقط ألم الغزي بهدوء عميق بعيدا عن اللطم أو استجداء العاطفة. هذا النوع من الكتابة يراهن على الصدق الفني ويمنح القارئ مواجهة مباشرة للألم الإنساني، حيث تصبح اللغة فعل مقاومة وجمال في آن واحد".

فيما ترى الشاعرة هند جودة في حديثها للجزيرة نت أن هذه القصص جزء من مشهد أكبر، إذ تجمع بين أصوات وتجارب متعددة تشكّل مقاطع من حكايات مؤلمة كثيرة يستحيل أن يحتويها كتاب واحد. ويقدّمها الكاتب بوصفه شاهدا على التجربة، يكتب بوعي، مستندا إلى السرد كوسيلة لتوثيق ما جرى وحفظه في الذاكرة، وكفعل شخصي لمواجهة الفقد واستيعاب أثره.

الشاعرة الفلسطينية هند جودة (الجزيرة)

تمثل المجموعة سردية ناضجة، تجمع بين العمق الإنساني، والتحليل النفسي والاجتماعي، والوعي بالهوية، والاشتغال الفني، والبعد التوثيقي

الذاكرة في مواجهة النسيان

تمنح "الشهقة الأخيرة" القصة القصيرة بعدا توثيقيا واضحا، إذ تعكس الوقائع اليومية والأحداث السياسية والتاريخية ضمن إطار سردي إنساني، لا تُقدَّم الوقائع بوصفها تسجيلا جافا، بل تُعاد صياغتها أدبيا، بما يحفظ أثرها الإنساني ويمنحها قابلية للبقاء في الذاكرة.

إعلان

بهذا المعنى، تؤدي المجموعة وظيفة مزدوجة: أدبية من جهة، وشهادة حية من جهة أخرى، حيث يتحول السرد إلى وثيقة وجدانية تربط الأدب بالواقع المعيشي، وتمنح الصوت لمن غالبا ما يُحرمون من الحق في الكلام.

هذا ما يؤكده الكاتب والروائي أحمد عيسى للجزيرة نت قائلا: "يروي الكاتب حكايات الموت والحياة في غزة ضمن إطار سردي إنساني متنوّع الأساليب، يتنقّل فيه بين الراوي العليم والمتكلم والمخاطب، كاسرا الجدار الرابع، ومحوّلا الوقائع اليومية والسياسية إلى شهادات حية على الكارثة، لا تُقدَّم بشكل سردي مباشر، بل كذاكرة أدبية نابضة، عبر استعادة النهايات الفردية والوجع الإنساني بتقنية أقرب إلى الفلاش باك والتقطيع السينمائي".

ويوضح أن السرد الأدبي في قصصه تحوّل إلى وثيقة حية تحفظ أثر التجربة وتمنح الصوت لمن غُيّبوا قسرا، ليؤدي النص وظيفة مزدوجة: كتابة أدبية، وحفظ لجزء من الذاكرة في مواجهة النسيان.

تمثل هذه المجموعة القصصية سردية ناضجة، تجمع بين العمق الإنساني، والتحليل النفسي والاجتماعي، والوعي بالهوية، والاشتغال الفني، والبعد التوثيقي. كما تؤكد أن الأدب، في لحظات القهر، ليس ترفا ثقافيا، بل ضرورة إنسانية، ووسيلة لحفظ الذاكرة ومقاومة النسيان. وبذلك، تفرض هذه المجموعة حضورها بوصفها شهادة أدبية صادقة، وصوتا إنسانيا يستحق الإصغاء".

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فكر للجزیرة نت شهادة حیة فی مواجهة تجمع بین من قلب

إقرأ أيضاً:

متى سنرى هذا؟ «الأخيرة»

هل الفقر قدر محتوم لا يمكن الفكاك منه؟ هل تتناسب تجربة الصين مع مصر فى القضاء على الفقر؟ سؤالان طرحهما على الشاب الصينى المشتعل ذكاءً «تشى يون» والذى يعد رسالة دكتوراه حول دور مؤسسات المجتمع المدنى فى مكافحة الفقر والجريمة وتحقيق التوازن المجتمعى فى هولندا، فى الحقيقة استوقفنى السؤالان، ووجدت أن إجابة الأول تتلخص فى عبارات بسيطة، وهى أن الفقر أبداً ليس قدراً محتوماً إذا ما لجأ البشر للأسباب للخلاص منه، الله سبحانه وتعالى يأخذ بأسباب سعى الإنسان ليرزقه ويغنيه، فما من جهد صادق يضيع ضياع الحرث فى ماء مالح، المهم وجود إرادة وطنية حقيقية، وجود قيادات حكيمة لها رؤية بعيدة تعتمد على الاستخدام المنهجى للبيانات ودراسات الجدوى الدقيقة التى يعدها خبراء ومتخصصون وليس الاعتماد على أصحاب الثقة والنفوذ، وأتصور أن هناك أركان أساسية لإنجاح اقتصادى وطنى وهى «الإرادة، الضمير، الوعى، التكنوقراط، الحوكمة» وبهذه الأركان يمكن لأى دولة فى العالم أن تنتشل الملايين من مواطنيها من الفقر وتحقق الرخاء.
أما إجابة السؤال الثانى، فمؤكد أن الصين قدمت للعالم مثالاً واضحاً ومفصلاً يمكن لأى دولة نامية الأخذ به، فنحن كثيراً ما نردد كإعلاميين سرد تجارب الآخرين ونطالب المسئولين لدينا بمحاكتها دونما النظر إلى الفوارق الاقتصادية، الاجتماعية، ولكنى ببحث تجربة الصين مع «تشى يون» وجدتنى أتفق معه على أن أى دولة نامية فى العالم يمكنها الأخذ بنفس التجربة لتتجاوز حد الفقر وتحقيق الانتعاش الاقتصادى لسبب بسيط، هو أن الصين كان بها 800 مليون نسمة تحت خط الفقر المدقع قبل ثلاثة عقود، وكانت تعانى من أوضاع اقتصادية بشعة وقد نجحت فى انتشالهم تماماً من الفقر وتأمين عدم ردتهم لهذا الفقر وهو ما يجعلها نموذجاً فريداً يحتذى به ويتم السير على تفاصيل آلياته للوصول إلى نفس النتيجة بل أكثر، مقارنة بأن تعداد سكان مصر لا يزيد عن 110 ملايين نسمة، أى ما يعادل تقريباً ثمن من تم علاج فقرهم فى الصين إذا ما نحينا جانباً أعداد الأثرياء فى وطننا الغالى.
وكأننى و«تشى يون» نعد ورقة عمل معاً حول ما يمكن أن تستلهمه مصر من تجربة الصين لإنعاش الاقتصاد أولاً بما ينعكس إيجاباً على المواطنين من حيث انخفاض أسعار السلع والخدمات، فبدأنا بتصور أول خطوة يجب أن تنفذها مصر وهى إغلاق باب استيراد السلع الترفيهية الاستهلاكية والسلع التافهة وأقصد بها البسيطة التى يمكن الاستغناء عنها تماماً أو الاستعاضة بها بمنتج محلى، وهو ما سيحقق ترشيداً للإنفاق الحكومى بملايين الدولارات وسيقلل الضغط على العملة الصعبة التى تواجه مصر دائماً صعوبات فى توافرها.
وتتمثل معظم هذه السلع فى طعام الحيوانات الأليفة كطعام الكلاب والقطط الفاخر، أغذية رفاهية بشرية مثل الكافيار، الجمبرى المستورد، والشوكولاتة، أدوات التجميل النسائية والعطور المكسرات والوجبات الخفيفة والأجبان المختلفة ورق الفويل، المشروبات الكحولية، التبغ، ألعاب الأطفال، الملابس الداخلية للنساء، اكسسوارات النساء، وغيرها من الأشياء التى لو اعتاد المواطن المصرى على عدم وجودها لن تشكل له كارثة احتياج فى حياته اليومية.
كما يمكن زيادة الجمارك على هذه السلع الترفيهية، لأنها تخص شريحة الأثرياء المتمتعين بالقدرة على الدفع بسهولة، وزيادة الجمارك بالطبع سيفيد خزانة الدولة، فمن المؤسف أن نعرف أن السلع غير الأساسية التى تستوردها مصر تبلغ قيمتها 6.8 مليار دولار من واردات مصر، ويجب أن تسعى الدولة هنا إلى تصنيع هذه السلع محلياً، خاصة التى تتوافر المواد الخام لها فى مصر، فتصنيعها لا يحتاج لآليات ومصانع ضخمة، وبالتالى يتحقق دخل قومى جديد وتتوفر عملات أجنبية.
الخطوة الثانية إغلاق باب الاستثمار فى المشروعات الترفيهية، وقصر الأمر ولو فى خطة خمسية أو عشرية على المشروعات الإنتاجية الوطنية وهو ما يحقق توافر سلع محلية بديلة عن المستوردة وبأسعار أرخص تخفف الأعباء عن كاهل المواطنين، بجانب كونها إسهاماً قوياً فى مواجهة البطالة والتى تشكل شوكة مؤلمة فى خاصرة الوطن، وحال فتح باب الاستثمار الأجنبى فى هذا الإطار يجب أن تكون الدولة شريكة فى المشروع الاستثمارى بالأسهم، ولا تترك الحبل على الغارب لمستثمرين أجانب على علاتهم يستثمرون فى مشروعات ترفيهية استهلاكية وقرى سياحية.
ولا أغفل فى ذلك أن يتم منح الأراضى للمستثمرين بموجب حق انتفاع المشروع وليس بيع للأرض، وهو ما يحمى الأراضى المصرية من وضع يد أجانب عليها بصورة أبدية فيما تقف من ورائهم أياد نعرف أهدافها الحقيقية من الوطن، واعتقد أن المعنى مفهوم للجميع ولا يحتاج لتوضيح أكثر.
وفى هذا الإطار يحضرنى ما علمته عن سعى الصين لإقامة مصنع للمنسوجات فى مصر باستثمار يبلغ 20 مليون دولار، وهى سياسة اقتصادية ستنتهجها الصين مع مصر وعدد من الدول الأخرى لتقوم من خلال هذا المصنع فى مصر بالتصدير إلى دول العالم لتهرب من القيود الأمريكية الجمركية التى تفرضها على المنتجات الخارجة من الصين نفسها، وهو أمر يثير دهشتى ورفضى وتساؤلى هو هل مصر عاجزة برجال أعمالها واستثماراتها عن إقامة هذا المصنع؟، ولمإذا لا تكون مصر المستفيدة من تصدير منتجات مثل هذا المصنع بوصف بلدنا مركزاً إقليمياً مهماً للتصنيع والتصدير؟ لمإذا لا يستفيد منه مستثمرون مصريون وطنيون؟ فى الواقع سؤالى يحتاج لإجابة شافية ومقنعة!، وقس على هذا مشروعات أخرى ستقام فى مصر لإفادة الآخرين وترك الفتات فقط للبلد!
الخطوة الثالثة: سرعة العمل على تعظيم موارد الدخل من خلال السياحة والآثار، وأطالب هنا بضرورة عمل برتوكولات تعاون مع كل الدول التى تمثل جذباً سياحياً لتأجير الآلاف من قطع الآثار الفرعونية للمتاحف بهذه الدول بدلاً من تراكمها فى المخازن تحت ظروف تخزين تعرضها لعوامل التعرية والمياه الجوفية المسببة لتلفها، وفى هذا نضرب عصفورين بحجر، نحقق دخلاً قومياً، ونحقق أيضاً جذباً سياحياً لمصر من خلال التعريف بهذه الأثار فى العالم، وليس من ضير أن يتم إيفاد مندوبين من وزار السياحة والآثار للترويح لهذ القطع الأثرية بالمتاحف العالمية، وإقامة ليالى سياحية مصرية بهذا الدول ويمكن أيضاً إنشاء متاحف مصرية متنقلة تجوب العالم بقطع الآثار فى المواسم السياحية المتعارف عليها.
رابعاً: ضرورة تحديد مسئوليات القادة بوضوح فى مجال الاقتصاد والاستثمار، والاستعانة بالخبراء والمتخصصين والتزام الشفافية التامة، فالمسألة ليست مجرد ضخ أموال، بل حوكمة حقيقية فعالة، وأن تشرف الحكومة على المستوى العام للمحافظات توزيع الموارد الاقتصادية والمشروعات الصناعية الصغيرة، إعادة جادة ومكثفة لمنظومة الأسر المنتجة فى الريف، وأن يتولى المحافظون والمجالس المحلية على مستوى المحافظة التنفيذ الميدانى لاستثمار هذه الموارد والمشروعات، مع تحديد مسئوليات القادة بوضوح وإرسال الكوادر إلى القرى لتقديم الخبرة والدعم على أرض الواقع فيما يتعلق بالمشروعات الصغيرة التى يجب أن تسير على التوازى مع فى كل ما سبق لسد الفجوة تطوير الخدمات العامة الأساسية التى تتسع كل يوم بين مستويات المعيشة فى الريف عنها فى المدن وبين الفقراء والأثرياء.
خامساً: ضرورة إحياء قطاع الزراعة والرعى، وقيام الدولة بدعم الزراعات التى تحقق دخلاً قومياً مع تربية المواشى بما يسد تدريجياً الباب أمام استيراد احتياجاتنا من المنتجات الزراعية واللحوم والألبان وأيضاً الدواجن، فأراضينا الزراعية الخصبة والصالحة أيضاً كمراعى للمواشى ليست أقل جودة ولا أقل مساحة من هولندا على سبيل المثال، هولندا تمتلك أراضى ريفية لا تزيد على 22 ألف كيلو متر مربع تتوزع بين زراعات ومراعى وصوبات، ورغم ذلك تعد ثانى بلد فى العالم يصدر المنتجات الزراعية بما يصل إلى 160.36 مليار دولار، وتبلغ صادراتها من اللحوم نحو 5.36 مليار دولار سنوياً، بينما تتجاوز قيمة صادراتها من منتجات الألبان 5.01 مليار دولار.
فيما تبلغ مساحة الأراضى الزراعية فى مصر 10.4 مليون فدان، ومساحة المرعى 11 مليون فدان، فيما صادراتنا الزراعية لا تتجاوز 11.4 مليار دولار، وصادراتنا من الألبان لا تزيد عن 264.5 مليون دولار «وليس مليار»، بينما لا تمثل اللحوم الحمراء جزءاً يذكر من صادراتنا، وهذا يجعلنا نتساءل كثيراً، أين يوجد مكمن الخلل؟ باستثناء جزئية الاستهلاك المحلى بالطبع فى مصر.
قد يكمن الخلل فى عدم استخدم مصر للأساليب المتطورة والتكنولوجيا الحديثة فى الزراعة والرعى والتنمية فى هذا المجال، وهو ما يتطلب إعادة النظر فى هذه المنظومة ككل، فهولندا مثلاً لجأت للزراعة عالية التقنية، ونظرا لمناخها البارد دائماً وكثافة الامطار بها لجأت لاستخدام البيوت الزجاجية المتطورة «الصوبات» والتى تتحكم من خلالها بدقة فى الحرارة والرطوبة والإضاءة بما حقق لها إنتاجاً كثيفاً فى مساحات صغيرة جداً.
أما السر الثانى هو نجاحها فى إدارة موارد المياه بذكاء، فأجزاء كبيرة من هولندا تقع تحت مستوى سطح البحر
لذلك طورت نظاماً هندسياً متقدماً من السدود والقنوات والمضخات للتحكم فى المياه وهذا منحها خبرة عالمية فى استصلاح الأراضى وحمايتها، أما السر الثالث فهو فى البحث العلمى، حيث تعتمد على الاستفادة من الأبحاث الجامعية- ولا تركنها فى الأدراج كما هو الحال لدينا- فى مجالات الزراعة والرعى لتحسين البذور، تقليل استهلاك المياه، رفع الإنتاجية بأقل الموارد الممكنة، بجانب اعتمادها خطة متقدمة فى التصدير ونظام النقل السريع للخارج، وتطبيق نظام الزراعة المستدامة، تقليل استخدام المبيدات، تطبيق تقنية الزراعة الرأسية، وبهذا أصبحت قوة زراعية لتركيزها على التكنولوجيا والبحث العلمى والكفاءة وليس على المساحة الواسعة فقط.
سادساً: تطوير البنية التحتية مثل الطرق والكهرباء والمياه والرى والإنترنت لدمج المناطق النائية فى السوق الوطنية وتعزيز النمو المستدام بها.
كل ما سبق، سينعش الاقتصاد، سيفتح مجالات للعمل، سيخفض أسعار السلع، سيعالج مستويات الفقر لتصل الأسر إلى حد الكفاية، فى الواقع توجد عشرات الحلول التى يمكن تطبيقها فى وطننا الغالى، لكن المهم هو الإرادة الوطنية الحقيقية، الضمير، الوعى، تطبيق منهج التكنوقراط، وتفعيل الحوكمة وإدارة موارد الدولة بخبرة وعدالة.

[email protected]

مقالات مشابهة

  • الجهاز السري للنهضة .. القضاء التونسي يحكم على راشد الغنوشي بالسجن المؤبد
  • د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
  • وائل الغول يكتب : مكالمة الأوغاد
  • أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد
  • بلال قنديل يكتب: علاقات محظورة
  • السجن مدى الحياة لراشد الغنوشي في قضية الجهاز السري لحركة النهضة
  • متى سنرى هذا؟ «الأخيرة»
  • المونديال الأكبر في التاريخ.. مشاركة 1248 لاعباً من 449 فريقاً
  • فيفا: أسطورة مصر يقود الفراعنة نحو حلم المونديال وإنجاز التاريخ
  • جلسة لمجلس الوزراء في هذا التاريخ