يلاحظ المتابعون للأوضاع في السودان، والحرب بالوكالة التي تُشنّ ضد الشعب السوداني، عنصرين بالغَي الأهمية طغيا على المشهد الإعلامي وتغطية وسائل الإعلام لتورط الإمارات في حرب السودان:

أولًا: لم يعد أحد يشك أو حتى يتساءل حول تورط الإمارات بشكل كامل في الحرب في السودان، وأنها تقدم دعمًا عسكريًا ملموسًا، بما في ذلك الأسلحة والطائرات و المسيرات فضلاً عن المرتزفة ، لمليشيا الدعم السريع.

ففي السابق، كانت المقالات تتحدث عن “اتهامات” و”إنكار الإمارات لأي تورط ورفضها لتلك الاتهامات”.

أما الآن، فأمامي عشرات المقالات من مصادر إقليمية ودولية، فضلًا عن مقالات من مناطق أخرى، لم تعد تُكلّف نفسها عناء إضافة النفي الكاذب، من باب التوازن. لم يعد أحد يسعى لحفظ ماء وجه المسؤولين في الإمارات و أصبح الأمر كما نقول “الواضح ما فاضح”. مع ذلك، وللأسف، يجتهد بعض السياسيين السودانيين المعارضين في تحمل عبء محاولة تبرئة الإمارات من أي تورط. وهكذا تُركوا لوحدهم “يشيلو وش القباحة” .وهو أمرٌ لا يُفهم. لكن حتى على هذا المستوى، في الأسبوع الماضي، تبرأ اثنان من قادة أسرة المهدي، أحمد المهدي وعبد الرحمن الصادق المهدي، من هذا الموقف، وقدّما لرئيس مجلس السيادة الانتقالي، البرهان، وثيقةً تُعرب عن دعمهما الكامل والثابت للجيش و نفض أيديهما حالاً ومقالاً .

ثانياً: خفّفت الحكومة من حدة خطابها بشأن الموقف العدائي لدولة الإمارات العربية المتحدة. والآن، كما يتضح من بعض المقالات التي سنلخصها فيما يلي، تُعلن جهات فاعلة إقليمية ومجاورة ودولية هذا الموقف بوضوح أي تكفي الحكومة السودانية عبء سوق الحجج والصد، فهم لا يدافعون عن السودان فحسب وإنما عن أنفسهم، وقد نبـَّه السودان منذ انطلاقة الحرب بأن حرب الوكالة هذه لن تقف عند حدوده، وقد نشر هذا الموقع (المحقق) مجموعة كبيرة من المقالات تحذر مما أيقن منه الجيران والأبعدون الآن،
ولما رأى الجيران و الأبعدون أن الكلام والنصح وحدهما قد لا يؤديان الغرض لجأوا إلى التي هي أخشن، فقد رأينا المملكة العربية السعودية تقصف في اليمن ما تراه سعياً من الإمارات لتكرار ما يجري في السودان. و ربما يدفع المصريون إلى شيء قريب من ذلك في الجنوب الغربي من بلدهم و التهديد يطال أراضيها و يقترب من مناطق سدودها و مياهها.

فعلى سبيل المثال، ذكر كاميرون هدسون في تعليق على مقال نشرته “ميدل إيست آي” يوم السبت الماضي أن المنطقة وبسبب مما يجري في السودان بفعل المليشيا و مؤازريها “تنحدر نحو أزمة خطيرة بين السعودية والإمارات ومصر وليبيا، و يتعرض حفتر الآن لضغوط من الإمارات لمواصلة تسهيل شحنات الأسلحة إلى السودان عبر شرق ليبيا. ولا يزال حفتر متردداً في موقفه رغم استمرار تدفق الأسلحة إلى السودان.
و لكنه تلقي تحذيرا مباشرا حيت استدعي إبنه صدام إلى مصر”.

وقالت ميدل إيست آي إن مصر والسعودية “صعدتا الضغط على خليفة حفتر بشأن دوره في تسهيل الدعم العسكري الإماراتي لقوات الدعم السريع السودانية، محذرتين من أن استمرار هذا الدعم قد يُحدث تحولاً خطيراً في علاقة القاهرة به.”

و أشارت إلى أن هذا الضغط يأتي ضمن مسعى مصري سعودي أوسع نطاقاً لقطع تدفق الأسلحة والوقود والمقاتلين إلى قوات الدعم السريع، والحد من النفوذ الإماراتي في المنطقة، ومنع المزيد من زعزعة الاستقرار على طول المثلث الحدودي الحساس بين مصر وليبيا والسودان.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، زار صدام حفتر، نجل خليفة ونائب القائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية، القاهرة والتقى وزير الدفاع المصري وعدداً من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين. وصفت وسائل الإعلام المصرية والليبية الاجتماع بأنه يركز على التعاون العسكري، لكن لم يُكشف عن الهدف الكامل للزيارة.

و قالت ميدل إيست آي تحديداً: “استُدعي صدام حفتر إلى مصر رسميًا، ولم يُدعَ لزيارة مجاملة، بعد تأكيد تزويد الإمارات العربية المتحدة لقوات الدعم السريع بالأسلحة والمعدات العسكرية وأنظمة الدفاع الجوي المحمولة والطائرات المسيّرة، وذلك بمساعدة الجيش الوطني الليبي”، هذا ما صرّح به مصدر عسكري مصري رفيع المستوى لموقع “ميدل إيست آي”.

في المنطقة القريبة من السودان قالت “أديس استاندارد” و هي تسعى لإقناع القراء أنها لا تستسقي من ذات الإناء مع حكومة بلادها و في مقال نشر يوم 22 يناير الجاري بعنوان: “من حلفاء إلى خصوم: كيف يُعيد التنافس السعودي الإماراتي تشكيل القرن الأفريقي، ويفتح المجال أمام توطيد تيغراي”:
“في مطلع عام 2026، وجّهت المملكة العربية السعودية اتهامًا علنيًا صريحًا وغير مسبوق ضد الإمارات العربية المتحدة، الدولة الخليجية الشقيقة والشريكة السابقة في التحالف خلال الصراع اليمني، مدعيةً أن أبوظبي قوّضت أمنها القومي. وتُعدّ اللغة التي استخدمتها الرياض من بين أكثر العبارات صراحةً التي استخدمتها على الإطلاق تجاه الإمارات، مما يُشير إلى تزايد القلق داخل القيادة السعودية إزاء سياسة أبوظبي الخارجية التي تتسم باستقلالية متزايدة”.
وتضيف: “يُشير ردّ الفعل السعودي الفعّال ضد الإمارات في اليمن وخارجه إلى بداية تنافس علني بين القوتين الخليجيتين في المستقبل المنظور. وفي الوقت نفسه، قد يُنهي هذا الانخراط الحازم للمملكة حقبة هيمنة الإمارات الواثقة على النتائج السياسية في القرن الأفريقي. وبطبيعة الحال، مع ترسيخ حليفتها المقربة إسرائيل وجودها في أرض الصومال، وعلاقاتها الوطيدة مع الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، وتدخلها في السودان، ستظل الإمارات العربية المتحدة لاعباً جيوسياسياً مؤثراً في المنطقة. لكن ما يتغير الآن هو أنها لن تصبح قادرة على تحديد مصير الأوضاع و الفاعلين السياسيين في القرن الأفريقي بشكل منفرد”.

لكن يبدو أن التحالف الذي شُكّل لمواجهة الإمارات قد ترسخ، ويُظهر أعضاؤه الآن تعاونهم الأمني وفعاليتهم. ووفقاً لموقع “ميدل إيست آي”، فقد تبادلت مصر معلومات استخباراتية بالغة الأهمية مع الرياض، ولعبت دوراً فاعلاً في العمليات السعودية ضد المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات في اليمن.

إن تعزيز العلاقات السعودية مع تركيا، والتحالف الدفاعي مع باكستان، والاندماج المرتقب لمصر في كتلة أمنية منسقة، كلها عوامل تُعزز مكانة الرياض وحلفاءها كقوة إقليمية متماسكة ذات نفوذ يتجاوز حدود المنطقة.
ومن المرجح أن يؤدي تعزيز موقف الرياض، على الأقل في المدى المنظور، إلى ردع الجهات الفاعلة المدعومة من الإمارات في القرن الأفريقي عن اتباع استراتيجيات مغامرة تستند إلى النفوذ الإماراتي دون مراعاة العواقب المترتبة عليها.

المحقق – محمد عثمان آدم

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2026/01/28 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة السودان و تركيا ٠٠مهددات مشتركة وآفاق نحو تنسيق اعمق2026/01/28 خبير بجامعة القاهرة: إثيوبيا ترغب في بيع مياه النيل لمصر وتخطط لبناء 3 سدود2026/01/25 هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر2026/01/23 تقرير أولي يظهر سبب تحطم طائرة رئيس الأركان الليبي محمد الحداد2026/01/23 وسط حرب لا تنتهي.. 3 عقبات تواجه عودة كرة القدم إلى الخرطوم2026/01/22 ما هي تحفظات القاهرة على مبادرة ترامب لحل أزمة سد النهضة؟2026/01/20شاهد أيضاً إغلاق تحقيقات وتقارير “قصة أبو تريكة وحساب مبارك البنكي”.. أحمد موسى يثير الجدل في مصر بكتاب جديد 2026/01/20

الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: الإمارات العربیة المتحدة القرن الأفریقی الدعم السریع میدل إیست آی من الإمارات الإمارات فی فی السودان

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • وزير الخارجية الأمريكي يكشف عن أمر محبط وتحول السودان إلى صراع بالوكالة بين الإمارات والسعودية وتحديد 4 مناطق وخطة السلام
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ﺗﺼﺎﻋﺪ اﻟﺤﺮب اﻷﻫﻠﻴﺔ ﻓﻰ اﻟﺴﻮدان.. و»اﻟﺒﺮﻫﺎن« ﻳﻄﺎرد اﻟﻤﺮﺗﺰﻗﺔ
  • خصم 25% .. الحق اتصالح على مخالفات البناء بالتقسيط
  • البرهان يصل تركيا في زيارة غير معلنة وأردوغان يتحدث اللغة العربية في إستقباله بالمجمع الرئاسي “فيديو”
  • أحمد سليمان يتحدث عن أزمات وقف قيد الزمالك: « في حد بيحرك المسائل من تحت»
  • تورم العين والكبد.. طبيب يكشف طبيعة العلاقة بين الاثنين
  • عصائب أهل الحق تباشر فك ارتباطها بالحشد الشعبي وتُشكل لجنة لحصر السلاح
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سكاي تنهي شراكتها في سكاي نيوز عربية بالإمارات وتحتفظ باتفاق ترخيص الاسم