السياحة والصناعات الإبداعية.. ثنائية الاستدامة والنجاح
تاريخ النشر: 28th, January 2026 GMT
تظهر المؤشرات الاقتصادية في سلطنة عمان خلال السنوات الأخيرة تحوّلا في هيكل الناتج المحلي الإجمالي، يعكسه ارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية وزيادة جاذبيتها للاستثمارات وكفاءتها في توسيع القاعدة الإنتاجية.
ويبرز في سباق التحول والتنويع قطاع السياحة بوصفه أحد القطاعات التي شهدت نموا وتطورا لافتا، إذ ارتفعت مساهمته في الناتج المحلي من 1.
ويعول على قطاع السياحة في سلطنة عمان الكثير للارتقاء بالاقتصاد الوطني، فقد وضعته الخطة الخمسية الحادية عشرة ضمن القطاعات الأساسية الداعمة للتنويع لما يملكه من إمكانات وقابلية للتوسع وتحفيز القطاعات الأخرى، وقدرته على توليد فرص عمل مستدامة للشباب العماني.
إن وصول عدد السياح عام 2025 إلى قرابة أربعة ملايين زائر، ترجمة واضحة لجهود الترويج المدعومة بعوامل الجذب في القطاع، وتركيزها على إبراز المنتجات والأنماط التي تختص بها عُمان؛ فينتقل الزائر بين إرث وحداثة بتوازن رشيق، ويدعم ذلك المشروعات النوعية، حيث بلغت جملة استثمارات القطاع خلال الخطة الخمسية العاشرة 2.6 مليار ريال، إلى جانب استثمارات يجري تنفيذها في أكثر من 12 مجمعًا سياحيًا متكاملًا.
وكلها مؤشرات مبشرة بمستقبل واعد لقطاع السياحة في سلطنة عمان وأنه ماضٍ في درب التطور ورفع مساهمته في الاقتصاد، مع تكريس الجهود التي يشترك فيها إلى جانب الحكومة المجتمع والفرد.. فالسياحة وإن ارتبطت بالمكان وما يختزنه من مقومات طبيعية وتاريخية، إلا أنها تعتمد في جوهرها على الإنسان وقدرته على تحويل هذه المقومات إلى قيمة مضافة بإبداعاته وابتكاراته؛ من خلال توظيف التراث والثقافة ليكونا رافدا للنمو والازدهار، حيث تزخر عُمان بالكثير من المعالم التاريخية والفنون والصناعات الحرفية التقليدية، التي تمتلك القدرة على خلق تجربة سياحية مثرية.
ولقد أثبتت النماذج التي ظهرت في بعض الولايات قدرة الشباب العماني على الإبداع والابتكار، فأعادوا الحياة إلى أروقة الحارات القديمة وحولوا بيوت الطين إلى نزل تراثية، ونجحوا في الحفاظ على الصناعات الحرفية، وأضافوا لمساتهم على بعضها بما يتواءم مع روح العصر؛ لتكتسي بطابع الاستدامة والتجدد..
إن الابتكار وكسر القوالب المعتادة ونقل التجارب والبناء عليها من أهم أسس الجذب في القطاعات الترفيهية؛ فخريطة السياحة العالمية تضج بالمنافسة وكلها تصطدم بتحدي القدرة على الاستقطاب والثبات في سوق واسع ؛ إنها صناعة حقيقية يجب أن تحاط بالدراسات والتجديد كونه قطاعًا حساسًا يتكئ بكل ثقله على التصورات التي تتشكل سريعا في فضاء تهيمن على توجهاته خوارزميات وسائل التواصل، إذ تمثل الانطباعات والآراء محركًا محوريًا للسياحة، وهذا ما لم يغفله القائمون على القطاع فوضعوا الهوية والسمت العماني على رأس عوامل الجذب، منطلقين منها إلى فضاءات الجغرافيا والطبيعة المتفردة.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..