وسلطت حلقة (2026/1/28) من برنامج "موازين" الضوء على تحولات المثقفين في العالم العربي، وعلاقتهم بالسلطة الحاكمة، إضافة إلى دورهم في المجتمع، خاصة وقت الأزمات.

ويتقن قطاع عريض من النخب والمثقفين في العالم العربي مهارة التحول والتقلب، فتراهم في مهد التغيير ألد خصوم هذا الحراك، فإذا نضجت ثمار الثورة وحان قطافها، تحولوا إلى ثوريين يرفعون شعاراتها.

وبسبب هذا الصنف من المثقفين، يعتقد هويدي أن هناك حاجة في ظل الظروف الحالية في العالم العربي إلى وضوح وتوازن في رؤية المثقفين، وحاجة إلى أشخاص يفهمون ما يجري من مختلف الزوايا.

ويشدد هويدي على أهمية توفر الحرية في العالم العربي، لكي يفهم الناس الحقيقة كما هي دون تزييف وبأمانة أخلاقية ومعرفية، ويؤكد أيضا دور المثقف والمناخ العام والبيئة الثقافية، ويقول إن "هناك بيئات مجتمعية تستخلص من الناس أفضل ما فيهم، وفي بيئات تستخلص من الناس أسوأ ما فيهم"، ولذلك يجب الانتباه إلى البيئات التي ينمو فيها المثقف.

وحين تضعف المجتمعات تتحلل رؤاها الفكرية والثقافية والحضارية، ولكن في أجواء الحرية الديمقراطية تتاح الفرصة للجميع كي يصححوا أفكارهم أو يغيروها، كما يقول هويدي، الذي يرى أن إحدى المشكلات الكبرى في التجربة المصرية بعد ثورة يوليو/تموز هي أن "السلطة قويت وضعُف المجتمع"، أي أن المجتمع كان يعبر عن نفسه بوسائل كثيرة منها الأحزاب والأوقاف، وما يسمى بالمجتمع المدني.

ويشير إلى أن الأوقاف مثلا أُلغيت عندما قويت السلطة، رغم أن المصريين كانوا يقاومون الاحتلال البريطاني عن طريق الأوقاف.

والمثقف، في نظر الكاتب والمفكر المصري، هو الذي يكون مستقلا في رأيه وينتمي إلى مجتمعه وضميره وقيمه الأساسية، ولا ينتمي إلى تيار سياسي أو إلى أيديولوجيات معينة، وهو الذي تكون علاقته برأس الدولة علاقة حوار، لا علاقة تبعية، فمثلا الإعلامي والكاتب محمد حسنين هيكل "لم يكن بوقا، بل كان محبا للرئيس الراحل جمال عبد الناصر ومقتنعا به"، والدليل أنه لم يقتنع بمن جاء بعده -في إشارة أنور السادات– وكان مصيره الاعتقال.

ويشير هويدي أيضا إلى أن هيكل لم يكن منافقا، ولكنه أخطأ في أشياء ولم تتح له فرصة تصحيحها.

ويربط هويدي التحولات في مواقف بعض المثقفين والمفكرين بمناخ الحرية، الذي يتيح -حسبه- للمثقف أو غيره أن يراجع نفسه وأفكاره، فإما ينتقل إلى موقف آخر أو يظل على موقفه.

العرب في نوم طويل

وينتقد الكاتب والمفكر المصري -في حديثه لبرنامج "موازين"- الأنظمة العربية التي لا تسمح بسماع أصوات شعوبها، ويقول "نحن في العالم العربي لا نسمع أصوات المجتمعات، نحن نسمع أصوات الحكام وأهل القرار"، ويؤكد أهمية أن يختار الناس من يمارسون من خلالهم حقهم في التعبير والموافقة والرفض.

ويحذر من أن "تجفيف منابع الحيوية والتفكير في المجتمع ضار وتأثيراته ستكون على الأجيال الذين ولدوا ولم يروا مذاقا ولا ضوءا للحريات".

ويتطرق أيضا إلى التهميش الذي يعانيه العالم العربي، ويذكر في السياق ذاته أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لم يذكر العرب ولا الفلسطينيين، وانشغل فقط بالمعتقلين أو الأسرى الإسرائيليين، وبترويج الأكاذيب على الفلسطينيين بأنهم قطّعوا أطفالا إسرائيليين، ورغم أن أكثر من 100 ألف تم اعتقالهم أو دُفنوا، لم يرد ذكرهم على لسان رئيس أقوى دولة في العالم.

وفي حين تتظاهر الشعوب في أوروبا أو في نيوزيلندا وفي غيرهما من دول العالم ضد إسرائيل، لا تعلو مثل هذه الأصوات في العالم العربي، ويقول هويدي إن القبضة الحديدية للأنظمة صادرت الأنشطة.

ويبدي الكاتب والمفكر المصري حسرته على العالم العربي الذي يعيش حالة نوم طويلة ولا يستيقظ، في الوقت الذي تستيقظ فيه أوروبا ويتغير العالم كله، متسائلا "لماذا اليقظة متأخرة في بلادنا؟ النوم طويل والليل طويل".

Published On 29/1/202629/1/2026|آخر تحديث: 22:29 (توقيت مكة)آخر تحديث: 22:29 (توقيت مكة)انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare2

شارِكْ

facebooktwitterwhatsappcopylink

حفظ

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فی العالم العربی

إقرأ أيضاً:

لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.

هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.

ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قوية

شهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.

برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.

وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.

فن يعكس التحول نحو الواقعية

يمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.

فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.

ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.

لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكي

إحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.

كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.

الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطة

ما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.

كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.

شاهد حجري على تاريخ متغير

اليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.

إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.

وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.

الملك المفقود 

مقالات مشابهة

  • هند الضاوي: ترامب ينتقد الإدارات السابقة لكنه يسير على نهجها في الشرق الأوسط
  • وحدة الخليج العربي ونداءات الفرقة
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • سامي الشيشيني: أحمد فتوح من أفضل اللاعبين لكنه “مزاجنجي”
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • هيكل استقبل مفتي صور الشيخ مدرار حبال وبحث في الأوضاع العامة
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • بنك عُمان العربي يُدرج بنجاح سندات بـ400 مليون دولار في بورصة لندن
  • ممر تجاري جديد بين تركيا والخليج العربي
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟