لجريدة عمان:
2026-06-03@05:10:14 GMT

بين سلطان القانون وإحياء الضمير

تاريخ النشر: 30th, January 2026 GMT

بين سلطان القانون وإحياء الضمير

في توجيه سامٍ يعكس عمق الرؤية وصدق العناية بالإنسان قبل المكان، وجّه جلالة السلطان هيثم بن طارق - حفظه الله - مجلس الوزراء بدراسة وتشخيص المتغيرات السلوكية في المجتمع، والعمل على وضع سياسات وآليات واضحة ومحوكمة، تعزز القيم المجتمعية والسلوكيات الإيجابية، وتحد من التأثيرات السلبية لمنصات التواصل الاجتماعي، في إطار اهتمام أصيل بالشأن الاجتماعي والثقافي، وتعزيز قوة المجتمع العماني وحماية جميع شرائحه.

إن هذا التوجيه لا يقرأ بوصفه إجراء إداريا عابرا، بل هو تشخيص صريح لمرحلة اجتماعية دقيقة، أفرزتها التحولات التقنية المتسارعة، حيث كشفت الساحة الاجتماعية عن ظواهر سلبية لدى بعض فئات الشباب، تمثلت في ضعف العلاقات المجتمعية، وتراجع تأثير القدوات الحسنة، وغياب التواصل البنّاء بين الأجيال، حتى غدا بعض الأبناء أكثر اتصالا بالعالم الافتراضي من اتصالهم بقيم مجتمعهم وهويتهم.

وليس جديدا أن تعالج المجتمعات اختلال السلوك عبر الأنظمة والضبط القانوني، فذلك ضرورة لا غنى عنها، ويصدق عليه قول أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»،أي أن للسلطة دورا حاسما في ردع الانحراف حين تضعف الوازعات الذاتية.

غير أن السلطان - مهما بلغ عدله وقوته - لا يصنع وحده إنسانا فاضلا، وإنما يحمي المجتمع من الفوضى، أما بناء الضمير، وترسيخ القيم، وصناعة السلوك الراسخ، فذلك عمل طويل النفس، يبدأ من التربية، ويتشكل في التعليم، ويترسخ في الممارسة اليومية.

ومن هنا، فإن معالجة الظواهر السلوكية لا ينبغي أن تقف عند حدود التشريع والرقابة، بل لا بد أن تمتد إلى مشروع وطني لإعادة الاعتبار للتربية الأخلاقية، بوصفها استثمارا استراتيجيا في استقرار المجتمع وأمنه الثقافي. ويأتي في مقدمة ذلك إدراج مادة مستقلة ومتكاملة للقيم والأخلاق في المناهج الدراسية، تدرّس بصورة منهجية في جميع المراحل، من الحضانة ورياض الأطفال، مرورا بالتعليم الأساسي، وصولا إلى المرحلة الجامعية.

إن غرس القيم في الطفولة المبكرة ليس ترفا تربويا، بل هو تأسيس للإنسان قبل أن يكون تأهيلا للطالب، فالقيم حين تغرس في الصغر، وتمارَس في البيئة المدرسية، تتحول إلى سلوك تلقائي، لا يحتاج إلى رقيب خارجي ولا إلى سلطة زاجرة.

ولعل من التجارب الملهمة في هذا السياق تجربة اليابان، حيث تدرّس القيم والأخلاق كمادة أساسية قائمة على الممارسة اليومية لا على التنظير المجرد؛ فيتعلم الطالب احترام الوقت، والنظام، والعمل الجماعي، والنظافة، وتحمل المسؤولية، وخدمة المجتمع، حتى أصبحت هذه القيم جزءا من السلوك العام، لا شعارات ترفع عند الحاجة.

ومع أهمية الاستفادة من التجارب العالمية، فإن من الواجب التأكيد على أن المجتمع العماني ليس فقيرا في قيمه ولا محتاجا لاستيراد منظومة أخلاقية جديدة، بل يملك تراثا أخلاقيا رحبا، تشكل عبر قرون من الدين، والعرف، والتكافل الاجتماعي، واحترام الكبير، وصون الجار، وحفظ العهد، وإغاثة الملهوف.

إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في غياب القيم، بل في خمولها عن الفعل اليومي، وفي انتقالها من كونها ممارسة حية إلى مجرد موروث يحتفى به في الخطب والذاكرة، لا في السلوك والواقع. نحن لا نحتاج إلى اختراع قيم جديدة، بقدر ما نحتاج إلى إحياء ما لدينا، والنفث في روحه، وتجسيده واقعا معاصرا، بلغة يفهمها الجيل الجديد، وأدوات تلامس حياته، ومناهج تربط القيمة بسلوكه اليومي لا بشعارات مجردة فالقيم حين لا تمارَس تذبل وحين لا تجسَّد تضعف،

وحين لا تنقل للأبناء في صورتها العملية، تذوب أمام ضجيج المنصات وتسارع العالم الرقمي.

ومن هنا، فإن إدراج القيم والأخلاق في المناهج لا ينبغي أن يكون قطيعة مع التراث، بل جسر واعٍ بين أصالة الموروث ومتطلبات العصر، بحيث يتخرج الطالب وهو يدرك أن ما يطالَب به اليوم من احترام، وانضباط، ومسؤولية، هو ذات ما عاش عليه أجداده، لكن بلغة زمنه وأدوات عصره.

إن توجيه جلالة السلطان - حفظه الله - هو دعوة صادقة لإعادة صياغة المشروع القيمي للمجتمع، تشترك فيه الدولة، والمؤسسات التعليمية، والأسرة، والإعلام، والمسجد، ليبقى المجتمع العماني قويا بقيمه، متماسكا بأخلاقه، قادرا على مواكبة العصر دون أن يفقد روحه.

فبالسلطان يحمى النظام

وبالتربية تبنى الأوطان

وبالقيم يحيا الإنسان.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

إسبانيا تضع صور البابا لاوون الرابع عشر على عربات المترو

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

شهدت إحدى شبكات المترو في إسبانيا وضع صور البابا لاوون الرابع عشر على عدد من عربات المترو، في خطوة لفتت أنظار الركاب وأثارت تفاعلًا واسعًا بين مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تداول كثيرون صور العربات التي حملت صورة الحبر الأعظم أثناء سيرها في المحطات المختلفة.

وجاءت هذه المبادرة في إطار إبراز الحضور الروحي والرمزي للبابا بين المؤمنين، وتعريف شرائح أوسع من المجتمع بشخصه ورسالة الكنيسة الكاثوليكية الداعية إلى السلام والحوار والتضامن الإنساني.

تفاعل واسع بين المواطنين

وأظهرت الصور المتداولة عددًا من الركاب وهم يلتقطون صورًا تذكارية لعربات المترو التي حملت صورة البابا لاوون الرابع عشر، فيما أعرب كثيرون عن إعجابهم بالفكرة التي نقلت صورة قائد الكنيسة الكاثوليكية إلى أحد أكثر المرافق العامة استخدامًا في الحياة اليومية.

ورأى متابعون أن هذه الخطوة تعكس المكانة التي يحظى بها البابا في الأوساط الكاثوليكية الإسبانية، كما تعبر عن ارتباط المجتمع الإسباني بجذوره الدينية والتاريخية.

رسالة تتجاوز حدود النقل العام

ولم يقتصر الأمر على كونه إعلانًا بصريًا داخل وسيلة نقل عامة، بل حمل في طياته رسالة رمزية تؤكد أهمية القيم الإنسانية التي يدعو إليها البابا، وعلى رأسها تعزيز ثقافة الحوار والتعايش وخدمة الفقراء والمحتاجين.

كما اعتبر البعض أن ظهور صورة البابا في أماكن عامة مكتظة بالمواطنين يساهم في تقريب رسالته من الناس، خاصة فئة الشباب الذين يعتمدون بشكل يومي على وسائل النقل العام في تنقلاتهم.

لفتة تحظى باهتمام إعلامي

وحظيت المبادرة باهتمام إعلامي واسع، حيث تداولتها منصات إخبارية وصفحات كنسية عديدة، معتبرة أنها تعكس استمرار الحضور المؤثر للكنيسة الكاثوليكية في المجتمع الإسباني، وتؤكد المكانة التي يتمتع بها البابا لاوون الرابع عشر على الساحة الدينية العالمية، في وقت يواصل فيه دعوته إلى نشر قيم المحبة والسلام والتضامن بين الشعوب.

مقالات مشابهة

  • «تنفيذى الشارقة» يعتمد استراتيجية الأمن السيبراني للإمارة
  • محافظ أسوان يوجه بمراجعة عقود المحلات وتحديث القيم الإيجارية وفقاً للأسعار الحالية
  • إسبانيا تضع صور البابا لاوون الرابع عشر على عربات المترو
  • فيديو عيد ميلاد سهام جلال يتصدر مواقع التواصل الاجتماعي
  • ماليزيا تحظر على الأطفال دون سن 16 عاماً امتلاك حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي
  • بوتين: في بعض البلدان يحاولون محو القيم الأسرية التقليدية
  • ذكرى فتح إسطنبول.. أردوغان يصلي الجمعة في آيا صوفيا
  • خطوات التقديم والأماكن المتاحة لحجز شقق الإسكان الاجتماعي 2026
  • ولي عهد الشارقة يوجه بتسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد في العمل الحكومي
  • خلال أيام.. الإسكان الاجتماعي يحذر من إلغاء تخصيص الوحدات في هذه الحالة