ما أكثر الناس الذين أحبوا سوى أنهم ينكرون تسمية ما عاشوه أو يعيشونه «حبًا». لا يريدون تصديق أن ما يُدعى بالحب حدث يحدث بهذه البساطة، وأنه ممكن بسهولة تقبل تكرار التجربة بصور مختلفة مع أشخاص آخرين، والأهم من ذلك أنه قصير وسريع الزوال في حالات كثيرة، وليس أبديًا بالمرة كما تصوره كلاسيكيات الشعراء العذريين.
يستمد الحب نشاطه من كونه «تجربة» مفتوحة الاحتمالات، ويتشكل من مواهبنا وقدرتنا على التجريب فيه بلا ضمانات ولا تعويضات. وعليه أن يشرد دائمًا من الواقع إلى الحلم كي يحافظ على نفسه، عليه أن يبقي حذره متيقظًا من تمدد الواقع في مساحات حلمه. كل حب حُلم، كل حب تمرين على الحلم. كل حب يُعاش يمكن أن يكون تمرينًا على «الحب الحقيقي/ النهائي» الذي ينتظرنا في المستقبل، مسوَّدة أولى فثانية... قبل بلوغ النص النهائي. لا يسعني أن أتخيل أحدًا معافى تمامًا من هذا الانتظار الهاجس لحبٍ قادم، لحب منتظر في الغد. حتى وهو في سرير حبه الحاضر، فإن ذلك الهاجس الدخيل، المتمثل في الشعور العميق بالانتظار، يعرف كيف يتسرب من فرجة الباب إلى أكثر غرف العشاق أمانًا.
ولأن الماضي يتطور باستمرار، تتغير هوية الحب السابق بمرور الوقت. وقد تنقضي العلاقة دون أن يعرف (يعترف) الرجل والمرأة بهوية ذاك المس الغامض بينهما، إذ من الصعب أن نحدد هوية ما نحن في طور اكتشافه، رغم أن سؤال هوية العلاقة أو تعريفها هو أحد أهم مصادر القلق في الحب، وأكثر الأسئلة التي تدفع العلاقات العاطفية إما للزواج أو الانفصال.
ماذا عن الذكريات وقد انتهت التجربة؟ كيف يمكن اقتسام ملكيتها بين شخصين لم يعد من الممكن أن يبقيا معًا، وسيغادر كل منهما الآخر بتركة من الذكريات التي أصبحت هي كل شيء، أصبحت هي الحب الذي كان في الواقع، بما فيها الماديُّ من الذكريات، كالهدايا والصور؟ كيف يمكن التصرف بالصور في ذاكرة الهاتف؟ ولمن تعود ملكية صورة تجمع عاشقين؟ سأستشهد هنا بزيجمونت باومن الذي يرى بأن «الحب في أشكاله كافة يسعى لنزع الملكية».
بعد الانفصال تصبح قصة الحب ملكًا لشخصين لن يتفقا غالبًا على نفس السردية عن بداية العلاقة ونهايتها، وعن حقيقة ما كانت عليه وطبيعة المشاعر التي اكتنفتها. وسيعيد كل منهما كتابة القصة بما يتوافق مع «مصالحه» النفسية. أيهما أحبَّ الآخر أكثر؟ هذا أحد أسئلة المراجعات الشهيرة. أغنية محمد عبده «اختلفنا من يحب الثاني أكثر» تجيب بسخاء رومانسي مفرط: «اتفقنا إنك أكثر وأنا أكثر». لكن الواقع لا يحتمل هذه المبالغة بعد نهاية العلاقة. غير أننا يمكن أن نقترح سؤالًا بديلًا: أيهما استمتع أكثر؟
سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
لا يمكن رؤيته بالعين المجردة.. ماذا تعرف عن أكبر شلال على الأرض؟
رغم أن الشلالات الشهيرة حول العالم مثل نياجارا أو آنجل تجذب ملايين الزوار سنويا، فإن أكبر شلال على كوكب الأرض لا يمكن رؤيته بالعين المجردة ولا سماع هديره، لأنه يقع في أعماق المحيط المتجمد الشمالي، بعيدا عن الأنظار وتحت مئات الأمتار من المياه.
ويُعرف هذا الشلال باسم “شلال مضيق الدنمارك”، ويقع بين أيسلندا وجرينلاند، حيث تتدفق عبره كميات هائلة من المياه تتجاوز 3.2 ملايين متر مكعب في الثانية، ما يجعله أكبر تدفق مائي معروف على سطح الأرض.
رغم ضخامته الاستثنائية، فإن شلال مضيق الدنمارك يظل مخفيا بالكامل تحت سطح البحر، ولا تظهر له أي علامات مرئية مثل الرذاذ أو الضجيج المرتبط بالشلالات التقليدية.
ويعود تشكل هذا الشلال البحري إلى اختلاف كثافة المياه، فالمياه الباردة والمالحة القادمة من شمال المحيط تكون أكثر كثافة من المياه الأدفأ الموجودة جنوبا، مما يدفعها إلى الغوص والانحدار على طول قاع البحر عبر حافة صخرية مغمورة، مشكلة ما يشبه شلالا عملاقا تحت الماء.
ويصل امتداد هذا الانحدار إلى نحو 11 ألفا و500 قدم، وهو ارتفاع يفوق بكثير أشهر الشلالات الموجودة على اليابسة.
وأكد علماء المحيطات وجود هذه الظاهرة خلال العقود الأخيرة باستخدام أجهزة متخصصة تقيس درجات الحرارة والملوحة وسرعة التيارات البحرية، إذ يصعب رصدها بشكل مباشر بسبب وقوعها في أعماق كبيرة.
كما كشفت القياسات وجود تدفق مستمر للمياه الكثيفة عبر قاع المحيط، وهو ما ساعد الباحثين على فهم طبيعة هذا الشلال الفريد.
ما أهمية شلال مضيق الدنمارك؟لا تقتصر أهمية شلال مضيق الدنمارك على كونه ظاهرة طبيعية مذهلة، بل يؤدي دورا محوريا في تنظيم المناخ العالمي، فالتدفق المستمر للمياه الباردة والكثيفة يسهم في تكوين تيارات المحيط الأطلسي العميقة، التي تساعد على نقل الحرارة والأكسجين والعناصر الغذائية بين مناطق مختلفة من العالم، ما يؤثر بشكل مباشر في درجات الحرارة والأنظمة البيئية البحرية.
ويحذر العلماء من أن التغيرات المناخية الحالية قد تؤثر في قوة هذا الشلال البحري، فذوبان الجليد وارتفاع كميات المياه العذبة في المناطق القطبية قد يقللان من ملوحة المياه وكثافتها، وهو ما قد يضعف حركة التدفق ويؤثر في نظام دوران المحيطات.
ويرى الباحثون أن أي تغير في هذا النظام قد ينعكس على المناخ العالمي، من خلال التأثير في درجات الحرارة ومسارات العواصف والإنتاجية البيولوجية للمحيطات.
ويبقى هذا الشلال العملاق، رغم اختفائه عن الأنظار، أحد أهم العوامل الطبيعية التي تسهم في الحفاظ على توازن مناخ الأرض وتنظيم حركة المحيطات حول العالم.