لجريدة عمان:
2026-06-02@23:19:58 GMT

حان وقت الوداع

تاريخ النشر: 1st, February 2026 GMT

كان جدّي، برنارد ليفي، حاضرًا بقوة في طفولتي. حين لم نكن نجوب نيويورك معًا، كان يجلس في مكتب شركته للمحاماة في مبنى وولوورث في جنوب مانهاتن، يكتب رسائل إلى محرر نيويورك تايمز، وحسبما تسعفني الذاكرة فقد نُشر له بعضها. كان قد توفي قبل أن أتعيّن كاتبَ عمود هنا، لكنه كان سيكون أول اتصال أجريه. الرحلة من بيت التينمنت الصغير الذي نشأ فيه في الحي الشرقي الأدنى إلى موقعي في هذه الصحيفة جزء من تجربة عائلتنا لما يُسمّى بالحلم الأمريكي.

كان شرفًا لا يضاهيه شرف أن أعمل هنا، محاطًا بهذا العدد من الصحفيين المدهشين. لكن بعد 22 عامًا رائعة، قررت أن أخطو خطوة مثيرة ومرعبة في آن: أن أغادر لأحاول بناء شيء جديد.

عندما جئت إلى «التايمز»، أردت أن أدافع عن فلسفة سياسية محافظة معتدلة، تستنير بأفكار مفكرين مثل إدموند بيرك وألكسندر هاملتون. وقد نجحت نجاحًا مذهلًا في جذب الناس إلى وجهة نظري، لدرجة أن الجمهوريين المعتدلين صاروا اليوم القوة المهيمنة في السياسة الأمريكية، يمسكون بالسلطة من البيت الأبيض إلى قصر غرايسي! لذا قلت لنفسي: يبدو أن عملي هنا قد اكتمل.

أمزح.

في الحقيقة، لطالما اعتقدت أن في الثقافة الأمريكية خللًا غريبًا يشبه فشل السوق. هناك برامج لا تُحصى عن السياسة والأعمال والتكنولوجيا، لكن هناك ندرة في البرامج التي تتناول الأسئلة الأساسية للحياة، تلك التي تُناقَش عادةً ضمن تعليم ليبرالي رفيع في الفنون والعلوم الإنسانية: كيف يصبح الإنسان أفضل؟ كيف يعثر على معنى في التقاعد؟ هل ما تزال أمريكا تمتلك سردية وطنية جامعة؟ وكيف تتعافى الأمم الكبرى من الاستبداد؟

عندما أفكر في حجم التغير منذ انضممت إلى «التايمز»، أجد أن الاتجاه الأكبر كان فقدان الأمريكيين الجماعي للإيمان ـ ليس الإيمان الديني فقط، بل أشكالًا متعددة من الإيمان. في 2003، كنا ما نزال نعيش أثر انتصارنا في الحرب الباردة، وكانت الثقة أعلى بأن الديمقراطية تجتاح العالم، وبأن أمريكا «خيرة» في جوهرها، وبأن التكنولوجيا ستنقذنا، وبأننا نستطيع الوثوق ببعضنا بعضًا. وحتى 2008، كان باراك أوباما قادرًا على خوض حملة رئاسية تفيض بأمل مثالي.

لكن عالم ما بعد الحرب الباردة جاء مخيبًا، حرب العراق حطمت ثقة أمريكا بقدرتها. الأزمة المالية حطمت ثقة الأمريكيين بأن الرأسمالية إذا تُركت وحدها ستنتج رخاءً واسعًا ومستقرًا. الإنترنت لم يفتح عصر اتصال عميق، بل عصرًا من ازدياد الاكتئاب والعداء والوحدة. وانهيار مستويات الثقة الاجتماعية كشف فقدانًا شاملًا للإيمان بجيراننا. وصعود الصين، وكل ما يتصل بـدونالد ترامب، حطم افتراضاتنا الهادئة عن دور أمريكا في العالم.

صرنا بلدًا أكثر حزنًا، وأقسى مزاجًا، وأشد تشاؤمًا. دراسة تاريخية حديثة عن الصحف الأمريكية وجدت أن الخطاب العام اليوم أكثر سلبية من أي وقت منذ خمسينيات القرن التاسع عشر. أغلبية كبيرة تقول إن بلدنا يتراجع، وإن الخبراء لا يستحقون الثقة، وإن النخب لا تكترث للناس العاديين. وفقط 13% من الشباب يعتقدون أن أمريكا تسير في الاتجاه الصحيح. و69% من الأمريكيين يقولون إنهم لا يؤمنون بالحلم الأمريكي.

فقدان الإيمان يولّد الإيمان باللاشيء. ترامب يجسّد العدمية، بافتراضه أن الأخلاق للحمقى، وأن الحياة قوة وعنف وترهيب وتنمر وقسوة. الشعبويون في العالم يسعون لصناعة واقع لا ينجو فيه إلا عديمو الرحمة، أمريكا تتحول إلى ذئب مسعور بين الأمم.

العدمية هي ذهنية تقول إن ما هو أدنى هو الأكثر «واقعية». الأنانية وتضخّم الأنا والشهوة إلى السلطة هي ما يدير شؤون البشر، أما الإيثار والكرم والشرف والنزاهة والضيافة فسراب، والمثل العليا خدعٌ يستخدمها الأنانيون لستر جشعهم، المتشائم من الحياة يمنح نفسه إذنًا بالعنف، قائلًا: لن نخدع مرة أخرى. إنها معركة «الكل يأكل الكل». إن أردنا البقاء، فعلينا أن ننتخب المتنمرين إلى المراتب العليا، في 2024، نظر 77 مليون ناخب أمريكي إلى ترامب ولم يروا في الرجل ما يجعله غير مؤهل أخلاقيًا.

من السهل قول إن ترامب أفسد أمريكا. لكن تمزيق القيم من الأعلى سبقه انهيار للقيم من الداخل امتد عقودًا. أربعة عقود من فرط الفردانية وسّعت حرية الاختيار لكنها أضعفت الروابط بين الناس. أجيال متعددة من الطلاب وأولياء الأمور هربت من الإنسانيات والفنون الحرة، بدافع الاعتقاد أن الهدف الأول من التعليم هو تعلم كيف نجني المال.

نحن نتخلى عن جوهرنا الإنساني. عناصر حضارتنا التي ترفع الروح، وتغذي التعاطف، وتوجّه النفس، تراجعت في الحياة الوطنية: التعبّد الديني، اللاهوت، الأدب، الفن، التاريخ، الفلسفة. كثير من المربين قرروا أنه بما أن القوى الغربية أنجبت الاستعمار ـ وهذا صحيح ـ فعلى الطلاب في الغرب ألا يتعلموا شيئًا عن سلالة حضارتهم، وأن يصبحوا أيتامًا ثقافيًا. ناشطون قرروا أن الإقناع أسطورة، وأن الحياة منافسة شرسة على السلطة بين جماعات مضطهِدة ومضطهَدة. ونتيجة للتقدم التقني والتآكل الإنساني، صارت الحياة موضوعيا أفضل، لكنها ذاتيا أسوأ. وسّعنا الحرية الشخصية، لكننا فشلنا فشلا تاما في مساعدة الناس على الإجابة عن سؤال: حرية.. من أجل ماذا؟

أعمق جرح ثقافي كان فقدان نظام أخلاقي مشترك. قلنا لأجيال متعددة: اصنعوا قيمكم الفردية بأنفسكم. هذا «التخصيص» للأخلاق حمّل الناس مهمة يستحيل إنجازها، فتركهم عاجزين أخلاقيًا وغير متشكلين. وصنع ساحة عامة عارية لا اتفاق واسعًا فيها على ما هو حق وجميل وخير. من دون معايير مشتركة للصواب والخطأ يستحيل حسم النزاعات، ويستحيل حفظ التماسك الاجتماعي والثقة. كل مجتمع سليم يستند إلى تصور مشترك للمقدّس ـ أبطال مقدسون، نصوص مقدسة، مُثُل مقدسة ـ وحين يزول ذلك، تكون النتيجة الطبيعية: قلق، وتفتت، وهبوط بطيء نحو الهمجية.

لا ينبغي أن يدهشنا أن استطلاعًا لجامعة هارفارد وجد أن 58% من طلاب الجامعات قالوا إنهم لم يشعروا بأي إحساس بـ«الغاية أو المعنى» في حياتهم خلال الشهر الذي سبق الاستطلاع. لا ينبغي أن يدهشنا أن الناس صاروا أكثر انعداما للثقة وأكثر إحباطا. ويطاردني تعليق لألبير كامو عن قارته قبل 75 عاما: رجال أوروبا «لم يعودوا يؤمنون بالأشياء الموجودة في العالم وبالإنسان الحي؛ سر أوروبا أنها لم تعد تحب الحياة».

نحتاج قيادة سياسية أفضل، بالطبع، لكن السؤال الحاسم الذي يواجه أمريكا هو: كيف نعكس هذا الفقدان المتغلغل للإيمان ببعضنا، وبمستقبلنا، وبمُثلنا المشتركة؟ لا أعتقد أن معظم الناس قادرون على الازدهار في كون عدمي بلا معنى. وعلى خلاف ما يقوله الساخرون، ما زلت أعتقد أننا لا تحركنا الدوافع الأنانية وحدها، بل الدوافع الأخلاقية أيضا: الرغبة في السعي نحو خير ما، والرغبة في التعاون، وفي رعاية بعضنا، وفي الانتماء. الحياة حركة، والحياة المزدهرة هي ذاتها الشيء الأبدي: رجل أو امرأة يسعى ويكافح في خدمة مثل ما.

أين يذهب الناس والأمم ليعثروا على ما يؤمنون به من جديد، وعلى قيم يوجّهون بها حياتهم؟ أين يذهبون لاستعادة جوهرهم الإنساني؟ يجدون ذلك في مجال الثقافة. وفي قراءتي للتاريخ، التغير الثقافي يسبق التغير السياسي والاجتماعي. تحتاج تحولا في التفكير قبل أن يتحول الاتجاه. تحتاج مناخا روحيا مختلفا.

وعندما أقول «الثقافة» لا أعني مجرد الذهاب إلى الأوبرا والمتاحف. أعني الثقافة بأوسع معنى: طريقة حياة مشتركة، عادات وطقوس، أغان وقصص شعبية، محادثات عن أفكار كبيرة وصغيرة. أعني كل ما يشكّل الجوانب الذاتية في الإنسان: إدراكاته، قيمه، عواطفه، آراؤه، ما يحب، ما يفتنه، أهدافه ورغباته. أعني كل ما يصوغ روح العصر، اللحظة الأخلاقية والفكرية، ذلك الماء المشترك الذي نسبح فيه. بهذا المعنى، لكل فرد دور في تشكيل الثقافة. نحن جميعا نصنع حولنا «بيئة أخلاقية» ترفع من نلمسهم أو تحط من إنسانيتهم.

كان بيرك يرى أن الثقافة ـ التي سمّاها «الأعراف/الآداب» ـ أهم من السياسة. وكتب: «الآداب أهم من القوانين. عليها، إلى حد كبير، تعتمد القوانين. القانون يمسّنا هنا وهناك، بين حين وآخر. أما الآداب فهي التي تزعج أو تلطّف، تُفسد أو تُطهّر، ترفع أو تُسفّل، تُوحّش أو تُهذّب، بفعل ثابت متواصل منتظم غير محسوس، مثل فعل الهواء الذي نتنفسه. هي التي تمنح حياتنا شكلها ولونها الكاملين. وبحسب جودتها، تُعين الأخلاق، أو تسدّ نقصها، أو تدمرها تماما».

الخبر الجيد أن الثقافة تتغير طوال الوقت، حين يكيّف الناس أنفسهم لمواجهة أزمات لحظتهم. في تسعينيات القرن التاسع عشر، أزاحت حركة «الإنجيل الاجتماعي» ـ بتركيزها الجماعي ـ ثقافة الداروينية الاجتماعية التي تمجد الفردانية وبقاء الأصلح. وهذا التحول الثقافي قاد لاحقا إلى تغير سياسي: عصر التقدمية. كما تبدلت الثقافة الأمريكية جذريا بين 1955 و1975، فأنتجت ثقافة أقل امتثالا، أقل تمييزا جنسيا وعنصريا، وأكثر إبداعا من سابقتها، وإن كانت أيضا أكثر تفتتا. حرب الثقافة التي بدأت آنذاك أنتجت اليسار الحديث واليمين الحديث معا. والثقافة الأمريكية اليوم مختلفة جدا عما كانت عليه خلال «الصحوة الكبرى» عام 2020.

مررنا بأزمنة صعبة من قبل، وكنا دائما نتعافى عبر مسار من القطيعة الثقافية ثم الترميم. يجب أن يُنزَع بعضٌ من منظومات القيم والممارسات القديمة، وأن تُعتنق أخرى جديدة.

ترامب مخلوق نادر: رجل مبتذل يفهم قوة الثقافة. وضع مصارعين محترفين على منصة آخر مؤتمر جمهوري لسبب: لترسيخ نموذج ذكوري معين. وسيطر على مركز كينيدي لسبب: لفرض سردية وطنية بعينها. للأسف، الثقافة التي يروّج لها ـ لأنها مبنية على الهيمنة ـ ثقافة تنزع الإنسانية.

الإنسانية الحقة، في المقابل، هي الترياق للعدمية. الإنسانية هي كل ما يصون كرامة كل شخص. أنتيغون وهي تحاول دفن أخيها حفاظا على شرف العائلة، وأبراهام لنكولن وهو يعيد ربط الأمة في خطاب التنصيب الثاني، ومارتن لوثر كينغ جونيور وهو يكتب رسالته من سجن برمنغهام ـ هذه أمثلة على الإنسانية. تريسي تشابمان ولوك كومبس وهما يؤديان «Fast Car» في حفل الغرامي ـ هذه أيضا إنسانية. كلها أمثلة لأناس يحاولون إيقاظ الدوافع الأخلاقية، والسعي للعدالة، ودفع الآخرين ليصبحوا أفضل نسخة من أنفسهم.

للإنسانية أشكال متعددة: إنسانية علمانية، إنسانية مسيحية، إنسانية يهودية.. إلى آخره. هي أي مسعى يعمّق فهمنا للقلب البشري، وأي جهد لتحقيق قيم روحية خالدة في ظروف زماننا، وأي لفتة تجعل الآخرين يشعرون أنهم مرئيون، مسموعون، ومحترمون. أحيانا يبدو المجتمع كله كأنه ساحة معركة بين قوى نزع الإنسانية من جهة ـ التحزب المسعور، وسائل التواصل الاجتماعي، الإباحية، التعصب ـ وبين قوى الإنسنة المحاصَرة من جهة أخرى.

إذا أردت أن تنحاز إلى الأنسنة، فانضم إلى «المحادثة الكبرى». هذا تقليد من الجدل يمتد آلاف السنين، ويضم اللاهوت والفلسفة وعلم النفس والتاريخ والأدب والموسيقى ودراسة الحضارات العالمية والفنون. إنها محاولة جماعية لإيجاد توازن عملي داخل جدليات الوجود الإنساني الدائمة: التوتر بين الاستقلال والانتماء، والمساواة والإنجاز، والحرية والنظام، والتنوع والتماسك، والأمن والاستكشاف، والحنان والقوة، والعقل والعاطفة. هذه المحادثة لا تنتهي، لأنه لا حل دائما لهذه التوترات، بل محطات استراحة مؤقتة تصلح هنا أو هناك. داخلها يتعلم كل مشارك شيئا عن كيف يفكر، كيف يشعر، ماذا يحب، وكيف ينهض بدوره الاجتماعي.

من أكثر ما يبعث الحماسة في الحياة الأمريكية اليوم أن «نهضة إنسانية» بدأت بالفعل على أحرام الجامعات. كان ترامب سيئا للجامعات، لكنه، على نحو مفارق، كان رائعا لها أيضا. وسط الدمار، دفع قادة الجامعات إلى إعادة التفكير. ربما صار التعليم «مهنيا» أكثر مما ينبغي؛ ربما صارت الكليات أحادية اللون في تقدميتها؛ ربما أن الجامعات أنفقت جهدا كبيرا لخدمة مصالح الطلاب الخاصة حتى أهملت ـ دون قصد ـ الصالح العام. وأنا أرى الآن تغييرات في جامعات أمريكا، من كليات المجتمع إلى جامعات الولايات إلى جامعات النخبة. تأتي التغييرات في أربعة مسارات: أولا، وفرة في المقررات والبرامج التي تسعى لتربية الشخصية والتكوين الأخلاقي. ثانيا، مقررات وبرامج للتدريب على المواطنة والفكر المدني. ثالثا، برامج تساعد الناس على التفكير عبر الاختلاف. رابعا، مقررات تقدم نصائح عملية عن كيف يعيش المرء حياة مزدهرة.

أنظر إلى هذه الجهود بإعجاب وحماسة متزايدين. وسؤالي هو: كيف أشارك؟ أين أذهب لأتطوع؟ (في حالتي تحديدا، يبدو أن الجواب ينتهي إلى نيو هافن، كونيتيكت). وبالطبع، قوى الأنسنة لا تُحتاج في الجامعات فقط، بل داخل كل شركة ومجتمع ومنظمة، حيث ينخرط الناس في البحث الحيوي عن السلوك القويم، والقيادة الأخلاقية، وحكمة أعمق بشأن ما هو مهم حقا. كانت كتبي محاولات لتقديم التفكير الإنساني لجمهور واسع، وأينما ذهبت ألتقي أناسا يتوقون إلى أن يرتفعوا معنويا، ويجوعون إلى حكمة تناقلها الحكماء والأنبياء عبر القرون.

إن كنت قد قرأت أعمدتي، فربما تعرف أن إحدى ملاحظاتي المفضلة في علم النفس تقول إن الحياة كلها سلسلة من الاستكشافات الجريئة انطلاقا من «قاعدة آمنة». الناس يحتاجون قاعدة آمنة. جزء منها عاطفي: ارتباطات غير مشروطة بالعائلة والأصدقاء. جزء منها مادي: العيش في مجتمع آمن مع قدر من الاستقرار المالي. جزء منها روحي: العيش داخل نظام أخلاقي مشترك، وامتلاك الإيمان بأن العمل الجاد سيُكافأ، وبأن المستقبل سيكون أبهى.

أصدقائي في «حركة الوفرة» يقولون إن لدى أمريكا أزمة إسكان، وهم على حق. لكن بصورة أكثر جوهرية، لدى أمريكا «أزمة بيت». عندما لا يؤمن الناس أن لديهم بيتا آمنا عاطفيا وجسديا وروحيا، يصبحون أكثر خوفا من المخاطرة، وأكثر ركودا وسخرية وقلقا وعدوانية.

هذه ليست أمريكا التي يُفترض أن تكون! لقرون اشتكى مراقبون أجانب من أن الأمريكيين ـ إن كان ثمة شكوى ـ مثاليون أكثر من اللازم، متفائلون أكثر من اللازم، سُذّج أكثر مما ينبغي، يندفعون دائما نحو مغامرات جديدة من دون حساب الكلفة. وأكثر هؤلاء المراقبين بصيرة لاحظوا دائما أنه تحت مادية الحياة الأمريكية الخشنة ورياحها التنافسية هناك ريح روحية دافعة تحرّك الأميركيين نحو الحركة والابتكار وتحسين الذات وطرق المستقبل بجرأة. هذه هي طاقة لين-مانويل ميراندا في موسيقى «Hamilton»:» أنا مثل بلدي.. شاب، عنيد، جائع». وهذا هو خطاب تنصيب جون إف كينيدي: «معا دعونا نستكشف النجوم، ونقهر الصحارى، ونقضي على المرض، ونغوص إلى أعماق المحيط، ونشجع الفنون والتجارة».

لو استطاعت أمريكا أن تستعيد قاعدتها الآمنة عاطفيا وماديا وروحيا، ربما نسترد شيئا من جرأتنا القديمة. كان أوسكار وايلد يمزح قائلا إن «الشباب أقدم تقاليد أمريكا». وربما حان وقت أن تنضج البلاد، وأن تجمع طاقة الشباب مع نوع من التواضع والحكمة التي صاغها راينهولد نيبور في إحدى أشهر فقراته:

لا شيء يستحق أن يُفعل يمكن إنجازه في عمرنا؛ لذلك لا بد أن تنقذنا الرجاء.

ولا شيء حق أو جميل أو خير يكتمل فهمه داخل سياق تاريخي مباشر؛ لذلك لا بد أن تنقذنا الإيمان.

ولا شيء نفعله، مهما كان فاضلا، يمكن إنجازه وحدنا؛ لذلك ننقَذ بالمحبة.

ولا فعل فاضل يكون فاضلا بالقدر نفسه في نظر صديقنا أو عدونا كما هو في نظرنا؛ لذلك لا بد أن ننقَذ بأعلى صور المحبة: الغفران.

سأفتقد أشياء كثيرة في كوني كاتب عمود في «نيويورك تايمز» ـ القرّاء، والزملاء، والتعلم الذي لا ينتهي والذي تتطلبه الوظيفة. حتى المسمى الوظيفي وحده يرضي غروري! لكنني أظن أنني وجدت مشروعا وقضية تستحق أن أكرّس لها الفصل الأخير من حياتي المهنية.

شكرا من القلب للجميع.

ديفيد بروكس صحفي وكاتب عمود ومعلّق سياسي ـ ثقافي أميركي مولود في كندا، عُرف لسنوات طويلة ككاتب رأي في نيويورك تايمز، وهو مؤلف لعدة كتب في الأخلاق والسياسة والثقافة.

خدمة نيويورك تايمز

تمت الترجمة باستخدام الذكاء الاصطناعي

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: نیویورک تایمز فقدان ا التی ت جزء من

إقرأ أيضاً:

الإصدار السابع والخمسون من زاد الأئمة والخطباء "كن راضيا.. وإيَّاك والتباهي"

كشفت وزارة الأوقاف المصرية عبر صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، عن الإصدار السابع والخمسون: سلسلة زاد الأئمة والخطباء، بعنوان: كن راضيا.. وإيَّاك والتباهي، على أن يكون الهدف المراد توصيله إلى الجمهور هو التوعية بأن من رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط، والتحذير من التفاخر والتباهي.

الإصدار السابع والخمسون: سلسلة زاد الأئمة والخطباء

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد،

فقد خلق الله تعالى الإنسان وجعل قلبه بين داعيَين: داعٍ يدعوه إلى الرضا والقناعة، فيحيا مطمئن النفس، ساكن الفؤاد، مستشعرًا فضل الله عليه في السراء والضراء، وداعٍ يدعوه إلى التفاخر والتباهي، فيظل أسير المقارنات، مشغولًا بما عند الناس، متطلعًا إلى ما في أيديهم.

وإذا كانت المباهاة تُورث الكبر، وتُفسد العلاقات، وتزرع الحسد والبغضاء بين الخلق، فإن الرضا يملأ القلب سكينةً وطمأنينةً، ويجعل صاحبه غنيًّا وإن قلَّت ذات يده، سعيدًا وإن اشتدت عليه المحن، ومن هنا جاءت نصوص الشرع تحذر من الفخر والخيلاء، وتغرس في النفوس قيمة الرضا، وإليك بيان ذلك:

المباهاة.. حقيقتها وتحذير الشرع منها
المباهاة في أصل معناها هي المفاخرة وإظهار ما عند الإنسان من مال أو جاه أو علم أو نسب أو غير ذلك بقصد التعاظم على الناس واستجلاب إعجابهم، وقد بيَّن أهل اللغة أن المباهاة هي المفاخرة، كما جاء في تفسير غريب الحديث: "المباهاة: المفاخرة".

ومن تأمل حقيقة المباهاة وجد أنها قائمة على الاغترار بأمور خارجة عن ذات الإنسان؛ فالمال ليس من صنعه، والجمال هبة من الله، والنسب فضل لم يختره المرء لنفسه. ولذلك قال الراغب الأصفهاني: "الفخر هو المباهاة بالأشياء الخارجة عن الإنسان"، ثم بيَّن أن العاقل يعلم أن أعراض الدنيا عارية مستردة، وأن المباهي بها إنما يفتخر بشيء سريع الزوال، لا يلبث أن يفارقه أو يفارق هو الدنيا كلها، فقال: "فمن نظر بعين عقله وانحسر عنه قناع جهله علم أن أعراض الدنيا عارية مستردة، لا يؤمن في كل ساعة أن تسترجع، فالمباهي بها مباهاة بغير ثراه، ومتبجح بما في يد سواه، كالفاخرة بحِدْج ربَّتها (وهي الأَمَة تتباهى بهودج سيدتها لمجرد وجودها فيه معها)، بل هو أدون من ذلك، فقد قال بعض الحكماء لمن يفتخر بثرائه: إن افتخرت بفرسك فالحسن والفراهة له دونك، وإن افتخرت بثيابك وآلاتك فالجمال لهما دونك، وإن افتخرت بآبائك فالفضل فيهم لا فيك، ولو تكلمت هذه الأشياء لقالت: هذه محاسننا فما لك من الحسن" [الذريعة الى مكارم الشريعة].

وقد نبَّه الإمام الحارث المحاسبي إلى أن المباهاة ثمرةٌ من ثمار الفضول والتوسع فيما لا يحتاج إليه الإنسان، فقال: "وفضول اللِّباس يخرج إلى المباهاة والخيلاء" [رسالة المسترشدين]، فكلما ازداد تعلق القلب بالمظاهر الخارجية ازداد خطر الوقوع في التفاخر والتعالي على الناس.

ومع هذا فلم تكن المباهاة مقصورة على الأموال والثروات، بل تتسلل إلى مختلف شؤون الحياة؛ فقد تكون بالملبس والمركب والمسكن، وقد تكون بالعلم والعبادة والقراءة، بل قد تقع حتى في الأعمال الصالحة إذا قصد بها صاحبها ثناء الناس ومدحهم، ولذلك كان السلف الصالح شديدي الخوف من هذه الآفة؛ إذ قال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْكَلَامِ مَخَافَةُ الْمُبَاهَاةِ" [الزهد والرقائق لابن المبارك]، فكان يراقب قلبه ويخشى أن يتطرق إليه حب الظهور والتعاظم على الخلق.

ولهذا عد العلماء أخطر صور المباهاة ما يكون في الطاعات والقربات، حين يتحول العمل الصالح إلى وسيلة لطلب الجاه والمنزلة بين الناس،  وقد أشار الماتريدي إلى هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ یُرِیدُ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَا وَزِینَتَهَا نُوَفِّ إِلَیۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِیهَا وَهُمۡ فِیهَا لَا یُبۡخَسُونَ﴾ [هود: ١٥]، فقال: "قَالَ بَعْضُهُم: الآية في أهل الإيمان الذين عملوا الصالحات مراءاة للخلق يقول: ﴿نُوَفِّ إِلَیۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِیهَا وَهُمۡ فِیهَا لَا یُبۡخَسُونَ﴾ من الذكر فيها والشرف، وما طلبوا بأعمالهم في الدنيا من المباهاة وغيره، آتاهم اللَّه في الدنيا جزاء لتلك الأعمال التي عملوها وبطل ما صنعوا وباطل ما كانوا يعملون؛ لأنهم عملوا لغير اللَّه، فلا يجزون في الآخرة بأعمالهم تلك، وإلى هذا يذهب ابن عَبَّاسٍ" [تأويلات أهل السنة].

ومن أجل تحقيق هذا المعنى عقد العلماء أبوابًا خاصة في التحذير من المباهاة بالعلم والقرآن؛ لأن العلم شرفه في العمل به والإخلاص لله فيه، لا في اتخاذه وسيلة للرياسة والافتخار، وقد ورد الوعيد الشديد فيمن تعلم القرآن وعلَّمه وقرأه طلبًا للمفاخرة والتعاظم على الناس، لا ابتغاء وجه الله تعالى.

ذم المباهاة
جاء الشرع الشريف بذم المباهاة والتحذير منها في نصوص كثيرة؛ لأنها تناقض حقيقة العبودية لله تعالى، وتفسد الإخلاص، وتورث الكبر والعجب، ومن أوضح ما ورد في ذلك قوله تعالى: ﴿أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]، وقد فسر الإمام الطبري الآية بقوله: "ألهاكم أيها الناس المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربكم وعما ينجيكم من سخطه عليكم" [جامع البيان]، وقال الزمخشري: "والتَّكاثُرُ التبارى في الكثرة والتباهي بها، وأن يقول هؤلاء: نحن أكثر" [الكشاف]، فالتكاثر المذموم هو الانشغال بالتفاخر والتباهي به والتعاظم على الخلق بسببه.

قال الله تعالى عن صاحب الجنتين: ﴿وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرࣱ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ یُحَاوِرُهُۥۤ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالࣰا وَأَعَزُّ نَفَرࣰا﴾ [الكهف: ٣٤].

قال الدكتور محمد سيد طنطاوي: "أي: فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن الشاكر: أنا أكثر منك مالا وأعز منك عشيرة وحشما وأعوانا، وهذا شأن المطموسين المغرورين، تزيدهم شهوات الدنيا وزينتها بطرا وفسادا في الأرض، وما أصدق قول قتادة رحمه الله: "تلك – والله - أمنية الفاجر: كثرة المال، وعزة النفر" [التفسير الوسيط].

قال تعالى على لسان لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالࣲ فَخُورࣲ﴾ [لقمان: ١٨].

"ولا تستكبر على الناس، بل ألِن جانبك لهم، وأقبِل عليهم متواضعًا، ولا تُوَلِّهم شِقَّ وجهك وصفحته كما يفعله المتكبِّرون إعجابًا بأنفسهم؛ لأن الله لا يحب كل مختال فخور، وأصل الصَّعَر: داءٌ يَعتري البعير فيلوى منه عنقه، ويُستعار للكبر، ولا تمش في الأرض مرحًا وبطرًا كما يمشي المختالون المتكبرون؛ لأن الله ـ لا يُحبُّ كل مختال فخور، والمختال: المتكبّر، وهو مأخوذ من الخيلاء وهو التَّبَختر في المشي كِبرًا، والفخور: كثير الفخر، وهو المباهاة، ويدخل في ذلك تعداد الشخص ما أعطاه لغيره...". [التفسير الوسيط- مجمع البحوث].

وقال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤئِلَ لِتَعَارَفُوۤا۟ۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرࣱ﴾ [الحجرات: ١٣]، وقال تعالى: ﴿ٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَا لَعِبࣱ وَلَهۡوࣱ وَزِینَةࣱ وَتَفَاخُرُۢ بَیۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرࣱ فِی ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَیۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ یَهِیجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرࣰّا ثُمَّ یَكُونُ حُطَٰمࣰاۖ وَفِی ٱلۡءَاخِرَةِ عَذَابࣱ شَدِیدࣱ وَمَغۡفِرَةࣱ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنࣱۚ وَمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَاۤ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]

ولقد حذر النبي ﷺ من صور المباهاة الاجتماعية التي تدفع الناس إلى التكلف والتنافس المذموم، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: "نَهى النَّبيُّ ﷺ عَنْ طَعامِ المُباهاةِ، وَطعامِ المُتَباريَيْنِ"، [التاريخ الكبير للبخاري] أي: ما يصنعه الناس لا طلبًا للأجر أو الإكرام، وإنما للمفاخرة وإظهار السعة والتغلب على الآخرين في مظاهر الإنفاق.

ليس هذا فحسب بل إن التفاخر أو المباهاة تجعل الإنسان يرى نفسه أفضل من غيره: بماله، أو نسبه، أو علمه، أو منصبه، وربما بطاعته، أو عبادته، أو التزامه، فيقع في آفةٍ أخطر وهي الكبر، وقد قال النبي ﷺ فيما رواه سيدنا عَبْد اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ‌مَنْ ‌كَانَ ‌فِي ‌قَلْبِهِ ‌مِثْقَالُ ‌ذَرَّةٍ ‌مِنْ ‌كِبْرٍ»، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ: «ِإنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بطر الحق وغمط الناس» [رواه مسلم].

قال حجة الإسلام الغزالي: "وإنما صار حجابًا دون الجنة؛ لأنه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين كلها وتلك الأخلاق هي أبواب الجنة، والكبر وعزة النفس يغلق تلك الأبواب كلها؛ لأنه لا يقدر على أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه وفيه شيء من العز، ولا يقدرُ على التَّواضُعِ وَهُوَ رَأسُ أَخلاق المتقين وفيه العز، ولا يقدر على ترك الحقد وفيه العز، ولا يقدر أن يدوم على الصدق وفيه العز، ولا يقدر على ترك الغضب وفيه العز، ولا يقدر على كظم الغيظ وفيه العز، ولا يقدر على ترك الحسد وفيه العز، ولا يقدر على النصح اللطيف وفيه العز، ولا يقدر على قبول النصح وفيه العز، ولا يسلم من الازدراء بالناس ومن اغتيابهم وفيه العز، ولا معنى للتطويل فما من خُلق ذميمٍ إلا وصاحب العز والكبر مضطرٌ إليه ليحفظ عزه وما من خلقٍ محمودٍ إلا وهو عاجزٌ عنه خوفًا من أن يفوته عِزه فمن هذا لم يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة منه" [إحياء علوم الدين].

ومن هنا جاء توجيه النبي ﷺ إلى الزهد في مظاهر الدنيا وعدم الاغترار بها؛ إذ قال ﷺ: «إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ» [رواه البخاري]، قال ابن بطال في شرحه للحديث: "فنبّه بذلك أمته ﷺ على ترك المباهاة والفخر بمتاع الدنيا، وأن ما كان عند الله في منزلة الضعة، فحق على كل ذي عقل الزهد فيه وقلة المنافسة في طلبه، وترك الترفع والغبطة بنيله، لأن المتاع به قليل والحساب عليه طويل" [شرح صحيح البخاري].

كما بين ﷺ أن من يباهي بأعمال الآخرة أهل الدنيا فهم وقود النار، لأنه تجرد من الإخلاص الذي هو شرطه، فأخرج المستغفريّ في "فضائل القرآن" باب ما يكره للقارئ من المباهاة بالقرآن والتعمق في إقامة حروفه والتنطع وما جاء في ذلك، عن أم الفضل عن رسول الله ﷺ قال: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمُونَهُ وَيَقْرَؤُونَهُ فَيَقُولُونَ: قَدْ عَلِمْنَا وَقَرَأْنَا فَهَلْ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا فَهَلْ فِيهِمْ مِنْ خَيْرٍ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أُولَئِكَ؟ قَالَ: «أُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ».

مفهوم الرضا وحقيقته وأهميته
يُعَدُّ الرضا من أجلِّ المقامات الإيمانية وأرفع المنازل الروحية التي يتنافس إليها السالكون إلى الله تعالى؛ إذ هو ثمرة المعرفة بالله، وعلامة حسن الظن به، ودليل امتلاء القلب باليقين والتسليم، وقد عظَّم أهل العلم والتربية هذا المقام حتى وصفوه بأنه باب السعادة في الدنيا والآخرة، ومفتاح الطمأنينة التي لا تنالها القلوب المضطربة بأحوال الدنيا وتقلباتها.

وقد عبَّر أهل السلوك عن عظيم شأن الرضا بقولهم: «الرضا باب الله الأعظم»، أي أنه من أعظم الأبواب الموصلة إلى القرب من الله تعالى، فمن وُفِّق للرضا فقد فاز بحظ وافر من السكينة والأنس بالله، ونال من ألطافه ما لا يناله كثير من الناس، ولذلك قال عبد الواحد بن زيد: «الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا»، لأن صاحبه يعيش في راحة قلبية دائمة، لا تزعزعه الحوادث، ولا تذهب بسكينته تقلبات الزمان.

والرضا في حقيقته ليس مجرد احتمال الأقدار أو الصبر عليها، بل هو مرتبة أرفع من ذلك، تقوم على استقبال ما يجري به قضاء الله تعالى بالطمأنينة والانشراح، مع الثقة الكاملة بحكمته وعدله ورحمته، ولهذا قيل: هو استقبال الأحكام بالفرح، وقيل: هو سكون القلب تحت مجاري الأقدار، وقيل: هو سرور القلب عند مرارة القضاء، لأن المؤمن يعلم أن اختيار الله له خير من اختياره لنفسه.

وقد أشار الإمام القشيري إلى العلاقة الوثيقة بين رضا العبد عن ربه ورضا الله عن عبده، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿رَّضِیَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُوا۟ عَنۡهُۚ﴾، فمتى امتلأ القلب رضا بالله، وبأمره، وبقسمته، كان ذلك من أمارات عناية الله بصاحبه وقبوله له. ولهذا قيل: إن العبد إذا وجد قلبه ساكنًا إلى تدبير الله، مطمئنًا إلى قضائه، غير معترض على حكمه، كان ذلك من أعظم دلائل الخير والفضل.

ولأهمية هذا المقام أوحى الله تعالى إلى نبيه موسى عليه السلام حين سأله عن العمل الذي ينال به رضا ربه، فأخبره ـ أن رضاه متحقق في رضا العبد بقضائه وقدره، قال القشيري: "وقيل: قَالَ مُوسَى عليه السلام: "إلهي دلني عَلَى عمل إِذَا عملته رضيت بِهِ عنى" فَقَالَ: "إنك لا تطيق ذَلِكَ"، فخرَّ مُوسَى عليه السلام ساجدًا متضرعًا فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: "يا ابْن عمران إِن رضاي فِي رضاك بقضائي" [الرسالة القشيرية]؛ إذ لا يجتمع السخط على الأقدار مع كمال العبودية لله تعالى، فكلما ازداد العبد تسليمًا لما اختاره الله له، ازداد قربًا من مولاه ونال من رضوانه بقدر ما قام بقلبه من الرضا والتفويض.

ومن هنا لخَّص بعض العارفين طريق التزكية والسلوك (التصوف) في كلمتين جامعتين فقالوا: "التصوف الرضا بالقسمة والسخاء بالنعمة" [حلية الأولياء لأبي نعيم]؛ لأن المؤمن ينظر إلى ما قسمه الله له بعين القبول والامتنان، فلا يحسد غيره على ما أوتي، ولا يتطلع إلى ما في أيدي الناس تطلع الساخطين، بل يرى أن لكل إنسان نصيبه الذي اختاره الله له بحكمته.

والرضا يثمر في النفس آثارًا جليلة؛ فهو يورث السكينة عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والقناعة عند قلة الحظوظ الدنيوية، كما يطهِّر القلب من الحسد والاعتراض والتسخط، وإذا استقر الرضا في القلب انطفأت فيه نوازع الكبر والمباهاة؛ لأن الراضي يعلم أن ما عنده من نعم إنما هو فضل من الله تعالى لا استحقاق له فيه، فلا يتعالى بها على الناس ولا يتفاخر بها بينهم، بل يشهد فيها منة المنعم ـ.

ولهذا كان أهل الرضا من أبعد الناس عن السخط والاعتراض، وأقربهم إلى الطمأنينة والثبات. وقد عبَّر أبو عثمان الحيري عن هذا المعنى بقوله: «منذ أربعين سنة ما أقامني الله عز وجل في حال فكرهته، وما نقلني إلى غيره فسخطته» [الرسالة القشيرية]، وهي كلمة تجسد كمال التسليم لله تعالى، والرضا بما يختاره لعباده في جميع أحوالهم، وقد عبَّر أبو عثمان الحيري عن هذا المعنى بقوله: «منذ أربعين سنة ما أقامني الله عز وجل في حال فكرهته، وما نقلني إلى غيره فسخطته» [الرسالة القشيرية]، وهي كلمة تجسد كمال التسليم لله تعالى، والرضا بما يختاره لعباده في جميع أحوالهم.

 

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • هل أرهقت تكاليف الحياة الأردنيين؟
  • من كتب الثانوية لـ"عجلة الديلفري".. إبراهيم يصارع الحياة لإعالة أسرته
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • حسني بي: الثروة يجب أن تصل إلى المواطن نقدا لا إلى المهرب سعرًا
  • سامر أبو طالب يهاجم رامي صبري: مش بيرد على الرسايل
  • الإصدار السابع والخمسون من زاد الأئمة والخطباء "كن راضيا.. وإيَّاك والتباهي"
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش