إذا كنت تفكر في زيارة جزيرة بالي، فلا بد أن تكون "محمية غابة القردة المقدسة" (Sacred Monkey Forest Sanctuary) واحدة من وجهاتك الأساسية.

تقع المحمية الساحرة في قرية "بادانغ تيغال"، بقلب أوبود، الأيقونة الأكثر شهرة في الجزيرة. ولا تصنف مجرد حديقة حيوان اعتيادية، إذ تجمع سحر الطبيعة مع الجذور الثقافية والرمزية الروحانية للمكان، فهي محمية طبيعية ومجمع معابد هندوسية يمتد على مساحة 12.

5 هكتارا (نحو 30 فدانا).

فلسفة المكان

يدير سكان قرية "بادانغ تيغال" الغابة بناء على فلسفة عريقة تُدعى "تري هيتا كارانا" (Tri Hita Karana)، والتي تشكّل أحد الأسس الثقافية والاجتماعية في جزيرة بالي الإندونيسية، وتعني حرفيا "أسباب السعادة الثلاثة" أو "مصادر الانسجام الثلاثة".

تقوم هذه الفلسفة على تصور شامل لكيفية تحقيق التوازن في الحياة الفردية والجماعية، من خلال خلق التناغم بين ثلاثة عناصر: (الإنسان مع الإنسان، الإنسان مع البيئة، والإنسان مع الروح). هذا ما يجعل الزائر يشعر بأن المكان ينبض بحياة تتجاوز مجرد مشاهدة المعالم السياحية.

كذلك تحيط بالمكان مجموعة من الأساطير والمعتقدات المحلية، بما في ذلك أن القرود هنا ليست مجرد حيوانات برية بل حراس للمعابد. وترتبط هذه الأسطورة بملحمة "الرامايانا" الشهيرة، وتحديدا بشخصية "هانومان" (الإله القرد الأبيض).

ويعتقد السكان المحليون أيضا أن الأرواح تسكن في جذور وأغصان أشجار البانيان (Banyan Trees) الضخمة، كما تعتبر هذه الأشجار في ميثولوجيا بالي بمثابة جسور بين عالم البشر وعالم الأرواح.

تضم المحمية مجمع معابد هندوسية يمتد على مساحة 12.5 هكتارا (غيتي)"المكاك" طويل الذيل.. سكان الغابة الأصليون

تُعد غابة القرود موطنًا لأكثر من 1260 قردا من فصيلة المكاك البالي طويل الذيل (Macaca fascicularis)، وهم السكان الأصليون لهذا الفضاء الطبيعي. تعيش هذه القرود ضمن ست مجموعات اجتماعية مستقلة نسبيا، لكل منها نطاقها الخاص داخل المحمية، وتعمل وفق تسلسل هرمي واضح يحكم علاقات القوة والتفاعل بينها.

إعلان

خلال تجوالك داخل الغابة، ستلاحظ سلوكيات تبدو طريفة للوهلة الأولى، لكنها تعكس حياة اجتماعية معقدة. فالقرود تمضي وقتها بين الأكل والتنظيف المتبادل واللعب، غير أنها لا تتردد في التفاعل المباشر مع الزوار بطرق قد تكون مستفزة أحيانا؛ فقد تباغتك بمحاولة خطف زجاجة ماء، أو تعبث بشعرك، أو تستلقي بهدوء لأخذ قيلولة وسط مسارات المشي وكأن المكان ملك لها، وهو كذلك فعليا.

ومن أطرف التجارب التي قد تحظى بها في الغابة، ما يُعرف بـ "سيلفي القرود"، حيث يستعين الموظفون بحيلة بسيطة تقوم على جذب القرد ببذور عباد الشمس خلف الهاتف، فيمد يده نحو الجهاز ليبدو في الصورة وكأنه التقطها بنفسه.

وبين الطرافة والفوضى الخفيفة، يظل حضور هذه القرود جزءا أساسيا من هوية المكان، يمنحه حيوية لا يمكن فصلها عن تجربة الغابة نفسها.

المعابد والآثار

تضم المحمية كنوزا معمارية تعود للقرن الرابع عشر (نحو عام 1350)، وهي معابد ذات أهمية دينية كبيرة للمجتمع المحلي:

معبد بورا داليم أغونغ (Pura Dalem Agung): المعبد الرئيسي المخصص للإله "شيفا". معبد بورا بيجي (Pura Beji): معبد مخصص للتطهر والاستشفاء بنبع المياه المقدسة. معبد بورا براجاباتي (Pura Prajapati): المعبد المجاور للمقبرة، ويُستخدم لمراسم حرق الموتى. معالم بارزة: لا تفوت زيارة "جسر التنين" الخرساني الذي يمر فوق واد سحيق وتحرسه تماثيل تنانين حجرية، بالإضافة إلى تماثيل "تنانين كومودو" المكسوة بالطحالب، وشجرة البانيان العملاقة التي يزيد عمرها عن 100 عام. تعود المعابد في المحمية إلى القرن الرابع عشر  (شترستوك)قواعد السلامة.. كيف تتجنب "شغب" القرود؟

تعتبر "محمية غابة القردة المقدسة" مكانا بريا بامتياز، لذلك لا بد أن تأخذ حذرك وتتبع بعض التعليمات المهمة للسلامة:

المقتنيات: تجنب ارتداء الأقراط الكبيرة، المجوهرات، أو النظارات (الطبية والشمسية)؛ فالقرود تخطفها بسرعة البرق. الطعام والأكياس: يمنع منعا باتا إحضار طعام خارجي أو أكياس بلاستيكية/ورقية، لأن القرود تربط صوت الأكياس بالطعام وستهاجمك للحصول عليها. التواصل البصري: لا تنظر في أعين القرود ولا تبتسم كاشفا عن أسنانك، لأنها تترجم ذلك كعلامة عدوانية. اللمس: دع القرد يلمسك إذا أراد، لكن لا تحاول لمسه أو الإمساك به، خاصة الأمهات اللواتي يحمين صغارهن بشراسة.  داء الكلب وفيروس هيربس بي (Herpesvirus B)

عند البحث عن تفاصيل الزيارة لمحمية القرود المقدسة قد تصادف بعض التحذيرات التي تفيد باحتمالية إصابة القرود بداء الكلب. لكن وفقا لما ورد في موقع ذا وورلد ترافيل غاي (The World Travel Guy) فقد أكد عدد من العلماء من أمريكا وأستراليا، الذين يفحصون القرود سنويا أنها خالية من هذا الداء.

التطعيم: بدأت السلطات في 2023 حملة تطعيم شاملة للقرود كإجراء احترازي. فيروس هيربس بي: وفقا لذات الموقع فقد أثبتت دراسة أمريكية عام 2002 أن السلالة التي تحملها هذه القرود غير ممرضة للبشر، ولم تُسجل أي حالة عدوى تاريخياً في بالي. الإسعافات: إن تعرضت لعضة، يوجد مكتب إسعافات أولية في الموقع لاستخدام المعقمات والكريمات المطهرة. لا تلمس القردة ولا تبتسم كاشفا عن أسنانك (شترستوك)معلومات أساسية والخدمات اللوجستية

إليك بعض المعلومات الأساسية التي يجب أن تعرفها قبل زيارة المحمية:

إعلان الموقع: شارع جالان مونكي فورست (Jalan Monkey Forest)، قلب أوبود. ساعات العمل: 9:00 صباحا – 6:00 مساء (بيع التذاكر ينتهي في 5:00). رسوم الدخول: الكبار (100–120 ألف روبية إندونيسية، أي نحو 6.5–8 دولارات أمريكية)، الأطفال (80–100 ألف روبية إندونيسية، أي نحو 5–6.5 دولارات أمريكية)، إذ يختلف السعر  تبعا لأيام الأسبوع. المرافق: تتوفر دورات مياه، مواقف للسيارات والدراجات، معرض صور، متجر هدايا، وإسعافات أولية. نصيحة الخبراء: أفضل وقت للزيارة هو الصباح الباكر (9:00 – 11:00) لتجنب الزحام والحرارة، وفي موسم الجفاف (أبريل/نيسان – أكتوبر/تشرين الأول). ستتمتع في المحمية بجمال أكثر من 115 نوعا من الأشجار الاستوائية (غيتي)بدائل سياحية قريبة

إذا شعرت أن غابة أوبود مزدحمة جدا، يمكنك التوجه إلى:

غابة سانجيه (Sangeh): أقل ازدحاما وأكثر هدوءا. ألاس كيداتون (Alas Kedaton): محمية للقرود والخفافيش العملاقة (الثعالب الطائرة).

مع ذلك، حاول جهدك ألا تفوت زيارة المحمية، فهي أفضل مكان تستطيع فيه رؤية التناغم بين البشر والحيوان في قصر الغابة المقدس، والاستمتاع بجمال أكثر من 115 نوعا من الأشجار الاستوائية.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

بعد رحلة في أمريكا.. القطعة الناقصة من فسيفساء “زيغما” تعود إلى تركيا

أنقرة (زمان التركية)- نجحت الجهود الدبلوماسية والعلمية المكثفة في إعادة لوحة فسيفسائية إلى تركيا، بعد أن أثبتت الدراسات الأثرية في الولايات المتحدة الأمريكية أنها جزء مفقود من التكوين الفني الكبير لفسيفساء “زيغما” الشهيرة عالميًا باسم “الفتاة الغجرية”.

وتعد هذه اللوحة المستردة هي القطعة رقم 13 المتممة لهذا العمل الفني التاريخي، لتنضم إلى 12 لوحة أخرى سبق واستردتها السلطات التركية.

وفي سياق متصل، زفّ وزير الثقافة والسياحة التركي، محمد نوري إرسوي، هذا الخبر قائلًا: “لقد نجحنا في إعادة قطعة مفقودة أخرى من فسيفساء الفتاة الغجرية إلى بلادنا”.

وتأتي هذه الخطوة لتمثل تطورًا بارزًا ومحطة تاريخية جديدة في مسار حماية الآثار المتعلقة بفسيفساء “الفتاة الغجرية”، التي تعد رمزًا لولاية غازي عنتاب وواحدة من أكثر القطع الأثرية جاذبية في مدينة “زيغما” الأثرية على مر السنين.

وجاءت عملية استعادة اللوحة التي رُصد وجودها في الولايات المتحدة بفضل التنسيق الرفيع والدراسات العلمية والدبلوماسية الدؤوبة التي قادتها وزارة الثقافة والسياحة، مما أثمر عن عودة هذا الأثر النادر إلى الجغرافيا التي ينتمي إليها بعد سنوات من تهريبه بطرق غير شرعية.

وكانت ملفات استرداد لوحات “الفتاة الغجرية” على رأس أولويات مجموعات الآثار المستهدفة، حيث حظيت بزخم كبير عقب تولي الوزير محمد نوري إرسوي منصبه.

ومع وصول هذه اللوحة الجديدة لتضاف إلى اللوحات الـ 12 المستردة سابقًا، تم سد فجوة كبرى في هذا التكوين الفسيفسائي الضخم. وأكد الوزير إرسوي في بيان عبر حساباته على منصات التواصل الاجتماعي أن اللوحة المستردة تحمل تشابهًا وتناغمًا وثيقًا من حيث الأسلوب الفني والتكوين مع الآثار المعروضة في متحف “زيغما” للفسيفساء.

وفي ختام تصريحاته، شدد الوزير التركي على عزم بلاده مواصلة هذه الجهود لحماية الإرث الإنساني قائلاً: “سنستمر في تتبع آثار ممتلكاتنا الثقافية أينما كانت في العالم، وسنواصل حماية تراثنا الحضاري”.

كما أعرب عن خالص شكره لكل من ساهم في هذا الإنجاز التاريخي، خصّ بالذكر فرق المديرية العامة للمتاحف والأصول الثقافية، ووحدة تحقيقات الأمن الداخلي الأمريكية، والقنصلية التركية العامة في شيكاغو، والعلماء المحليين والدوليين، بالإضافة إلى الخطوط الجوية التركية وقطاع الشحن التابع لها (Turkish Cargo) على دعمهم اللوجستي.

Tags: الولايات المتحدةتركيالوحة فنية

مقالات مشابهة

  • رحلة العائلة المقدسة إلى مصر.. مسار إيماني وتاريخي يمتد لأكثر من ثلاثة أعوام
  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • النقل تعلن تخفيض 50% على اشتراكات مونوريل شرق النيل
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • "رحلة العائلة المقدسة في الفن العالمي".. بالعدد الجديد من مجلة "مصر المحروسة"
  • بعد رحلة في أمريكا.. القطعة الناقصة من فسيفساء “زيغما” تعود إلى تركيا
  • 100 سنة غنا يجمع صوت الحجار وأعمال الشريعى بالمسرح الكبير
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش