د. ناصر بن محمد الحمر الكثيري **

 

يشهد التعليم العالي اليوم مرحلة مفصلية تتجاوز كونها مجرد موجة إصلاح عابرة، لتصل إلى مستوى التحول الهيكلي في فلسفته وأدواره ووظيفته المجتمعية. فالنماذج التقليدية التي بُنيت على مسارات تعليمية طويلة وثابتة، ومناهج بطيئة التحديث، لم تعد قادرة على مواكبة اقتصاد تحركه المعرفة، وتعيد تشكيله التقنيات الناشئة، وتتغير فيه طبيعة المهن بوتيرة غير مسبوقة.

ونتيجة لذلك، اتسعت الفجوة بين مخرجات مؤسسات التعليم العالي واحتياجات أسواق العمل، ليس فقط من حيث المهارات، بل من حيث الجاهزية الذهنية للتعلم المستمر والتكيف مع المجهول.

إن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في ماذا نُعلِّم؟ بل في كيف نبني إنسانًا قادرًا على إعادة تعلم ذاته مرارًا خلال حياته المهنية. ومن هذا المنطلق، فإن إعادة توجيه التعليم العالي ينبغي أن تنطلق من رؤية استراتيجية تعتبر المرونة سمة هيكلية للنظام التعليمي، وليست مجرد استجابة ظرفية لضغوط سوق العمل.

في هذا السياق، برزت الشهادات المصغّرة، والشهادات الاحترافية، والشهادات المهنية كأحد أبرز تجليات هذا التحول. فهي لا تمثل مجرد بدائل سريعة للشهادات التقليدية، بل أدوات استراتيجية لإعادة هندسة العلاقة بين الجامعة وسوق العمل. إذ توفر هذه الشهادات مسارات تعلم قصيرة، مركزة، وقابلة للتحديث المستمر، وتمنح المتعلم قدرة أعلى على تخصيص مساره المهني وفقًا لاحتياجاته المتغيرة. كما أنها تعزز مفهوم "التعلم مدى الحياة" بوصفه ضرورة اقتصادية وليست رفاهًا معرفيًا.

غير أن النظرة القيادية الاستراتيجية تفرض الحذر من تحويل هذه الشهادات إلى مسارات منفصلة أو تجارية بحتة تفقد التعليم عمقه الأكاديمي ورسالته المعرفية. فالقيمة الحقيقية تكمن في تكاملها مع البرامج الأكاديمية، بحيث تُصبح طبقات مرنة داخل البناء التعليمي، تجمع بين الأساس النظري المتين والتطبيق العملي المتجدد. إن الجامعة المستقبلية ليست تلك التي تستبدل الدرجة العلمية بالشهادة المصغّرة، بل التي تدمج الاثنين ضمن منظومة تعليمية متكاملة وقابلة لإعادة التشكيل.

لكن هذا التحوُّل لن يتحقق بإعادة تصميم البرامج فقط، بل يتطلب قيادة مؤسسية واعية تدرك أن جوهر الإصلاح يكمن في الإنسان قبل المنهج. فعضو هيئة التدريس لم يعد ناقل معرفة فحسب، بل مصمم خبرات تعلم، ومرشد مهني، وشريك في إنتاج المهارات. ومن ثم، فإن الاستثمار في التطوير المهني للأكاديميين، وبناء قدراتهم في التعلم الرقمي، والتقييم القائم على الكفاءات، والتواصل مع القطاعات الإنتاجية، يُعد حجر الأساس في نجاح هذا التوجه.

إلى جانب ذلك، يتطلب التحول نحو تعليم أكثر مرونة إعادة النظر في نماذج التمويل والحوكمة. فالمؤسسات التي تسعى إلى الاستجابة السريعة لاحتياجات السوق تحتاج إلى أنظمة إدارية أكثر مرونة، وشراكات استراتيجية فاعلة مع الصناعة، وآليات تمويل تدعم الابتكار التعليمي بدلًا من تكريس الهياكل التقليدية. كما أن مؤشرات الأداء في الجامعات يجب أن تتطور لتقيس الأثر المهني والاقتصادي للخريجين، وليس فقط أعداد المسجلين أو نسب التخرج.

ومن منظور استشرافي، فإن التعليم العالي يتجه ليصبح نظامًا مفتوحًا متعدد المسارات، تتحرك فيه الفئات العمرية المختلفة بين التعلم والعمل بشكل متكرر، وتختفي فيه الحدود الصارمة بين "طالب" و"موظف". وفي هذا النموذج، ستغدو الجامعة منصة تعلم مستمرة ترافق الفرد طوال حياته المهنية، بدل أن تكون محطة مؤقتة في بدايتها.

وعليه، فإن إعادة توجيه التعليم العالي نحو المرونة والكفاءة المهنية ليست مشروعًا تقنيًا محدودًا، بل خيارًا استراتيجيًا يعيد تعريف دور الجامعة في التنمية. فحين تنجح مؤسسات التعليم العالي في بناء خريج قادر على التعلم الذاتي، والتكيف، وإعادة تشكيل مهاراته باستمرار، فإنها لا تخدم سوق العمل فحسب، بل تسهم في بناء اقتصاد وطني أكثر قدرة على الصمود والابتكار وتحقيق مستهدفاته التنموية بعيدة المدى.

وفي ضوء هذه التحولات المتسارعة، يصبح دور القيادات الأكاديمية محوريًا في الانتقال من إدارة الحاضر إلى صناعة المستقبل. فالمؤسسات التي ستنجح ليست تلك التي تكتفي بتحديث مناهجها، بل تلك التي تمتلك الشجاعة لإعادة تعريف هويتها التعليمية ووظيفتها المجتمعية. إن تبنّي نموذج تعليمي مرن ومتكامل يتطلب قرارات استراتيجية جريئة، واستثمارًا طويل الأمد في الإنسان، وبناء ثقافة مؤسسية تؤمن بأن التعلم عملية مستمرة لا تتوقف عند حدود الشهادة.

إنَّ مسؤوليتنا اليوم لا تقتصر على إعداد خريجين لوظائف قائمة، بل تمتد إلى تمكين أجيال قادرة على ابتكار وظائف لم توجد بعد، والتكيف مع تحديات لم تتشكل ملامحها بعد. ومن هنا، فإنَّ إعادة توجيه التعليم العالي نحو المرونة والكفاءة المهنية تمثل استثمارًا وطنيًا في رأس المال البشري، وخطوة جوهرية نحو بناء اقتصاد معرفي أكثر تنافسية واستدامة؛ فالجامعة التي تنجح في هذا التحول لا تُواكب المستقبل فحسب، بل تُسهم في صناعته.

** عميد كلية الاقتصاد وإدارة الأعمال، جامعة التقنية والعلوم التطبيقية

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: أعدنا توجيه 122 سفينة منذ بدء حصار الموانئ الإيرانية
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • وزيرا التعليم العالي والتربية والتعليم والنائب الأول لـ"جايكا" يتفقدون معهد الكوزن المصري الياباني
  • "التعليم" تؤكد: منظومة متكاملة لدعم جودة التعلُّم وتعزيز شفافية القبول الجامعي وتكافؤ الفرص
  • برلماني: توجيهات الرئيس السيسي لتطوير التعليم العالي تعزز مكانة مصر في المعرفة والابتكار
  • وزيرا التعليم العالي والتربية والتعليم يتفقدان معهد الكوزن المصري الياباني
  • أورنج الأردن تُنفذ مجموعة من المبادرات في اليوم العالمي للصحة والسلامة المهنية
  • بدءا من اليوم.. خطوات التسجيل في اختبار الرخصة المهنية للمدربين وموعدها
  • وزير التعليم العالي يشهد إطلاق أول برنامج ماجستير دولي في الإدارة الرياضية بالشرق الأوسط
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش