لجريدة عمان:
2026-06-03@05:50:52 GMT

يشجّعون الحروب من بيوتهم الآمنة

تاريخ النشر: 3rd, February 2026 GMT

من السهولة بمكان اليوم أن تكون مناضلا بتغريدات متتالية، أو مقالات متتابعة، أو مقاطع مرئية متسلسلة، تسترق السمع من هنا وهناك، فتثير شعوبا على الحروب غير المدروسة، ليكون ضحيتها أطفال ونساء وأبرياء لا ذنب لهم.

إن الحرب لا تعرف منتصرا فيها، الكل خاسر على المستوى القريب والبعيد، والإقبال إليها إما عن طريق سياسي متهور يدخل أمة في نفق مظلم، ويرجع مجتمعه ودولته إلى الوراء سنين طوال، أو يجبر إليها أمة لا ذنب لهم، فيدافعون لأجل وجودهم وحريتهم.

إن الدفاع عن هذه الأمة التي لا ذنب لها مطلب إنساني عظيم، فأي أمة يعتدى عليها لا يجوز الدفاع عن المعتدي، والسلم لا يجتمع مع الظلم، وإذا كان الجنح إلى السلم مطلب إنساني رفيع، إلا أنه لا يتحقق إلا برفع الظلم، وتحقيق المساواة والعدالة وفق الذات الإنسانية الواحدة.

وهناك فارق كبير بين من يدعو إلى رفع الظلم عن أمة أو دولة لاعتبار انتماء معين وقعت فيه ويشترك معها في الانتماء كعرق أو دين أو لغة أو ثقافة، وبين من يدعو إلى رفع الظلم عن أمة أو دولة باعتبار مشترك كرامة الذات الواحدة؛ هنا ينظر إلى الوجود الإنساني أنها ذات واحدة، فيكون قلبه مليئا بالرحمة لهذا الوجود، يسعد بتحقق السلم عالميا لما يترتب عليه من سعادة الوجود الإنساني ذاته.

مثل هذا: إذا حدثت كوارث طبيعية كحريق أو زلزال أو إعصار في دولة ما لا تشترك معه في الدين والثقافة فيفرح بذلك، ويكون ناطقا عن الله وحاكما عنه في اعتباره من العذاب الإلهي؛ هذه الكوارث الطبيعية، أو البشرية كالحروب الأهلية يكون ضحيتها - في الغالب - من الأبرياء، كالأطفال والنساء والشيوخ والعجزة، فضلا عن الحيوانات وغيرها.

فلا أدري، أي قلب يسع أن يفرح إنسان لما يحل في أخيه الإنسان من بلاء وكوارث، بينما يعتبره ابتلاء إذا اشترك معه في بعض الانتماءات، ويضيق عندما يكون التحدث باسم الله أو الغيب، فيسقط نصوصا في أمة بعيدا عن العدل والرحمة الإلهية.

عندما يتحدث الإنسان باسم الرحمة الإلهية يجد العالم واسعا رحبا، فالله رب العالمين، وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين؛ حيث الذات الإنسانية الواحدة مرتبطة بهذه الكرامة الآدمية، والرحمة المطلقة، وما ينبني عليهما من مساواة وعدالة؛ هنا يجد البشر وشعوب العالم واحدة في حقها في السلم العالمي، وفي المشترك الإنساني، فيما يتعلق بحق الحياة، وحق التمتع المتساوي بما فيها من خيرات ونعيم، فلا تظهر في نبرته في هذا أي تباينات انتمائية، فيدافع عن الإنسان كإنسان.

من المؤسف حقا أن يبرر القتل في غزة لأنهم إخوان مسلمون، أو في إيران لأنهم شيعة، أو في بورما لأنهم بوذيون، أو بلد آخر لأنهم ليسوا مسلمين.

إننا بحاجة اليوم إلى بناء أجيال تنشأ على مطلق الرحمة للذات الإنسانية، خصوصا والعالم أصبح لا يحتمل هذه الثنائيات المؤثرة في العيش الإنساني المشترك.

إن السلم والعيش المشترك هو الأصل بين البشر جميعا، في أرض تسع الكل، وأن الحروب والعداوة والصراع أمراض يصنعها البشر طيلة التأريخ، لها أسبابها وسياساتها التأريخية المغلقة، والشهوانية المعاصرة، والسياسية المتهورة؛ فإذا كان كذلك من تهور أحفاد قابيل، فهذا ينبغي أن يواجه بتعقل هابيل.

هناك من السياسيين من يصنع الحروب، وهؤلاء السياسيون ينتمون إلى انتماءات مختلفة ومتباينة، فلا ينبغي أن يجرم من ينتمي إليها لأن من السياسيين من يلبس لباسها، فخطاب التعميم قد لا يقصده العديد من أصحاب المقالات والتغريدات.

لكن العقل الجمعي يكون أحيانا ضحية لمثل هذه المنشورات العامة وغير المنضبطة، لاحظنا أثره السلبي مثلا في لبنان وسوريا والعراق، وهناك من يحاول إثارته في الهند ونيبال أيضا.

إن التعقل في مواجهة الحروب والعداوة والصراع لا ينتج عن انطباعات أو عواطف يثيرها بعضهم وهم آمنون في بيوتهم، مطمئنون في ديارهم، بعضهم لو قطع الكهرباء والماء عنه نصف يوم لثار غضبا، ولو أنقص من راتبه شيء هيجَ ممن حوله. ليس من السهل أن يشرد الآلاف، أو يقتل المئات، أو ترمل النساء، وييتم الأطفال، وهناك من يثيرها لتشتعل وتتمدد بصورة أكبر، وكأنها كرة قدم، وليست حربا لا ترحم أحدا.

إن التأني والتعقل هما رأس الحكمة، ومن يدعو إلى السلم ليس كمن يدعو إلى الحرب، ومن يسعى في إطفاء الحروب ليس كمن يناضل في إشعالها، ومن ينادي بحرمة الذات الإنسانية ليس كمن يسعى في تقسيمهم وإثارة النعرات والصراع بينهم.

ما أسلفت ذكره لا يعني الدعوة إلى تهوين ما يحدث في عالمنا العربي خصوصا من بلاء ودمار في أجزائه، ووجود ذلك لا يعني أيضا أن نكون رهين الواقع لنكون أداة لفساد ودمار باقي أجزائه الأخرى.

علينا ابتداء أن نتحرر من أنانية الانتماءات والأثنيات، علينا أن نكون يدا واحدة في إطفاء الحروب في اليمن والسودان وليبيا وغزة وغيرها، وأن نكون يدا واحدة في إحيائها جميعا بالتنمية والعلم والمعرفة والنهضة بكل معانيها، هذه الروح لا تنطلق من ذات العروبة بقدر ما تنطلق من ذات الإنسان؛ فإذا تهذبت الخطابات الفكرية والدينية والثقافية، وتحررت من ضيق خطابات الانتماء، إلى سعة الإنسان والوجود، سيؤثر ذلك في السياسيين ومن يساندهم؛ فكثيرا ما يتشبثون بالانتماءات لتحقيق مطامعهم وتهورهم، ويستخدمون هذه الأوراق لتبرير إثارة الحروب وإشعالها؛ لا أقول ذلك كعاطفة وأحلام وردية، لكنها ـ في نظري ـ رؤية قد تقودنا إلى شيء من العلاج، عندما نفكر بروح الإنسان والسلم والإحياء، وندرك الرحمة في الذات البشرية، حينها نجد حسن ثمرة ذلك في القريب من الأقطار إلينا قبل البعيدة عنا.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: من یدعو إلى

إقرأ أيضاً:

ما بعد عصر الدرون.. أسراب النانو والذخائر المتسكعة ترسم ملامح الحروب المقبلة

لكن قانون التوازن الاستراتيجي لا يرحم وإن بلغت المسيرات الانتحارية ذروة مجدها لأن مايحدث اليوم على قدم وساق في الشركات المصنعة للأسلحة هو البحث عن المنظومات الدفاعية المنخفضة التكلفة وربما قريبا سيتم سد هذا الأفق وإغلاق هذا الفصل من تاريخ الحروب.

فالمنحنى الطبيعي لأي سباق تسلح يقضي بأن يولد السلاح الثوري دفاعات مضادة تتفوق عليه اقتصاديًا، وهذه الدفاعات المنخفضة التكلفة والأكثر فعالية، من مشوشات رقمية ذكية إلى أسلحة الطاقة الموجهة الميكروية وشبكات الحساسات الموزعة، تجبرنا الآن على التساؤل: ما هو النظام الهجومي القادم الذي سيرث دور المدفعية الجوية الرخيصة؟ الإجابة على هذا السؤال لا تكمن في نسخة مطورة من المسيرة، وإنما في نقلة نوعية نحو مفهوم "الذخائر المتسكعة فائقة الصغر والأسراب ذاتية التشغيل".

وإذا كانت المسيرات الحالية تعتمد على التفرد النسبي والتوجيه عن بعد، فإن البديل سيكون سربًا من مئات الكيانات الطائرة بحجم كف اليد، تدار بواسطة ذكاء جمعي اصطناعي لا يحتاج إلى رابط اتصال دائم مع المشغل. هذه الأسراب ستشكل تحديًا وجوديًا للدفاعات منخفضة التكلفة لأنها لا تهاجم المنظومة الدفاعية بل تتجاوز قدرتها الاستيعابية وحتى لو تمكن الدفاع من إسقاط تسعين بالمئة من أفراد السرب بتكلفة زهيدة، فإن العشرة بالمئة المتبقية كافية لإحداث ضرر كارثي.

إن معادلة التكلفة والفائدة تنهار هنا لصالح المهاجم، لأن المهاجم يشتري "تأكيد الاختراق" عبر التشبع الكمي والنوعي وهذا السرب لن يكون مجرد طائرات وانما عقدة شبكية مستقلة، بعض أفراده مهمته التشويش والتضحية لاستنزاف الدفاعات، والبعض الآخر للتضليل الحراري والراداري، ولبّه مجموعة ضاربة تختار أهدافها بتنسيق صامت، متخذة قرار الاشتباك في أجزاء من الثانية دون انتظار إذن بشري.

في موازاة ذلك، وعندما تتصاعد فعالية الدفاعات الجوية إلى درجة تنفي فيها جدوى الهجوم الجوي المادي المباشر، سينتقل مركز الثقل إلى مجال آخر تمامًا... سيكون النظام البديل التالي هو أجهزة الهجوم السيبراني-الفيزيائي المدمجة، وهي ذخائر ذكية لا تصمم لتدمير الهدف عبر الانفجار، بل لإسكات الحواس الإلكترونية للدرع الدفاعي. تخيل "مسيرة" ليست مسيرة بالمعنى التقليدي، وانما جراب استطلاع صغير يصل إلى عمق أراضي العدو، ليسقط بهدوء ويمدد مجساته نحو كابلات الألياف الضوئية المدفونة، أو ليزرع فيروسًا خاملًا في شبكة الكهرباء المغذية لرادارات الدفاع منخفضة التكلفة.

في هذه اللحظة، لا يتم تدمير الدرع، فالدرع يُصاب بالعمى والشلل الكلي، ليعود بعدها أرخص درون انتحاري في الترسانة قادرًا على الطيران في سماء باتت مفتوحة وميتة استخباراتيًا. إنها حرب إعادة تعريف "الاختراق"، حيث تصبح الجبهة الأولى هي الطيف الكهرومغناطيسي وشبكات البيانات قبل أن تكون المجال الجوي.

هذا السلاح الهجين سيعمل في المنطقة الرمادية بين الحرب الإلكترونية والتخريب المادي، متجاوزًا بذلك معضلة مواجهة دفاع جوي قوي عبر الالتفاف عليه من الأساس. إن التحول الأعمق الذي تحمله هذه البدائل هو الانتقال من عصر "الطائرة بدون طيار" كمنصة مستقلة إلى عصر "الذخيرة الذكية متعددة المجالات". المنصة القادمة ستكون قادرة على الانتقال بين الأوساط. قد تطلق من اي مكان على بعد مئات الأميال، لتطير مئات الكيلومترات، ثم تغوص في نهر داخل مدينة لتسبح كطوربيد صغير نحو جسر، أو تزحف على اليابسة كحشرة روبوتية لتدخل ملجأً محصنًا.

هذه القدرة على الانتقال بين الجو والبر والماء والفضاء السيبراني في المهمة الواحدة ستجعل عملية بناء دفاع متكامل مضاد لها معضلة اقتصادية وعسكرية لا حل لها تقريبًا. سيتطلب الدفاع ضدها شبكة كثيفة ومعقدة تغطي كل وسط، وهي تكلفة لا تستطيع حتى أغنى الجيوش تحملها لفترة طويلة، مما يعيد عقارب الساعة لصالح المهاجم مجددًا.

في الجوهر، إن نهاية عصر المسيرات بشكله الحالي هي بداية عصر "العتاد المهجور"، حيث تُطلق الذخيرة الذكية وتُنسى، وتتشاور مع مثيلاتها لتشكيل جيش مصغر من الأشباح الإلكترونية في عمق أراضي العدو. القيمة في السلوك المستقل والأثر المتشعب.

ساحة المعركة المستقبلية لن تعرف مصطلح خط الدفاع ستكون فسيفساء من الاختراقات الصامتة والاشتباكات الخاطفة بين أسلاك الكود ونبضات الليزر والمتفجرات الدقيقة.

سيكون النصر فيها لمن يتمكن من إغراق خصمه بفيضان من التهديدات الذكية الرخيصة التي لا ترى بالعين المجردة، ولا تسمع بالأذن البشرية، ولا تستأذن أحدًا قبل أن تغير مسار الحرب. وهكذا، فإن المسيرة الانتحارية التي نعرفها اليوم ليست سوى يرقة بدائية لما هو قادم.

النظام البديل ليس طائرة أفضل، إنه كائن حربي متعدد الأبعاد يرفض تصنيفه كطائرة أصلاً. قد يخرج من فوهة هاون، ثم يسبح في نهر، ثم يزحف على جدار، ثم يطير لمسافة عشرة أمتار فقط ليعبر ساتراً ترابياً، كل ذلك في المهمة الواحدة. قد يتخذ شكل حجر طريق، أو علبة مشروبات غازية ملقاة، ينتظر بصبر الصياد لأيام قبل أن يقرر أن لحظة الاشتباك قد حانت بناء على خوارزمية تقييم ذاتي.

في هذه البيئة، لن يجدي نظام الدفاع منخفض التكلفة الذي تلوح به الجيوش اليوم نفعا فالحرب التي ترسم ملامحها اليوم معامل الأسلحة في كييف وموسكو وغيرها هي حرب زوال المنصة وظهور الذكاء الموزع؛ حرب تذوب فيها الآلة القاتلة في البيئة المحيطة، فتصبح غير مرئية ليس للرادار فحسب، بل للفهم البشري ولقواعد الاشتباك ذاتها. إنها حرب ستجعل من جندي المستقبل يخشى الأرض التي يدوسها أكثر مما يخشى السماء التي تظله، مدركاً أن آلاف القتلة الصغار الصامتين يشاركونه الخندق، بلا قلب وبلا تردد، في انتظار أمر لم يعد يصدر عن بشر.

مقالات مشابهة

  • الملك سلمان يشيد بنجاح الحج: ما رأيناه من خدمة الحجاج يدعو للفخر
  • اغتراب الذات والقصيدة في "ظل يرتسم على المياه البعيدة"
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • صلاح عبد الله يدعو للترحم على سهام جلال: دعونا نركز في الدعاء لها
  • الخلافات انتهت.. الغندور يدعو لتوحيد الصفوف خلف المنتخب في كأس العالم
  • الدبلوماسية والحرب الإعلامية
  • ما بعد عصر الدرون.. أسراب النانو والذخائر المتسكعة ترسم ملامح الحروب المقبلة
  • مندوب الصين بالأمم المتحدة يدعو لوقف فوري لإطلاق النار وانسحاب إسرائيل من لبنان
  • السيسي يؤكد محورية التنسيق بين مصر والولايات المتحدة لتحقيق السلم والاستقرار في الشرق الأوسط
  • رضا بهلوي يدعو أصدقاءه الإسرائيليين لمساعدته في مواجهة تحديات إيران