الدب الذهبي المحاصر.. كيف همّش مهرجان برلين أفلام غزة؟
تاريخ النشر: 3rd, February 2026 GMT
تميز مهرجان برلين السينمائي الدولي (Berlin International Film Festival) عن غيره من المهرجانات الكبرى بكونه الأكثر صراحة في تبني القضايا السياسية بين المهرجانات الأوروبية الرئيسية. نشأ المهرجان في مدينة منقسمة، وتأثر بواقع الحرب الباردة، وبنى سمعته على أفلام واجهت السلطة والصراع والانقسام الاجتماعي بشكل مباشر.
إلا أن الدورة الحالية (السادسة والسبعين للمهرجان)، أثارت جدلاً متزايداً حول ما إذا كان هذا الإرث يتغير الآن بهدوء، من خلال الحذر الإداري، والقلق بشأن التمويل، والضغوط السياسية غير المباشرة. في ظل قيادته الجديدة، برئاسة مديرة المهرجان تريشيا تاتل، يجد مهرجان برلين السينمائي نفسه في خضم مشهد ثقافي ألماني متوتر بشكل متزايد.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2فيلم "يونان".. قصيدة سينمائية عربية عن الوطن المستحيلlist 2 of 2عيون مغلقة وطقوس شيطانية.. الفيلم الذي أعادته وثائق إبستين للحياةend of listويرى النقاد أن النتيجة ليست رقابة صريحة، ولكنها إبعاد ممنهج للأفلام ذات الطابع السياسي الملح، والتي تدافع عن غزة، عن مسابقة الدب الذهبي، وحصرها في أقسام جانبية مثل "المنتدى" (Forum) و"بانوراما" (Panorama)، وهي أقسام تحظى بالتقدير لتجريبها، ولكنها معزولة هيكلياً عن أعلى مستويات التقدير الرمزي والمؤسسي للمهرجان.
تغيير سياسيجاءت بداية هذا التحول خلال دورتي 2024 و2025، وذلك عندما أثارت خطابات توزيع الجوائز وتصريحات السجادة الحمراء وأفلام مختارة تناولت غزة والصراع الإسرائيلي الفلسطيني ردود فعل سياسية عنيفة في ألمانيا. وقد حذر الناقد بيتر برادشو في مقال له بصحيفة "الغارديان" (The Guardian) من أن برلين تدخل مرحلة "لم يعد فيها الخطاب السياسي مجرد نقاش، بل يخضع لرقابة فعّالة من خلال الضغط المؤسسي".
وأشارت الصحيفة لاحقا إلى أن الهيئات الثقافية الألمانية تكافح من أجل التوفيق بين الالتزامات الدستورية بحرية التعبير وبين الإجماع السياسي المتزايد الصرامة بشأن إسرائيل وفلسطين. وبحلول الوقت الذي تولت فيه تريشيا تاتل القيادة رسميا، ورثت ما وصفه أحد تحليلات مجلة "فارايتي" (Variety) بأنه "مهرجان يعمل في ظل حساسية سياسية استثنائية، حيث لم تعد قرارات البرمجة معزولة عن الخطاب الوطني".
إعلانوقد تجسد هذا التوتر في النسخة السادسة والسبعين من خلال مفارقة برمجية ظهرت بوضوح في الأعمال التي تتناول الصراع المعاصر بشكل مباشر، ومنها فيلم "الانهيار" (Effondrement)، للمخرجة أنات إيفن، هو فيلم ذو طابع مقالي ومنهجي صارم، يتناول العواقب الأخلاقية والإنسانية لدمار غزة. وفيلم "إلى أين؟" (Where To?)، وهو عمل روائي طويل من إخراج آصاف ماخنيس، ويعرض خارج المسابقة الرسمية. ويتناول الفيلم المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية من خلال قصص النزوح الفردي، مركزا على كيفية إعادة تشكيل الحدود السياسية للحياة اليومية.
عُرض الفيلمان في المهرجان، لكن لم يقبل أي منهما في المسابقة الرسمية. وعُرض فيلم "الانهيار" (Effondrement) في قسم "المنتدى" (Forum)، بينما عُرض فيلم "إلى أين؟" (Where To?) في قسم "البانوراما" (Panorama).
وبينما يؤكد مهرجان برلين السينمائي الدولي رسميا أن هذه الأقسام جزء لا يتجزأ من هويته، يرى النقاد أن ترتيب الأفلام المشاركة في المسابقة الرسمية مهم. وكما أشارت مجلة "فارايتي"، تستفيد أفلام المسابقة من "أقصى قدر من التغطية الإعلامية، ومشاركة لجنة التحكيم، والانتشار العالمي في المبيعات"، وهي مزايا تحرم منها الأفلام المختارة في الأقسام الجانبية بشكل منهجي.
ووصفت مقالة في مجلة "سايت آند ساوند" (Sight & Sound) ردا على قائمة الأفلام لعام 2026 هذا الهيكل بأنه "شكل من أشكال الاحتواء التنسيقي"، بحجة أن الأفلام الأكثر إثارة للجدل سياسيا يتم الاعتراف بها ولكن يتم إبعادها بعناية عن الجوهر الرمزي للمهرجان.
لم يعلن أي مسؤول في مهرجان برلين السينمائي عن وجود دوافع سياسية وراء هذه القرارات. لكن الحجج الجاهزة هي الضغوط المتعلقة بالميزانية، وإدارة المخاطر، والحفاظ على الذات المؤسسية.
وكانت تريشيا تاتل قد حذرت البرلمانيين الألمان من أن مهرجان برلين السينمائي الدولي يواجه فجوة تمويلية كبيرة لدورتي 2027-2028، مشيرة إلى أنه بدون إصلاحات هيكلية، سيتقلص نطاق المهرجان، وأكدت أن قيود التمويل العام ستستلزم "تحديد أولويات صعبة".
الإنسحاب احتجاجالم تكن عواقب هذا المناخ نظرية فحسب، بل أدت إلى أعمال مقاومة مباشرة. ففي مطلع عام 2024، سحب المخرج الغاني آيو تساليثابا فيلمه "وصول جوي" (Airborne) من المهرجان، احتجاجا على الموقف السياسي الألماني تجاه غزة. وفي بيان نقلته وكالة الأناضول، قال تساليثابا إنه لا يستطيع السماح بعرض عمله ضمن إطار مؤسسي لا يراعي القيم الإنسانية العالمية.
وأصبح انسحابه نقطة مرجعية في المناقشات اللاحقة، كما استشهد به النقاد كدليل على تآكل ثقة صناع الأفلام في حياد مهرجان برلين السينمائي الدولي سياسيا، خاصة بين الفنانين من دول الجنوب العالمي (Global South). وقد انقسمت الآراء النقدية حول نسخة عام 2026 بشكل حاد، إذ يؤكد المدافعون عن المهرجان أن قسمي "المنتدى" (Forum) و"بانوراما" (Panorama) لا يزالان مساحتين حيويتين للسينما السياسية.
وتؤكد بيانات مهرجان برلين السينمائي الدولي على تنوع الأشكال والمواضيع، وتصر على أن المهرجان لم يتخلَ عن رسالته السياسية. لكن النقاد الدوليين ما زالوا غير مقتنعين، إذ أشارت صحيفة "الغارديان" (The Guardian) إلى أن برلين تبدو الآن "أكثر حذرا من "كان" (Cannes) أو "فينيسيا" (Venice) فيما يتعلق بالأعمال ذات الطابع السياسي الصريح"، وهو ما يمثل انقلابا في الأدوار التاريخية.
إعلانولاحظت مجلة "سايت آند ساوند" (Sight & Sound) أنه بينما كانت برلين تكافئ الاستفزاز في السابق، فإنها تبدو الآن عازمة على حماية أرفع جوائزها من أي مواجهة سياسية. وقد طرحت مجلة فارايتي (Variety) القضية بشكل أكثر وضوحا، إذ قالت: "في اقتصاد المهرجانات، يمثل ترتيب الأفلام في المسابقة قوة". وأضافت أن إزالة الأفلام ذات الطابع السياسي من هذا الفضاء ترقى إلى مستوى التهميش الهيكلي، بغض النظر عن النية.
وخلال النسخ الثلاث الماضية، لاحظ النقاد انخفاضا في حجم البرنامج، وقلة الاختيارات المختلفة في المسابقة، وتحولا بلاغيا نحو التوازن المؤسسي بدلا من المواجهة.
كشفت مهرجان برلين السينمائي الدولي السادس والسبعون عن خط صدع أعمق داخل المؤسسات الثقافية العالمية، حول أسلوب الحفاظ على المشاركة السياسية أثناء العمل داخل أطر وطنية مستقطبة بشكل متزايد.
من خلال استبعاد أفلامه الأكثر جرأة من المسابقة الرسمية، لم يسكت المهرجان المعارضة، بل أعاد صياغتها، ونقل إلحاحها إلى الهامش. ويبقى من غير المؤكد ما إذا كان هذا يمثل إعادة ضبط مؤقتة أم تحولا دائما.
يبدو أن الدب الذهبي، الذي كان رمزا للمقاومة السينمائية، أصبح الآن محور فكرة خطيرة حول مهرجان تشكل بفعل التاريخ السياسي وهل يستطيع الاستمرار في مكافأة الشجاعة السياسية، عندما يكون ثمن ذلك هو التهديد المؤسسي؟
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات مهرجان برلین السینمائی الدولی المسابقة الرسمیة فی المسابقة من خلال
إقرأ أيضاً:
عرض خاص لفيلم “بومة” في الهيئة الملكية الأردنية للأفلام
صراحة نيوز – تحت رعاية سمو الأمير علي بن الحسين رئيس مجلس مفوضي الهيئة الملكية الأردنية للأفلام، وبحضور سمو الأمير عبدالله بن علي وسمو الأميرة جليلة بنت علي، احتفت الهيئة في عرض خاص وأول للفيلم الأردني الروائي الطويل “بومة” للمخرج زيد أبو حمدان، مساء الاثنين في المسرح الخارجي للهيئة.
وقبيل عرض الفيلم الذي حضره عدد من السفراء الأجانب وعدد كبير من المعنيين والمهتمين، أعرب مدير عام الهيئة مهند البكري عن الاعتزاز بهذا الإنتاج المدعوم من صندوق دعم الأفلام في الهيئة، وخصوصا أن هذا الفيلم يحمل العديد من جماليات السرد ويطرح موضوعات مهمة جدا، مشيرا الى أن هذا الفيلم هو الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرج أبو حمدان ويتلقى دعما من الصندوق بعد فيلمه الأول الناجح بنات عبدالرحمن.
وكان مدير الإعلام والبرامج الثقافة في الهيئة أحمد الخطيب أشار في مستهل حفل العرض الخاص للفيلم إلى أن مشاهد الفيلم جرى تصويرها في مناطق متعددة في الأردن وعدد من أحياء عمان ومنها القسطل وجرش وأحياء جبل عمان والوحدات وبيادر وادي السير ووادي الحدادة.
وبين أن الفيلم الذي حصل على منحة الإنتاج من صندوق الأردن لدعم الأفلام، لعب بطولته الرئيسة الفنانة راكين سعد وشارك فيه الممثلون فرح بسيسو وحابس حسين ومجد عيد وجوانا عريضة ومعتز اللبدي وكرم الزواهرة ونبيل الراعي وآخرون.
ولفت إلى أن العرض العالمي للفيلم سيكون بعد 15 يوما في مهرجان شنغهاي السينمائي الدولي للأفلام في الصين، مبينا أن هذا المهرجان يعد من أبرز مهرجانات السينما العالمية وأكبر مهرجان سينمائي في آسيا.
وأشار الى أنه الى جانب فيلم “بومة” سيعرض في ذات المهرجان، الفيلم الأردني الروائي الطويل “غرق” أيضا.
وتحدث المخرج أبو حمدان في كلمة له عن الفيلم، مستعرضا ظروف التحضير والإنتاج والعمل.
وقدم شكره للهيئة وصندوق دعم الأفلام.
وتلا ذلك عرض الفيلم الذي يتناول حكاية ذات بعد اجتماعي وإنساني بأسلوب درامي وحركي، فتاة أمية لم تحظَ بفرصة في الحياة ونشأت بلا أسرة، في حي شعبي يجتاحه الفقر ضمن ظروف قاسية حولتها إلى ممارسة أخذ “الاتاوات” على بائعي وبائعات البسطات في أسواق شعبية ومخالطة ذوي السوابق والمطلوبين أمنيا وكذلك الخارجين من مبرات الأيتام، إلا أنها رغم ما تبدو عليه من قسوة وسلوكيات مخالفة للأعراف والقانون، تتمتع بحس مرهف وعاطفة تجاه الأطفال والنساء المعنفات وتعيش ألم داخلي بسبب ما عايشته من ظروف قاسية اوقعتها بما هي فيه.