توجيهات الرئيس تفضح عجز صناع القرار
تاريخ النشر: 4th, February 2026 GMT
الحكومة غائبة.. والبرلمان مجرد «رد فعل»مصطفى بكري: ليس من الطبيعى أن ننتظر تدخل الرئيس فى كل قضية.. والحكومة مطالبة بقيادة الملفاتناجى الشهابى: الرئيس يقود الاتجاه العام ويعيد ترتيب أولويات الحكومة.. والتحرك بعد الإشارةد. حسن سلامة: ضرورة إعادة النظر فى قنوات صناعة القرار
فى كل مرة تشتعل فيها قضية مجتمعية كبرى، لا يتجه الرأى العام بأنظاره إلى البرلمان بوصفه السلطة التشريعية، ولا إلى الحكومة باعتبارها الجهة التنفيذية المنوط بها اقتراح السياسات العامة وصياغة القوانين، بل يتجه مباشرة إلى قمة السلطة.
آخر هذه الأمثلة كان توجيه الرئيس عبدالفتاح السيسى بسن تشريعات تحظر وتقيّد تداول الأطفال دون سن 16 عامًا لمواقع التواصل الاجتماعى، فى ظل تصاعد القلق المجتمعى من تأثيرات السوشيال ميديا على النشء.
وقبلها كانت قضية الإيجار القديم، لكنهما أعادا طرح سؤال أقدم وأعمق: لماذا ننتظر دائمًا تدخل الرئيس السيسى لبدء النقاش التشريعي؟ وأين الحكومة؟ وأين البرلمان من دورهما الرقابى والتشريعى الطبيعي؟
وفى هذا الصدد تحدث النائب مصطفى بكرى، عضو مجلس النواب، عن العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، وحدود المسئوليات، خاصة مع تكرار تدخل الرئيس عبدالفتاح السيسى لتوجيه الحكومة نحو سن قوانين أو اتخاذ قرارات حاسمة تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
وأكد بكرى فى حديثه لـ«الوفد»، أن المهمة الأساسية للحكومة لا تقتصر على إدارة الملفات اليومية فقط، بل تمتد إلى مراقبة المجتمع وقضاياه المختلفة، ودراسة المشكلات المتراكمة، ثم اتخاذ القرارات المناسبة التى من شأنها معالجة هذه القضايا واحتواء تداعياتها، قبل أن تتحول إلى أزمات أوسع نطاقًا. وأضاف أن الدور الطبيعى للحكومة يتمثل فى تحويل هذه الدراسات إلى سياسات عامة ومشروعات قوانين تُعرض على البرلمان لمناقشتها وإقرارها فى إطار تشريعى منظم.
وشدد عضو مجلس النواب على أنه «ليس من المعقول أن ننتظر تدخل الرئيس فى كل قضية مجتمعية»، معتبرًا أن الحكومة والبرلمان هما الجهتان المسئولتان عن هذا الدور، سواء من حيث رصد المشكلات أو اقتراح الحلول أو سن التشريعات اللازمة لمواجهتها. مشيرًا إلى أن هذا يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول مدى فاعلية الأداء المؤسسى، وحدود المبادرة لدى الأجهزة التنفيذية والتشريعية فى التعامل مع التحديات الاجتماعية المتغيرة.
وأشار بكرى إلى أن تدخل الرئيس عبدالفتاح السيسى فى كثير من الملفات يأتى فى إطار الحرص على حماية المجتمع المصرى والحفاظ على تماسكه، موضحًا أن توجيهات الرئيس غالبًا ما تكون دافعًا قويًا لتسريع وتيرة اتخاذ القرار، خاصة فى القضايا التى تمس الأمن الاجتماعى أو الاستقرار القيمى.
وفيما يتعلق بآخر توجيه رئاسى بشأن حظر أو تقييد استخدام مواقع التواصل الاجتماعى للأطفال دون سن 16 عامًا، أكد بكرى أن هذه التوجيهات جاءت فى توقيت بالغ الأهمية، فى ظل ما وصفه بـ«خطر السوشيال ميديا» على النشء، سواء من حيث التأثيرات النفسية أو السلوكية أو القيمية. وأوضح أن الانتشار الواسع للمنصات الرقمية، وما تحمله من محتوى متنوع وغير منضبط فى كثير من الأحيان، يجعل من الضرورى وجود إطار تشريعى واضح ينظم استخدام الأطفال لهذه الوسائل ويحميهم من التعرض لمخاطر قد تترك آثارًا عميقة على المدى الطويل.
وأشار عضو مجلس النواب إلى أن «الكرة الآن فى ملعب البرلمان»، الذى أصبح مطالبًا بالتحرك السريع لإصدار القانون المنظم فى أقرب وقت ممكن، بما يحقق التوازن بين حماية الأطفال واحترام الحريات العامة، وبما يراعى فى الوقت نفسه الواقع التكنولوجى المتغير وسرعة تطور وسائل الاتصال الحديثة.
لكن بكرى عاد ليؤكد مجددًا أن هذا التدخل الرئاسى، على أهميته، لا ينبغى أن يتحول إلى قاعدة عامة فى إدارة الملفات المجتمعية، موضحًا أن الأصل هو أن تكون الحكومة هى الجهة المبادِرة بطرح هذه القضايا وصياغة حلولها التشريعية والتنفيذية، وأن يكون البرلمان شريكًا فاعلًا فى النقاش والمراجعة والرقابة.. وقال إن الاعتماد المتكرر على توجيهات من أعلى الهرم السياسى قد يعكس، فى جانب منه، قصورًا فى أداء بعض المؤسسات عن القيام بدورها الاستباقى فى استشعار المخاطر ومعالجتها قبل تفاقمها.
لفت نظر الحكومة
وفى هذا الإطار، قال ناجى الشهابى، عضو مجلس الشيوخ، إن تدخل الرئيس فى صناعة القرار يتم داخل حيز الدستور وصلاحياته، ويأتى فى الأساس باعتباره «لفت نظر» للحكومة إلى قضايا قد لا تكون على رأس أولوياتها فى لحظة معينة.
وأوضح الشهابى، فى حديثه لـ«الوفد»، أن الحكومة بطبيعتها تكون منشغلة بملفات متعددة ومتداخلة، بعضها اقتصادى وبعضها خدمى أو أمنى، وهو ما قد يدفع بعض القضايا المجتمعية إلى التراجع فى سلم الأولويات، رغم خطورتها أو تأثيرها بعيد المدى. ومن هنا، بحسب وصفه، تأتى «كلمة السر فى صناعة القرار»، عندما يتدخل الرئيس لتوجيه بوصلة الاهتمام نحو ملف بعينه، وإعادة وضعه فى مقدمة الأجندة الحكومية.
وأضاف عضو مجلس الشيوخ أن تدخل الرئيس فى مثل هذه الملفات لا يعنى انتقاصًا من دور الحكومة أو تجاوزًا لاختصاصاتها، بل يندرج فى إطار مسئوليته الدستورية بوصفه رئيس السلطة التنفيذية، والمسئول الأول عن رسم الاتجاهات العامة للسياسات الحكومية. واعتبر أن هذا التدخل يمثل فى جوهره إشارة سياسية وإدارية قوية، تدفع الحكومة إلى التحرك السريع وإعادة ترتيب أولوياتها بما يتناسب مع متطلبات المرحلة.
وشدد الشهابى على أن المشكلة الحقيقية لا تكمن فى صدور التوجيهات الرئاسية، وإنما فى مدى التزام الحكومة بتنفيذها وتحويلها إلى سياسات وإجراءات وتشريعات ملموسة على أرض الواقع.
وقال إن الحكومة تكون مقصرة إذا لم تقم بتنفيذ أو إحياء «خطاب التكليف» الموجه من الرئيس، باعتباره وثيقة سياسية تحدد الإطار العام لعملها وأهدافها الرئيسية خلال المرحلة الانتقالية أو الدورية.
قنوات غير متكافئة
والتقط أطراف الحديث الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، مؤكدًا أهمية إعادة النظر فى آليات تواصل مؤسسات صناعة القرار فى مصر، مشيرًا إلى وجود قنوات غير متكافئة وغير كافية للتعامل مع قضايا المجتمع.
وقال سلامة لـ«الوفد»، إن اتخاذ القرار فى كثير من الأحيان تتم بمبادرة مباشرة من الرئيس نفسه، فى ظل غياب قنوات فعالة لرصد احتياجات ومشكلات المواطنين، ما يجعل التدخل الرئاسى متكررًا حتى فى التفاصيل الصغيرة، وهو أمر محمود فى حد ذاته لكنه يشكل عبئًا كبيرًا على القيادة.
وأضاف أن المطلوب ليس تغيير الأشخاص، بل وضع توجيه استراتيجى ورؤية واضحة تُمكن المؤسسات من العمل بشكل استباقى، موضحًا أن غياب هذه الرؤية يجعل من الصعب التعامل مع القضايا بشكل منهجى وفعال.
وشدد سلامة على ضرورة وجود قنوات تنفيذية ورقابية فعالة على مستوى الدولة والحكومة والبرلمان، بالإضافة إلى الدور الحيوى للمجتمع المدنى الوطنى، لضمان متابعة القضايا المجتمعية ومعالجتها بطريقة ممنهجة، وتقليل الاعتماد على التدخل المباشر للرئاسة، بما يعزز كفاءة صناعة القرار ويخدم مصلحة المواطنين على المدى الطويل.
العلاقة بين مؤسسات الدولة
ويعكس هذا النقاش إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين مؤسسات الدولة المختلفة، وحدود الأدوار بينها، وكيفية تحقيق معادلة متوازنة تجمع بين الحسم فى اتخاذ القرار من جهة، وترسيخ العمل المؤسسى القائم على المبادرة والدراسة والمشاركة من جهة أخرى، فبينما يبقى تدخل الرئيس عاملًا حاسمًا فى كثير من القضايا الكبرى، تظل الحاجة قائمة إلى تفعيل أوسع لدور الحكومة والبرلمان، بما يضمن أن تتحول القضايا المجتمعية إلى ملفات عمل مؤسسى منظم، لا مجرد استجابات ظرفية لضغوط الواقع أو إلحاح اللحظة.
فمن حيث المبدأ، يفترض أن تكون الحكومة هى العقل التنفيذى الذى يلتقط المشكلات المتراكمة فى المجتمع، ويحوّلها إلى سياسات عامة، ثم إلى مشروعات قوانين تُعرض على البرلمان بعد دراسات وأثر تشريعى وحوار مجتمعى. لكن الواقع يشير، فى كثير من الملفات، إلى أن هذا المسار لا يبدأ إلا بعد تدخل مباشر من الرئيس.
فى قضية استخدام الأطفال لمواقع التواصل، لم يكن الخطر جديدًا، ولم تكن التحذيرات غائبة. خبراء التربية وعلم النفس يتحدثون منذ سنوات عن الإدمان الرقمى، والتنمر الإلكترونى، والتعرض لمحتوى غير ملائم، وتآكل سلطة الأسرة والمدرسة أمام الشاشات.. ومع ذلك، لم نشهد مبادرة حكومية واضحة ومتكاملة تتحول إلى مشروع قانون شامل قبل أن يأتى التوجيه الرئاسى.
هذا النمط يطرح تساؤلًا صريحًا: هل أصبحت الحكومة فى موقع "رد الفعل" بدلًا من موقع "الفعل"؟ وهل تنتظر الضوء الأخضر من أعلى الهرم السياسى للتحرك فى ملفات تمس الأمن الاجتماعى والثقافي؟
الدستور يمنح البرلمان سلطة التشريع والرقابة على الحكومة. نظريًا، هو ساحة النقاش العام، ومختبر الأفكار، ومنصة تحويل هموم المجتمع إلى نصوص قانونية. عمليًا، يبدو أن كثيرًا من القوانين الكبرى تبدأ من خارج البرلمان، ثم تصل إليه فى صورة "توجيه" أو "تكليف"، فيتحول النقاش من سؤال "هل نحتاج هذا القانون؟" إلى سؤال "كيف نُنجز هذا القانون بسرعة؟".
فى ملف تنظيم استخدام الأطفال للسوشيال ميديا، كان يمكن أن يكون البرلمان هو من يفتح الملف عبر لجانه النوعية: لجنة التعليم، لجنة الاتصالات، لجنة الشئون الدستورية والتشريعية. كان يمكن أن نرى جلسات استماع، ودعوة خبراء، ونقاشًا علنيًا حول حدود الحرية والرقابة ودور الأسرة والدولة. لكن ما حدث هو العكس: التوجيه جاء من الأعلى، والبرلمان يستعد للترجمة التشريعية.
هنا لا يصبح البرلمان غائبًا بالكامل، لكنه يتحرك غالبًا فى إطار ردّ الفعل، لا فى إطار المبادرة، وهو ما يضعف صورته كسلطة مستقلة تصنع الأجندة التشريعية بدلًا من أن تكتفى بتنفيذها.
لماذا يتدخل الرئيس دائمًا؟
السؤال لا يتعلق بنوايا التدخل، بقدر ما يتعلق بطبيعة النظام السياسى وآلية اتخاذ القرار. الرئيس، بحكم موقعه، يرى الصورة الكبرى، ويتدخل عندما يشعر أن ملفًا ما يهدد الاستقرار الاجتماعى أو الأمن القومى أو تماسك الدولة. فى كثير من الحالات، يكون هذا التدخل حاسمًا وفعّالًا، ويدفع مؤسسات الدولة إلى التحرك بعد فترات من الجمود أو التردد.
لكن الاعتماد المتكرر على هذا النمط يخلق مفارقة: قوة الدفع تأتى دائمًا من الأعلى، بينما تضعف ديناميكية المؤسسات فى الأسفل. ومع الوقت، يترسخ انطباع عام بأن "كلمة السر" لأى ملف كبير ليست فى الحكومة أو البرلمان، بل فى تدخل مباشر من الرئيس، وهذا لا يعنى أن الرئيس يتجاوز المؤسسات بقدر ما يعنى أن المؤسسات لم تملأ المساحة المفترض أن تشغلها بالكامل.
نموذج كاشف
قضية تنظيم استخدام الأطفال لمواقع التواصل الاجتماعى كاشفة لهذا الخلل البنيوى. فهى تمس التعليم، والصحة النفسية، والإعلام، والاتصالات، والأسرة، والأمن المجتمعى. ملف بهذه التشابكات كان يفترض أن يكون مطروحًا منذ سنوات على طاولة الحكومة والبرلمان، عبر استراتيجية متكاملة: تشريع، توعية، رقابة، ودعم للأسرة والمدرسة.
لكن تحريكه تشريعيًا جاء عبر توجيه رئاسى، لا عبر مبادرة مؤسسية مكتملة من الحكومة أو البرلمان. وهذا يعيد طرح السؤال الجوهري: هل نملك نظامًا يصنع السياسات بشكل استباقى، أم نظامًا يتحرك غالبًا تحت ضغط اللحظة وتدخل القمة؟
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الرأى العام السلطة التشريعية تداول الأطفال الرئيس عبدالفتاح السيسي
إقرأ أيضاً:
ايسوزو الأردن تدخل الحلبة مع RFC لدعم الرياضة الأردنية
صراحة نيوز – استناداً إلى النجاح الضخم الذي حققته بطولة Royal Fighting Championship (RFC) في فعاليتها الأولى بالتعاون مع شركة القدرة لتجارة السيارات – ايسوزو الأردن، أعلنت الجهتان عن توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية تُعدّ من أبرز خطوات دعم الرياضات القتالية والمواهب الشابة خلال العام الجاري. وتمثل هذه الاتفاقية امتداداً طبيعياً للنتائج المتميزة التي أثمرت عنها الشراكة السابقة، وترسيخاً لدور القطاع الخاص في تمكين الرياضيين الأردنيين.
وجرى توقيع الاتفاقية في عمّان بحضور كل من:
خالد محمد عليان ممثلاً عن شركة القدرة لتجارة السيارات – ايسوزو الأردن وعلي القيسي مؤسس ومالك منظمة (RFC) للفنون القتالية المختلطة
حيث شدّد الطرفان على أهمية تعزيز التعاون لتطوير بيئة تنافسية احترافية للرياضات القتالية في الأردن.
وتأتي هذه الشراكة لدعم بطولة RFC رسميًا التي تُعدّ من أهم البطولات في الفنون القتالية المختلطة على المستويين المحلي والإقليمي عبر الارتقاء بالتجهيزات، وتحسين مستوى التنظيم، وتقديم تجربة احترافية أكثر تقدماً للرياضيين والجمهور. ومن المتوقع أن تُسهم الاتفاقية في توسيع نطاق البطولة وزيادة حضورها الإعلامي والجماهيري، بما يعكس الارتفاع المتواصل في شعبية الرياضات القتالية داخل المملكة.
ويُذكر أن ايسوزو الأردن تُعدّ الراعي الحصري لقطاع السيارات لبطولةRFC، وهو ما يعكس الثقة المتبادلة بين الطرفين، خصوصاً بعد النجاح المشترك للفعالية الأولى الذي شكّل دافعاً لتوسيع آفاق التعاون واستثمار الزخم الإيجابي.
وأكدت شركة ايسوزو الأردن أن اهتمامها بالمشهد الرياضي يأتي من إيمانها بأن الرياضة تُعدّ أحد أهم محركات التطور المجتمعي وتعزيز مشاركة الشباب، مشيرة إلى أن دعم المبادرات الرياضية جزء أساسي من مسؤوليتها الاجتماعية. كما أوضحت أن دورها لا يقتصر على قطاع السيارات فقط، بل يمتد لدعم فعاليات مجتمعية وتنموية ذات أثر مستدام.
من جانبها، أعربت إدارة RFC عن اعتزازها بالشراكة المتجددة مع ايسوزو الأردن، معتبرة أنها خطوة استراتيجية ستُسهم في نقل البطولة إلى مستويات أعلى من الاحتراف والتنظيم، وتمكين اللاعبين الأردنيين من المنافسة إقليمياً ودولياً ضمن بيئة رياضية متكاملة.
وتؤكد هذه الاتفاقية على التزام مشترك بين الجانبين لتعزيز الثقافة الرياضية وتمكين المواهب الشابة، بما يسهم في بناء هوية رياضية وطنية قوية، ودعم نمو الرياضات القتالية في الأردن.