جزيرة الشيطان…جولة في وثائق إبستين
تاريخ النشر: 5th, February 2026 GMT
رؤساء دول، رجال أعمال، نافذون، ممثلات، عارضات أزياء، فتيات علاقات عامة، سماسرة مال وسلطة وجنس، نساء ورجال، ربطات عنق أنيقة، وبدلات لامعة، وفساتين سهرة أعدت للأناقة والفخامة والسهر المريب، في جزيرة غامضة في البحر الكاريبي، تحولت إلى ملكية خاصة.
ومن داخل أروقة وزارة العدل الأمريكية تسرب أكثر من ثلاثة ملايين وثيقة مما بات يعرف بـ”وثائق إبستين” التي كشف عن عالم مريب، محاط بالأسرار، ومكتنز بالشذوذ والطقوس الشيطانية المرعبة.
بطل تلك الوثائق هو جيفري إبستين، رجل الأعمال الأمريكي اليهودي (غالباً ما لا يتم ذكر ديانته، لأسباب معروفة) الذي وجهت له تهم جسيمة من حجم ممارسة الجنس مع قاصرات، ناهيك عن جرائم الاتجار بالجنس التي كان يمارسها لصالح مشاهير المال والأعمال والسياسة، حسبما كشفت تلك الوثائق.
أما إبستين فقد ألقي القبض عليه، ووجهت له تهم عديدة، وظل في مركز احتجاز أمريكي إلى أن وجد منتحراً في سجنه، عام 2019، وهو الحدث الذي تم التشكيك في كونه انتحاراً، قدر ما هو عملية اغتيال من قبل أطراف رأت أن بقاءه على قيد الحياة سيعرض مستقبلها المالي والسياسي وشهرتها العالمية للخطر، وربما يزج بها في السجن، حسب بعض الروايات.
وقبل وفاة إبستين بعشر سنوات، في 2009، تظهر غابرييلا ريكو خيمينيز، وهي عارضة أزياء مكسيكية داخل فندق فاخر في مدينة مونتيري، في حالة انهيار عصبي ونوبة هلع شديدة، بعد حضورها حفلاً ضم شخصيات من النخبة.
كانت تصرخ :
“إنهم يأكلون لحوم البشر… رائحة لحوم البشر كريهة… لقد قتلوا صديقتي”.
كلام مرعب كانت غابرييلا تتلفظ به وهي في حالة أقرب إلى الهذيان، بعد صدمة نفسية عنيفة، تعرضت لها، أثناء سهرة باذخة في ثرائها المادي، وتختمها الجسدية، وبعدها اختفت عارضة الأزياء تمامًا، عقب انتشار مقطع الفيديو الذي ظهرت فيه منهارة، تهذي بعبارات بعضها غير مفهوم، الأمر الذي أبقى مزيداً من الشكوك حول طبيعة عمل إبستين.
فيما بعد ظهرت وثائق تُشير إلى ممارسات شبيهة بما كانت تصرخ به العارضة خيميتيز، من بينها ادعاءات تتعلق بطقوس غريبة، وأكل لحوم البشر، وقتل أطفال، وممارسة جنس بشكل علني بين نساء ورجال، ونزيف دماء، وقطع أعضاء بشرية، وأوصال لأطفال، وإزالة أمعائهم، واغتصاب رجال ونساء، وطقوس شيطانية لا يمكن أن يصدق عقل أنها تصدر عن بشر، ناهيك عن صدورها عن مشاهير يتمتعون بسمعة دولية واسعة.
يصرخ معلق تلفزيوني: هذا العالم يتحكم به اللصوص، ويقول آخر: لكن العبارة غير مكتملة. العالم يتحكم به السفلة والشاذون، وممارسو طقوس عبادة الشيطان، في عرض أشبه بفلم رعب، ابتكره خيال مؤلف بلغ منتهى الإيغال في الخيال.
هل البحث عن المتعة كان الدافع الوحيد وراء هذه الجزيرة التي أعادت سرديات سينمائية عن جزائر الشيطان الكامنة في المحيطات النائية، وعن كنوزها وأسرارها وطقوسها المريبة المرعبة؟
لكن، هل البحث عن المتعة كان الدافع الوحيد وراء هذه الجزيرة التي أعادت سرديات سينمائية عن جزائر الشيطان الكامنة في المحيطات النائية، وعن كنوزها وأسرارها وطقوسها المريبة المرعبة؟
لا يمكن بالطبع إغفال دور الغريزة في بروز قصة الرعب هذه، ولكن يحدث أن تكون الغريزة مصيدة، ينصبها صياد ماهر يختفي بالقرب، مراقباً دخول “الصيد” داخل مصيدته، قبل أن يحكم إغلاقها، للتحكم بالفريسة التي هي في قصة إبستين ومن وراءه “فريسة مفترسة”، في الوقت ذاته.
تذهب تقارير عدة إلى أن جيفري إبستين كان يعمل جاسوساً لصالح إسرائيل، وأن الغرض من دعوته لزعماء وساسة ورجال أعمال وفنانين وفنانات، والغرض من الممارسات الوحشية التي كان يقوم بها أولئك الذين يطلون علينا بمظهر حضاري، الغرض كان الابتزاز، كوسيلة من وسائل اللوبي الإسرائيلي لتطويع وترويض القيادات السياسية والمالية والإعلامية والبارزة على الساحات المختلفة.
من هنا يُلحظ أن التسريبات المخلة والشائنة تأتي في المواسم الانتخابية، لأغراض محددة.
ويدعم هذا الطرح – أي طرح عمل إبستين لصالح اللوبي الإسرائيلي – كون إبستين لم يكن يملك مؤهلات علنية، ولا مهارات فائقة تؤهله للوصول إلى ما وصل إليه، وإن كان لا يفتقر إلى مهارات أخرى كشفت عنها وثائقه المسربة، مهارات ربما كانت السبب وراء ما وصل إليه من ثراء ونفوذ.
وبغض النظر عن الهدف من إقامة تلك الجزيرة التي تشبه “مغارة الغول”، فإنها وصاحبها وروادها يقومون دليلاً قاطعاً على انحدار مستوى الأخلاق لدى كثير من النخب العالمية، كما تقوم دليلاً على قدرة تلك النخب على التلون والنفاق.
وعلى الرغم من أنه يصعب وضع جميع من اتصل بإبستين في سلة الإدانة، أو في سلة إدانة واحدة، إلا أن ورود أسماء شخصيات عالمية ضمن ملفات إبستين يثير الكثير من الشكوك والشبهات، على اعتبار وجود قرائن، وإن كانت لا ترقى لمستوى أدلة الإدانة، غير أنها تثير الشبهات.
وفوق ذلك فإن التحفظ الرسمي الأمريكي من وزارة العدل على أغلب تلك الوثائق يشير إلى خشية حقيقية لدى المنظومة الرسمية من انهيار الثقة في النخب الأمريكية والعالمية، والخشية من تفجر فوضى عارمة يصعب التكهن بمآلاتها، حال انكشاف الحقيقة عارية. ومن هنا فإن ما نشر حتى اللحظة من هذه الملفات يعد نسبة بسيطة جداً، رغم فظاعة ما تكشف عنه من جرائم، خاصة وأن ما نشر يعد معلومات طفيفة تحتاج إلى اكتمال الصورة، بالكشف عن مزيد من الوثائق أو باللجوء للتحليل والاستنباط.
اللافت في أمر هذه الملفات، والباعث على مزيد من الشكوك أن كثيراً من الأسماء التي وردت في وثائق إبستين أنكر أصحابها علاقتهم به، غير أنهم عندما نشر المزيد من الوثائق اضطروا للاعتراف بتلك العلاقة، مع إصرار على عدم ارتكاب أي من الجرائم الواردة في تلك الوثائق.
بقيت الإشارة إلى أن إبستين وزبائنه ما هم إلا تجلياً لعقود، بل لقرون من محاولات إفراغ الإنسان من روحه، وحصره في جسده، ومن ثم اختصار الجسد، في البطن والأعضاء التناسلية. هذه النظرة للإنسان أسستها – مع الأسف – نظريات لبست ثوب الفكر والفلسفة، وزعمت تحرير الإنسان من قيود الأديان والأخلاق التقليدية، لينطلق الإنسان نحو آفاق تتفجر فيها قدراته وإبداعاته.
وبالفعل فقد انطلق الإنسان الذي تم اختصاره في جسده، انطلق هذا الإنسان، نحو جزيرة إبستين، جزيرة الشيطان التي تعد تجسيداً حقيقياً لثلاثي السلطة والثروة والجنس، ذلك الثلاثي الذي يتحول معه الإنسان إلى حيوان موغل في شهوانيته وشيطانيته.
القدس العربي
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه مشاهير الجزيرة الجزيرة انتهاكات مشاهير ابستين سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد سياسة اقتصاد سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تلک الوثائق
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.