تعظيم دور التمويل ليس السبيل إلى تحسين الصحة العالمية
تاريخ النشر: 5th, February 2026 GMT
على مدار نصف القرن الماضي، كانت اقتصاديات الصحة العالمية واضحة ومباشرة. كانت الدول الغنية تقدم الـمِـنَح للدول الفقيرة، التي كانت تستخدم الأموال لتلبية احتياجات سكانها الصحية. وكان النجاح يُقاس بالخدمات المقدمة أو الأرواح التي تُنقَذ بالفعل، وليس بالميزانيات المنضبطة. ورغم أن هذا النموذج كان بعيدا عن الكمال، فإن النهج الذي يحل محله الآن ــ والذي يركز على استخدام أدوات مثل الضمانات والتمويل المختلط لاجتذاب رأس المال الخاص ــ يهدد بتحقيق نتائج أشد سوءا.
لا يخلو الأمر من انتقادات مشروعة للنهج القائم على الـمِنَح. فالمنح محدودة، وتعتمد على ميزانيات عامة محدودة، وتخضع لسياسات البلدان المانحة. وقد ركدت مساعدات التنمية الرسمية (ODA) المخصصة للصحة بالقيمة الحقيقية منذ أواخر العقد الثاني من القرن الحالي، على الرغم من تزايد الحاجة إليها. علاوة على ذلك، يستخدم النظام القائم على المنح برامج صحية رأسية، والتي تعزز أهدافا محددة، وقابلة للقياس، وضيقة، وغالبا ما تكون قصيرة الأمد. ولأن هذه البرامج مقيدة بأنظمة مشتريات، ومتطلبات إبلاغ، وأولويات خاصة بها تتوازى مع الأهداف الوطنية الشاملة، فإنها تؤدي في الغالب إلى أنظمة صحية أكثر تجزئة، وليست أقوى.
الأمر الأكثر أهمية أن النظام القائم على المنح يجعل المستفيدين مسؤولين أمام المانحين، وليس أمام المواطنين. وتعمل «الاعتمادات» التي يخصصها المانحون ــ والتي تقصر المساهمات على مشاريع أو أهداف أو أماكن بعينها ــ على خلق حوافز معاكسة، لأنها غالبا ما تكون ضيقة النطاق وتعكس فِـكرا قصير الأجل. نتيجة لهذا، قد تجد البلدان نفسها مع عيادات متألقة لعلاج السل، ولكن دون أموال لخدمات صحة الطفل الأساسية. وغالبا ما تولد المنح التبعية، حيث تنهار الخدمات بمجرد نضوب معين الأموال.
ومع ذلك، بدلا من معالجة نقاط الضعف التي تعيب النظام القائم على المنح، تريد مؤسسات تمويل التنمية والبلدان المانحة إلغاءه، بحجة أن احتضان «رأس المال المحفز» من الممكن أن يحقق التوسع دون الحاجة إلى ميزانيات متزايدة الضخامة. وقد وَجَد تقييم مستقل أن مجموعة البنك الدولي أصدرت بشكل جماعي أكثر من 60 مليار دولار من الضمانات في الفترة 2015-2024، أغلبها لحشد استثمارات خاصة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. وتروج مؤسسات تمويل التنمية الآن لنسب الإضافة ــ «مقابل كل دولار من الأموال العامة، تقدم المصادر الخاصة 5 دولارات» ــ كمقياس أساسي للنجاح، بما في ذلك في الاستثمارات المرتبطة بالصحة.
ولكن بمجرد أن نتجاوز المصطلحات، يصبح من الواضح أن هذه البنية الجديدة تشوه مشهد المخاطر بطرق تُـفضي إلى توزيع الخسائر على المجتمع، مع خصخصة الأرباح والسيطرة. المقصود هنا هو تغيير طبيعة توزيع المخاطر، بطبيعة الحال. على سبيل المثال، تنطوي الضمانات على تعهد من جانب كيان ما (عام أو خيري عادة) بالتدخل إذا تخلف المقترض عن سداد قرض من مستثمرين من القطاع الخاص. إن تمكين فاعلين من القطاع الخاص من التمتع بمزايا مالية ومزايا السُـمعة، في ظل مخاطر سلبية محدودة، يقلل من تكلفة رأس المال للمشاريع التي تعتبر ذات قيمة اجتماعية.
لكن النتائج بعيدة كل البعد عن أن تكون إيجابية. يدّعي المانحون الحصافة المالية، لكنهم يتعهدون بالتزامات تتحقق عندما تسوء الأمور. ولأن الصدمات المشمولة بالتغطية ــ مثل انخفاض قيمة العملة، وانعدام الاستقرار السياسي، والتغيرات التنظيمية، وضعف الطلب ــ شائعة للغاية في البلدان الأدنى دخلا، فإن احتمالات اضطرار المانحين إلى السداد بالكامل عالية. من ناحية أخرى، تظل الحكومات المتلقية مقيدة بالتزامات السداد، التي تكون غالبا مقومة بالعملة الأجنبية.
لنتأمل هنا تصنيع اللقاحات. من الممكن أن تعمل الضمانات على التقليل من المخاطر التي تواجهها المصانع وتشجع الإنتاج المحلي ــ وهذه منفعة عامة حقيقية، لا سيما في منطقة مثل أفريقيا، التي تستورد أكثر من 99% من لقاحاتها. لكن الطلب على اللقاحات متقلب؛ وتعتمد المشتريات بشكل كبير على المانحين؛ والهوامش ضئيلة. لجعل المشاريع قابلة للتمويل، تمتد الضمانات غالبا إلى ما وراء تكاليف البناء لتغطي مخاطر الشراء أو خسائر أسعار الصرف لسنوات. عندما انهار الطلب على اللقاحات بعد جائحة كوفيد-19، لم تختفِ التزامات الشركات المصنعة؛ بل انتقلت إلى الجهات العامة التي أخذت على عاتقها تحمل المخاطر.
تؤثر عملية إعادة توزيع المخاطر على هذا النحو على عملية صنع القرار. فلا يوجد لدى الجهات الخاصة حافز كبير لممارسة الانضباط عندما تعلم أن خسائرها مُغطاة بالضمانات. وتصبح الجهات الضامنة المحملة بالمخاطر أكثر ميلا إلى التركيز على الجدوى المالية للمشاريع، وليس احتياجات النظام الصحي.
وتكون الأفضلية للخدمات المدرة للدخل (المستشفيات الحضرية، والتشخيص، والرعاية التخصصية) على الاستثمارات ذات الهامش الأدنى (الرعاية الأولية، ورواتب العمال، والعيادات الريفية) التي توفر مكاسب صحية أكثر فعالية من حيث التكلفة. حتى أن معظم الاستثمارات الصحية الخاصة التي حشدتها مؤسسات تمويل التنمية في البلدان المنخفضة الدخل ذهبت في اتجاه المستشفيات والمرافق المتخصصة.
الواقع أن الضمانات تتملق الاعتقاد التكنوقراطي بأن العائق الرئيسي أمام الصحة العالمية هو المال ــ وبشكل خاص، بنية التمويل. لكن العائق الأكبر هو السياسة، في كل من البلدان المانحة والمتلقية. من غير الممكن أن تخلق الضمانات تمويلا صحيا مستداما في ظل ضعف القاعدة الضريبية، وارتفاع أعباء الديون، وتدني مستويات الثقة في المؤسسات العامة. تنفق البلدان المنخفضة الدخل الآن على خدمة الديون الخارجية أكثر مما تنفق على الصحة العامة ــ وهو عائق لا يمكن لأي قدر من النفوذ التغلب عليه.
علاوة على ذلك، لن يتسنى للضمانات أن تغير الاقتصاد السياسي المحلي. فالحكومات لا تستثمر بالقدر الكافي في الصحة حتى عندما يكون رأس المال متاحا، لأن الإنفاق على الصحة يوفر فوائد غير محددة، في حين توفر أولويات أخرى ــ الأمن، والمحسوبية، والبنية الأساسية المرئية ــ عوائد سياسية أكثر تركزا. ولا تكفي الضمانات لتوفير الإنفاق المتكرر الطويل الأجل ــ بما في ذلك على الموظفين، والصيانة، واللوجستيات ــ اللازم للحفاظ على سير النظام الصحي. ذلك أن رأس المال الخاص يكره النفقات العامة ونفقات التشغيل؛ ويفضل الأصول، والعقود، والمخارج.
هذا لا يعني أن الضمانات لا مكان لها في الصحة العالمية. ولكن يجب استخدامها باعتدال وشفافية ولأغراض عامة حقيقية، مثل التأهب للاستجابة للجوائح الـمَرَضية، أو القدرة التصنيعية الإقليمية، أو أنظمة المراقبة عبر الحدود. ويجب تقييمها ليس من حيث حجم رأس المال الخاص الذي تحشده، بل ما إذا كانت تعمل على تعزيز الأنظمة الصحية دون تحويل المخاطر غير المستدامة إلى الحكومات الهشة.
من ناحية أخرى، يتعين على المانحين الوفاء بالتزاماتهم الحالية بتقديم المنح وزيادة مساعدات التنمية الرسمية الإجمالية. ويجب بذل الجهود لدعم حشد الموارد المحلية في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، على سبيل المثال، من خلال تعزيز الأنظمة الضريبية وتحسين الحوكمة.
لا تعاني الصحة العالمية من نقص في الأدوات المالية الذكية. إنها تعاني من نقص في التمويل الذي يمكن التنبؤ به لدفع رواتب العاملين في التمريض، وإبقاء العيادات مفتوحة، وضمان وصول الأدوية في الوقت المحدد. قد تروق لغة الضغط والنفوذ لأولئك الذين يتخذون قرارات التمويل، ولكنها لن تفعل الكثير لإصلاح الأنظمة الصحية على أرض الواقع.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الصحة العالمیة القائم على فی البلدان رأس المال
إقرأ أيضاً:
وزير الصحة: الاستثمار في القطاع الصحي يحقق نموًا اقتصاديًا أكثر استدامة
شهد الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، المؤتمر السنوي الرابع للجمعية العربية لاقتصاديات الصحة، تحت عنوان “الصحة الشاملة في المنطقة: تأثيرها على المريض والأسرة والاقتصاد والمجتمع”.
وقد حضر المؤتمر، الدكتور نعمة عابد ممثل منظمة الصحة العالمية، والدكتورة هالة السعيد مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الاقتصادية، والدكتور أشرف حاتم وزير الصحة الأسبق، والدكتور سامح السحرتي من البنك الدولي، وعدد من قيادات الوزارة وممثلي الجهات المعنية.
وشارك الدكتور خالد عبدالغفار في جلسة نقاشية ادارتها الدكتورة هبة نصار، رئيس الجمعية العربية لاقتصاديات الصحة، أعرب خلالها عن سعادته بالمشاركة.
وأكد أن اقتصاديات الصحة أصبحت محورًا حيويًا يخدم الصالح العام، إذ لم تعد الصحة تقتصر على الخدمات العلاجية فحسب، بل أضحت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأمن الاقتصادي والاستقرار المجتمعي وأهداف التنمية المستدامة.
وأشار إلى أن الدول التي استثمرت في قطاعها الصحي حققت نموًا اقتصاديًا أكثر استدامة.
التجربة المصرية الرائدةواستعرض الدكتور خالد عبدالغفار التجربة المصرية الرائدة في هذا المجال، مدعومة بالمبادرات الرئاسية ومشروع التأمين الصحي الشامل، الذي يُعد نموذجًا للعدالة الصحية والتضامن المجتمعي. وأوضح أن النظام يغطي أكثر من 3500 خدمة صحية، مع التركيز على رضا المنتفعين كركيزة أساسية، مشيرًا إلى انخفاض ملحوظ في الإنفاق من الجيب في محافظة بورسعيد بعد تطبيق المنظومة.
وأكد الوزير أن الإنفاق الصحي تحول إلى محرك رئيسي للنمو الاقتصادي والاجتماعي، معلنًا مستهدف الدولة برفع متوسط “طول العمر الصحي” إلى 75 عامًا بحلول 2030، من خلال تعزيز الرعاية الأولية والوقاية والكشف المبكر.
وشدد على أهمية الانتقال من علاج المرض إلى التنبؤ به والوقاية منه، باعتباره استثمارًا حقيقيًا في رأس المال البشري ومستقبل الوطن.
الإنجازات الكبيرة التي حققتها مصر في القطاع الصحيمن جانبه، أشاد الدكتور نعمة عابد، ممثل منظمة الصحة العالمية، بالإنجازات الكبيرة التي حققتها مصر في القطاع الصحي، مشيرًا إلى أن تجربة التغطية الصحية الشاملة تمثل نموذجًا هامًا قائمًا على الأدلة.
وأكد أن نجاح الإصلاحات يتطلب بناء قدرات مؤسسية وتعزيز التعاون الإقليمي، مشددًا على استمرار دعم المنظمة لجهود مصر.
وعلى هامش المؤتمر، شارك الدكتور حسام عبدالغفار، مساعد الوزير للتطوير المؤسسي والمتحدث الرسمي، في جلسة نقاشية مع الدكتور أشرف حاتم والدكتور سامح السحرتي، مؤكدًا أن القرار الصحي الرشيد يجب أن يستند إلى الأدلة والبيانات الموثوقة.
واستعرض أسس بناء السياسات الصحية القائمة على الأدلة من خلال أربع ركائز رئيسية: البيانات الموثوقة، القدرة المؤسسية، الاستثمار في الكوادر البشرية، والحوكمة الفعالة.
كما شارك الدكتور محمد حساني في جلسة أخرى حول التعاون العربي المشترك، داعيًا إلى التحول نحو نموذج الرعاية الصحية القائم على القيمة، الذي يركز على جودة النتائج الصحية طويلة الأمد وكفاءة الإنفاق، مستعرضًا جهود الدولة في تطوير أدوات التمويل الصحي مثل صندوق الأمراض النادرة والوراثية.