كشفت دراسة جديدة نشرت في مجلة "ساينس أدفانسز" (Science Advances) أن الماء المختزن في الطبقات الأرضية العميقة، قد لا يختفي كما افترض العلماء طويلا، بل ربما يتحول في الأعماق إلى حالة فيزيائية غريبة تسمح له بالبقاء محفوظا لمليارات السنين قرب قاعدة الوشاح، في واحدة من أكثر مناطق الأرض غموضا وبعدا عن الرصد المباشر.

اعتمدت الدراسة على محاكاة حاسوبية متقدمة لدراسة كيفية تصرف الماء وبعض المعادن الحاملة له تحت ظروف أعماق الأرض القصوى، حيث تتغير خصائص المادة نفسها بصورة جذرية.

(شترستوك)كيف يدخل الماء إلى باطن الأرض؟

يوضح المؤلف الرئيسي للدراسة، الباحث في الجيوكيمياء بقسم علوم الأرض في الأكاديمية الصينية للعلوم ياو هي، أن الصفائح التكتونية عندما تغوص إلى أسفل في مناطق الاندساس تحمل معها ماء مخزنا داخل الصخور والمعادن الرطبة، وهذه العملية تعد الطريق الأساسي الذي ينتقل عبره الماء من سطح الأرض إلى الوشاح، أي الطبقة الصخرية العميقة التي تشكل القسم الأكبر من حجم الكوكب.

لكن الاعتقاد السائد كان أن معظم هذا الماء لا يستطيع أن يصل بعيدا، فكلما هبطت الصخور إلى أعماق أكثر سخونة، تبدأ معادنها بفقدان الماء تدريجيا فيما يعرف بعملية "نزع الماء"، حيث تتحرر السوائل تحت تأثير الحرارة، ثم يعود جزء كبير من هذا الماء لاحقا إلى السطح عبر البراكين.

ولهذا السبب، ظلت فكرة وجود ماء عميق جدا في الطبقات السفلية للوشاح قرب اللب موضع شك كبير، لأن الظروف هناك كانت تبدو قاسية إلى حد يمنع بقاء الماء بأي صورة معروفة.

ويقول الباحث ياو هي في تصريحات للجزيرة إن المفاجأة التي تقدمها الدراسة الجديدة هي أن الماء في الأعماق لا يبقى سائلا أصلا كما نتخيله على السطح، بل يتحول إلى حالة مختلفة تماما تسمى "الحالة فوق الأيونية"، وهي حالة تجمع بين صفات متناقضة على نحو يبدو غير مألوف.

إعلان

ففي هذه الحالة يصبح الماء شبيها بالجليد من حيث البنية البلورية الصلبة التي تنتظم فيها ذرات الأكسجين، لكن في الوقت نفسه تتحرك أيونات الهيدروجين داخله بحرية وكأنها في سائل، مما يجعل الماء في الأعماق ليس سائلا عاديا ولا جليدا عاديا، بل شكلا وسيطا غريبا يحافظ على شبكة صلبة بينما تتحرك داخله الشحنات بسرعة.

وأظهرت المحاكاة أن الماء السائل في أعماق الوشاح غير مستقر، أي أنه يتحول تلقائيا إلى هذا الجليد فوق الأيوني، وهو ما يغير تماما الطريقة التي نفهم بها سلوك الماء تحت ظروف الأرض العميقة، حسب الدراسة.

كان الاعتقاد السائد أن هذا النوع من المعادن يفقد الماء بسهولة كلما هبط إلى الأعماق (غيتي)معدن يحمل الماء بدل أن يفقده

ركزت الدراسة أيضا على معدن مهم جدا يحمل الماء داخل بنيته البلورية، يعرف باسم "دلتا ألومينو-أوكسيهيدروكسيد"، وكان الاعتقاد السائد أن هذا النوع من المعادن يفقد الماء بسهولة كلما هبط إلى الأعماق، لكن النتائج الجديدة تكشف سلوكا مغايرا.

يضيف الباحث: "فقرب الحد الفاصل بين اللب والوشاح، عند ضغط يقارب 140 غيغاباسكالا، وحرارة تصل إلى 3800 كلفن، يدخل هذا المعدن في تحول وصفه الباحثون بأنه "تحول فوق أيوني مزدوج"، حيث تصبح أيونات الهيدروجين والألمنيوم شديدة الحركة داخل البلورة نفسها، وهو ما يمنح المعدن استقرارا غير متوقع ويرفع درجة انصهاره، مما يجعله أكثر مقاومة للتحلل بدلا من أن يجف ويفقد الماء كما كان يفترض سابقا".

ويلفت الباحث ياو هي إلى أن إحدى أهم نتائج الدراسة هي أن فقدان الماء يصبح غير مرجح في هذه الأعماق، ليس فقط لأنه يحتاج طاقة كبيرة، بل لأن الماء هناك لا يوجد كسائل حر يمكنه التسرب بسهولة، بل يوجد في صورة جليد فوق أيوني يكبح الآلية التقليدية لنزع الماء، وبالتالي فإن الصخور الرطبة التي تصل إلى الأعماق قد تحتفظ بمحتواها المائي بدلا من إطلاقه.

وهذا يقود إلى استنتاج بالغ الأهمية -وفق المؤلف الرئيسي- ربما تمتلك الأرض خزانا مائيا هائلا وطويل الأمد قرب قاعدة الوشاح، قادرا على الاحتفاظ بمياه قديمة جدا منذ المراحل الأولى لتشكل الكوكب، أو بمياه دخلت تدريجيا عبر الاندساس على مدى مليارات السنين.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات أن الماء

إقرأ أيضاً:

علي جمعة: التيمم رخصة شرعية عظيمة جاءت للتخفيف ورفع الحرج عن العباد

قال الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن التيمم رخصة شرعية عظيمة جاءت للتخفيف ورفع الحرج عن العباد عند فقد الماء أو العجز عن استعماله.

التيمم في الشرع

وأوضح جمعة أن ختم آية التيمم بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} يدل على لطف التشريع، وسعة عفو الله ومغفرته.

وأضاف أن من رحمة الله عز وجل أنه لم يكلّف العباد بما يشق عليهم عند فقد الماء، ولم يجعل الصلاة تتراكم عليهم حتى يجدوه، وإذا فُقِد الماء وتيمم المسلم وصلّى، فإن صلاته صحيحة، ولا إعادة عليه؛ لأن التيمم بدل شرعي معتبر.

وأشار إلى أن تعبير القرآن: {أَلَمْ تَرَ} ليس المقصود به مجرد الرؤية بالعين، بل هو أسلوب تنبيه واستحضار، كأنه يقول: أخبرني وتأمل هذا الفعل المستنكر، وقوله تعالى: {الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} لا ينبغي أن يُفهم دائمًا على أنه خاص بغير المسلمين فقط، بل على المسلم أن يبدأ بمحاسبة نفسه.

وأكد أن من أُوتي علمًا بالقرآن أو فهمًا للغته أو حفظًا لآياته فقد أوتي نصيبًا من الكتاب، وعليه أن يقوم بحقه، ومن الخطأ الكبير أن ينظر الإنسان إلى عيوب غيره، وينسى عيوب نفسه؛ فالواجب أن يبدأ المرء بنفسه قبل أن يحاسب الآخرين.

وقال إن القرآن كتاب معجز، ومن وجوه إعجازه أنه يُحفظ عن ظهر قلب في كل عصر، ويحفظه الصغير والكبير، والعربي وغير العربي.

وأوضح أن من خصائص القرآن العجيبة أن غير العربي قد يسمعه فيخشع ويبكي، وقد يحفظه بالعربية وإن لم تكن لغته الأصلية، وترجمات معاني القرآن كثيرة، لكنها لا تأخذ حكم القرآن نفسه، ولا تُحفظ في الصدور كما يُحفظ النص العربي المعجز.

ونبه على أن حفظ القرآن في الأمة عبر القرون، وفي شتى البلاد، شاهد متجدد على أنه كتاب من عند الله تعالى.

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • تسريب غريب لـ Pixel Watch 5.. ساعة جوجل القادمة تظهر من أعماق البحر قبل الإعلان الرسمي
  • صناع «إذما» لـ«الوفد»: الفيلم رحلة إلى أعماق النفس البشرية خارج حسابات الأكشن والكوميديا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • جمال شعبان : الإجهاد الحراري وضربة الشمس قد تصيبك بمنزلك
  • وصفات طبيعية تخلصك من رائحة الفم الكريهة.. حلول بسيطة لنفس منعش
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • علي جمعة: التيمم رخصة شرعية عظيمة جاءت للتخفيف ورفع الحرج عن العباد
  • خطة ديتوكس.. خطوات تنظيف الجسم بعد العيد في 7 أيام فقط
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش