الرئيس الصومالي :مايجري في غزة مستوى غير مسبوق من اللاإنسانية
تاريخ النشر: 7th, February 2026 GMT
الثورة نت/وكالات أكد الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود،اليوم السبت، أن ما يجري في غزة “مستوى غير مسبوق من اللاإنسانية” في التاريخ الحديث. واعتبر “شيخ محمود”، خلال مشاركته في منتدى الجزيرة السابع عشر بالعاصمة القطرية “الدوحة”، أن استمرار المأساة الفلسطينية دون أفق سياسي حقيقي يهدد الأمن والسلم الدوليين،محذرًا من أن العالم إن لم يتحرك اليوم، فسيدفع ثمنًا أكبر غدًا نتيجة تفكك منظومة القانون الدولي.
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
كيف يستطيع العالم أن يفعل أكثر بموارد أقل؟
في الثالث من فبراير 2025، وبعد عشرين عاما تماما من وقوف رئيس جنوب إفريقيا الأسبق نيلسون مانديلا أمام حشد يهتف له في ميدان ترافالغار بلندن، لإطلاق حملة عالمية تاريخية من أجل «جعل الفقر جزءا من الماضي»، تلقى موظفو الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية رسالة إلكترونية تطلب منهم عدم الحضور إلى العمل. كانت الوكالة، وهي الذراع الرئيسة للولايات المتحدة في مكافحة الفقر حول العالم، تتعرض، على حد وصف رجل الأعمال الملياردير إيلون ماسك، لأن تُلقى «في آلة فرم الأخشاب». وفي الوقت نفسه، كانت دول أخرى من كبار المانحين في العالم، من بينها فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، تمضي في تخفيضات حادة في إنفاقها على الصحة العالمية والتنمية. وعلى امتداد عام 2025، خفّض المانحون في أنحاء العالم نحو 30 مليار دولار من المساعدات الخارجية.
كان الأثر القصير المدى لهذا التراجع كارثيا. فقد أصبحت أكثر الأمراض المعدية فتكا في العالم، وهي فيروس نقص المناعة البشرية والسل والملاريا، أشد فتكا في العام الماضي. وتشير التقديرات الأولية الصادرة عن معهد القياسات الصحية والتقييم إلى أن تخفيضات المساعدات الصحية أدت إلى وفاة ما يصل إلى 200 ألف طفل إضافي في عام 2025 مقارنة بعام 2024، معظمهم في إفريقيا. ويمثل ذلك أول عام في هذا القرن يرتفع فيه عدد وفيات الأطفال في العالم بدلا من أن ينخفض.
وحتى لو بادرت بعض الدول والمؤسسات إلى سد جزء من الفراغ، فإن المساعدات لن تستعيد كامل عافيتها. وتشير التوقعات إلى أن تمويل الصحة العالمية والتنمية سيظل، حتى عام 2027، أقل بنحو 30 في المائة مما كان عليه في عام 2024. ومن المرجح أن ينخفض بمعدل أشد مع ارتفاع كلفة السلع الأساسية نتيجة الصراع في إيران وحولها، ومع اضطرار الحكومات إلى تحويل مزيد من الموارد نحو الأمن والدفاع. ومع ذلك، ما زال بوسع العالم أن يحقق تقدما بموارد أقل، إذا ضيّقت المؤسسات العالمية أهدافها، واستثمرت في قدرة الدول الفقيرة على التعامل مع مشكلاتها بنفسها. ينبغي أن يكون الهدف الطويل المدى لقطاع المساعدات هو أن يجعل نفسه غير ضروري في المستقبل. ويمكن للاستثمارات الموجهة في المجالات التي تسهم في النمو المحلي وتنمية الإمكانات البشرية أن تدفع العالم نحو هذه الغاية خلال العشرين عاما المقبلة.
كيف ننقذ حياة؟
على امتداد العام الماضي، روّج الذين فككوا الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لأسطورة كبرى، مفادها أن المساعدات غير فعالة في جوهرها ومهدرة للمال. فقد وصف ماسك الوكالة، على سبيل المثال، بأنها «كرة من الديدان» تعمل بأموال «ضرائب مسروقة». وقد نجحت هذه الأسطورة بالفعل في إقناع بعض الناس بأن سخاءهم لا يترك أثرا حقيقيا في العالم، مع أن الحقيقة أن أثره كان تحويليا على نطاق واسع.
لقد حققت الجهود العالمية للحد من الفقر المدقع في هذا القرن نجاحا لافتا. ففي عام 2000، كان 2.2 مليار إنسان حول العالم يعيشون على دخل يعادل ثلاثة دولارات يوميا بأسعار اليوم. وبحلول عام 2015، انخفض هذا العدد إلى مليار شخص. أما اليوم، فقد تراجع إلى 840 مليونا. ولا يعود هذا التقدم فقط إلى الطفرات الاقتصادية في الصين والهند. فمنذ عام 2000، نجحت دول شديدة التنوع، مثل: بنجلاديش وإثيوبيا وإندونيسيا والسنغال، في خفض عدد من يعيشون في فقر مدقع إلى النصف.
كما أصبح الفقر أقل فتكا بكثير، بعدما استثمر العالم في الرعاية المنقذة للحياة، مثل: اللقاحات وتحسين الرعاية أثناء الولادة. فمن عام 2000 إلى عام 2024، زاد متوسط العمر المتوقع في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل بأكثر من ست سنوات. وانخفضت وفيات الملاريا من 839 ألف وفاة سنويا إلى 610 آلاف. وتراجعت وفيات فيروس نقص المناعة البشرية من 1.8 مليون وفاة إلى 627 ألفا. ونجح العالم في خفض عدد الأطفال الذين يموتون قبل بلوغ سن الخامسة إلى النصف، من نحو عشرة ملايين طفل سنويا إلى أقل من خمسة ملايين.
في المجمل، شهدت السنوات الخمس والعشرون الماضية أكبر تحسن في حياة أكبر عدد من البشر في التاريخ، وكان الفقراء في العالم هم المستفيد الأكبر من هذا التقدم. وقد أدت معظم الدول المانحة دورا مهما في دفع هذا التقدم، من دون أن تنفق على المساعدات أكثر من واحد في المائة من ميزانياتها الحكومية السنوية. ومن المفهوم أن يكرس العاملون الذين ما زالوا ملتزمين بقضايا الصحة والتنمية طاقتهم لتفنيد الأسطورة القائلة إن المساعدات فشلت. غير أن عليهم، في الوقت نفسه، أن يحذروا من الغرق في الدفاع عن نجاحات الماضي إلى الحد الذي يفوّتون معه فرصة حيوية لمساعدة المؤسسات العالمية على التطور بما يلائم عصرا جديدا.
مجال للتحسين
رغم أن تخفيضات المساعدات في عام 2025 جاءت نتيجة مباشرة لضغوط الميزانيات وحالة عدم الاستقرار العالمي، فإنها كانت أيضا ذروة سلسلة من المشكلات المتراكمة في بنية التنمية الدولية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية. تمثلت إحدى هذه المشكلات في الفشل في الانتقال من منطق الإحسان إلى منطق الاستثمار في القدرات المحلية، بما يسمح للتقدم بأن يستمر بعد نضوب التمويل الأولي. والبرامج التنموية التي نجحت في إنجاز هذا الانتقال خرجت، في الغالب، من دائرة النقاش في الدول المانحة. خذ مثلا مؤسسة البحوث الزراعية البرازيلية، المعروفة باسم «إمبرابا». ففي سبعينيات القرن الماضي، حين كانت البرازيل تعاني من جوع واسع النطاق وتضطر إلى استيراد معظم غذائها، ساعدت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في إنشاء هذه المؤسسة لتحسين إنتاج الغذاء. ومن خلال تطوير أصناف جديدة من المحاصيل، وتكييف تقنيات التربة والأسمدة مع المناخ البرازيلي، حولت «إمبرابا» منطقة استوائية كان يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها أرضا غير خصبة إلى واحدة من أكثر المناطق الزراعية إنتاجية في العالم. وكانت النتائج مذهلة إلى درجة أن البرازيل أصبحت، في نهاية المطاف، مصدرا رئيسيا للغذاء. لكن لأن «إمبرابا» تديرها الحكومة البرازيلية، فإن دور واشنطن في هذه الثورة الزراعية طواه النسيان إلى حد كبير.
لقد بُني كثير من البرامج التي أصبحت اليوم ركائز ثابتة في نظام الصحة العالمية والتنمية استجابة لأزمات عاجلة، ثم تحولت لاحقا إلى مؤسسات دائمة. فخطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز، على سبيل المثال، لم تكن مصممة كي تكون دائمة؛ ولهذا سميت أصلا «خطة طارئة». غير أن هذه الخطة استمرت أكثر من عقدين. ومن حيث هدفها الأساسي، حققت نجاحا هائلا؛ فقد ساعدت في إنقاذ أكثر من 26 مليون حياة. لكن كثيرا من الدول بات يعتمد الآن على هذه المساعدات في إدارة برامجه الخاصة بمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية، وهو ما يعني أن التقدم في مكافحة المرض يتذبذب كلما تذبذبت دولارات المساعدات.
وقد أصبح واضحا أيضا أن موارد الصحة العالمية والتنمية، خلال العقد الماضي، توزعت على أهداف كثيرة أكثر مما ينبغي، وأن بعض هذه الأهداف لا ينسجم بالضرورة مع أولويات أفقر الدول التي يفترض أن تساعدها. ففي عام 2000، اعتمدت الأمم المتحدة «الأهداف الإنمائية للألفية»، التي ركزت على ثمانية أهداف و18 غاية مرتبطة بالفقر والصحة. أما المبادرة التي خلفتها في عام 2015، والمعروفة باسم «أهداف التنمية المستدامة»، فقد تضخمت لتصل إلى 17 هدفا و169 غاية، تغطي كل شيء، من القضاء على الجوع إلى ضمان صحة «الحياة تحت الماء». وسوف تخفق الغالبية العظمى من أهداف التنمية المستدامة في بلوغ موعدها النهائي في عام 2030، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن الموارد المتاحة لا تكفي لتغطية هذا الاتساع الكبير في الأهداف.
وتكافح مؤسسات التنمية أيضا مع مشكلة عدم الكفاءة. وهذه مشكلة مألوفة في كل البيروقراطيات، ولا سيما تلك التي تدير تحديات تتغير باستمرار. فقبل حلّ الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، على سبيل المثال، كانت هناك أكثر من 20 وكالة حكومية أمريكية تشارك في تقديم المساعدات الخارجية، وهو ما أدى أحيانا إلى ازدواجية في البرامج والأنظمة. كانت تلك مشكلة تستدعي إصلاح بعض الوكالات، لا إلغاءها.
تقادم مخطَّط
إذا كان للعالم أن يواصل إحراز تقدم في مواجهة المرض والفقر في عصر تضيق فيه الموارد، فإن على قادة الصحة العالمية والتنمية أن يغيروا نهجهم. عليهم أن يركزوا على الاستثمار في القدرات المحلية، ووضع أهداف واضحة قابلة للتحقق، وضمان أن تعمل المؤسسات بأكبر قدر ممكن من الكفاءة. وتشير النماذج الاقتصادية التي نستخدمها في مؤسسة جيتس إلى أن منظمات الصحة العالمية والتنمية تستطيع تحقيق تقدم مهم خلال العقدين المقبلين، لكن ذلك مشروط بتحديث استراتيجياتها.
من الضروري أن تنقل مؤسسات التنمية العالمية بعض وظائفها إلى الدول المتلقية للمساعدات، وكثير منها يتطلع إلى قدر أكبر من الاستقلالية. فقد قال رئيس زامبيا هاكيندي هيشيليما، على سبيل المثال: إن تخفيضات المساعدات في الدول المانحة تمثل «تحديا وفرصة» في آن واحد أمام الدول الأفريقية لبناء اقتصادات أقوى وأكثر استقلالا. غير أن الاعتماد على الذات يحتاج إلى أكثر من الإرادة؛ إنه يحتاج إلى موارد. فعندما تخسر دولة ما التمويل ولا تستطيع تعويضه، تكون النتيجة مزيدا من الوفيات والمعاناة التي كان يمكن تجنبها. ومن دون نظام صحي ممول بما يكفي، يهرع الآباء بطفلهم المريض إلى أقرب عيادة، ليجدوا أنها مغلقة، أو مكتظة بالمرضى المحتاجين إلى الرعاية، أو كما أفاد أحد شركاء مؤسسة جيتس في موزمبيق، تعاني نقصا حادا في الإمدادات إلى درجة أنها لا تستطيع أن تقدم لأي مريض سوى نوع واحد من المضادات الحيوية.
نجحت غانا وجنوب إفريقيا وزامبيا في استخدام مواردها الخاصة لسد جزء من فجوة الإنفاق الصحي التي خلفتها تخفيضات المساعدات، غير أن أيا من هذه الدول لم يتمكن من تعويضها بالكامل. أما حكومات أخرى فلم ترفع ميزانياتها الصحية إطلاقا، إما لأنها لم تجعل الصحة أولوية، أو لأنها لا تملك الموارد بسبب تزايد التزامات سداد الديون وتكرار الصدمات الاقتصادية. وبين عامي 2018 و2024، واجهت نحو 100 دولة منخفضة ومتوسطة الدخل أعباء ديون متزايدة استنزفت قدرتها على الاستثمار في الصحة ورأس المال البشري والتنمية الطويلة الأمد. ووجد تحليل أجرته «باجيتي هب»، وهي منظمة كينية غير ربحية، أنه في كينيا كلما ارتفعت خدمة الدين بنسبة 1.0 في المائة، انخفض الإنفاق الصحي بنسبة 1.2 في المائة. واليوم، يدفع الصراع في إيران التضخم إلى الارتفاع، ويجدد الضغط على عملات كثير من الدول منخفضة الدخل، بما يستنزف إنفاقها على الخدمات العامة الأساسية.
السبيل الوحيد للخروج من هذا الفخ هو تحفيز نمو اقتصادي واسع القاعدة، قادر على دعم قاعدة قوية للإيرادات المحلية. والخبر الجيد أن هذا النمو ممكن. فصندوق النقد الدولي يتوقع أن يكون النمو الإجمالي في إفريقيا هذا العام أسرع منه في آسيا. كما أن الابتكارات، ومن بينها الذكاء الاصطناعي، تملك قدرة هائلة على رفع الإنتاجية إذا أحسن القادة توظيفها لمصلحة شعوبهم.
تأملوا الآثار الممكنة للذكاء الاصطناعي في القطاع الزراعي، وهو قطاع يدفع النمو الاقتصادي في مناطق مثل إفريقيا جنوب الصحراء، حيث يعمل معظم السكان في الزراعة. فقد نجحت مؤسسة جيتس وشركاؤها في تجربة أدوات للذكاء الاصطناعي والبدء في توسيع نطاقها، بحيث تمنح المزارعين معلومات متقدمة عن استراتيجيات الزراعة، وصحة التربة، والتنبؤات الجوية، وتربطهم بخدمات الائتمان والأسواق لتحسين المبيعات، وكل ذلك باللغات المحلية. ويعمل البرنامج بالفعل في إثيوبيا والهند وكينيا. وخلال العقد المقبل، يمكن لهذه الأدوات أن تساعد أكثر من 40 مليون مزارع صغير على زيادة دخلهم وإنتاجيتهم بنسبة 25 في المائة، بما يحقق مكاسب اقتصادية قدرها 16 مليار دولار.
لكن لكي تستفيد الدول منخفضة الدخل من فرص النمو مثل هذه، فإنها تحتاج إلى موارد لبناء البنية الأساسية المادية والرقمية التي تجعل هذه الفرص ممكنة. وسيكون على صندوق النقد الدولي، وبنوك التنمية متعددة الأطراف، والمانحين الثنائيين، أن يحشدوا مجموعة شاملة من الأدوات لتخفيف أعباء الديون وفتح المجال أمام الاستثمارات التي تدفع نمو المستقبل. وينبغي أن تشمل هذه الأدوات إعادة هيكلة الديون، ومبادلات الديون بالتنمية، وآليات تمويل توائم بصورة أفضل بين شهية المخاطر والعوائد لدى المستثمرين من القطاعين الخاص والعام، وتفتح التمويل الميسر على نطاق واسع، إلى جانب استمرار التمويل القائم على المنح خلال المستقبل المنظور.
فعل المزيد بموارد أقل
ما دام التمويل القائم على المنح ضروريا، فإن السؤال يصبح كيف يمكن إدارته في عالم تتقلص فيه كتلة أموال المساعدات، ويتراجع فيه حجم ما يُستثمر في الدول الأشد فقرا إلى أدنى مستوياته. ولكي يتكيف المانحون مع محدودية الموارد، سيكون عليهم تضييق أولوياتهم. فعلى مر السنين، باتت المساعدة الإنمائية الرسمية تشمل قائمة واسعة جدا من الأولويات، تمتد من تكاليف اللاجئين في الدول مرتفعة الدخل إلى استثمارات البنية الأساسية في الدول متوسطة الدخل، وهي مجالات يكون تمويلها أكثر ملاءمة لمؤسسات تمويل التنمية.
من الضروري أن يتركز التمويل النادر القائم على المنح اليوم على ما نسميه استثمارات التنمية الأساسية، أي الحد من الفقر ودعم الصحة والتعليم. فمن خلال الاستثمار في القطاعات التي ستقود النمو والفرص مستقبلا، تستطيع الدول، مع مرور الوقت، الانتقال من الاعتماد على المساعدة الإنمائية إلى تمويل احتياجاتها بموارد محلية أكبر وبقدرة أفضل على الوصول إلى رأس المال الخاص. وبالطبع، ينبغي للمانحين أن يواصلوا تمويل المنح الطارئة أثناء النزاعات أو الكوارث الطبيعية. غير أن استثمارات التنمية الأساسية تظل ضرورية لبناء رأس المال البشري على المدى الطويل، ولا يمكن للتمويل التجاري أن يحل محلها بسهولة.
تحتاج الاستثمارات في رأس المال البشري إلى وقت كي تؤتي ثمارها، ولذلك ينبغي أن يضع المانحون توقعات واقعية. وسوف تحتاج معظم الدول النامية إلى عقد آخر على الأقل من المنح لتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية في الصحة والتعليم، مع تحفيز النمو اللازم للوصول إلى الاكتفاء الذاتي. وينبغي أن يكون الهدف أن تتمكن الغالبية العظمى من أفقر دول العالم، خلال عشرين عاما، من توليد ما يكفي من الازدهار للانتقال كليا من الاعتماد على مساعدات الصحة والتنمية. غير أن تحقيق هذه الرؤية يتطلب استثمارا مركزا الآن. فبعض البرامج، مثل: الاتفاقات الصحية الثنائية التي تعقدها وزارة الخارجية الأمريكية مع دول أفريقية، تركز على القضايا الصحيحة، لكنها تسحب التمويل بوتيرة لا تستطيع معظم الدول الشريكة تعويضها واقعيا، في ظل الرياح الاقتصادية المعاكسة القوية التي تواجهها. فعلى سبيل المثال، من المقرر أن تنهي هذه الاتفاقات المساعدة خلال خمس سنوات.
مصممة لكي تُحذف
تحتاج مؤسسات الصحة العالمية أيضا إلى أن تصبح أكثر كفاءة، وأن تنقل السلطة تدريجيا إلى البرامج الصحية الوطنية. ويعود ذلك إلى أن المؤسسات العالمية حققت، في مجموعها، نجاحا كبيرا إلى درجة أنها غيرت البيئة التي تعمل فيها.
في مطلع الألفية، كانت الأمراض المعدية منتشرة على نطاق واسع في الدول منخفضة الدخل، وكانت تسلب أجيالا كاملة مستقبلها. في تلك المرحلة أُنشئ كل من تحالف اللقاحات «جافي» والصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا، وقد أنقذا معا 85 مليون حياة، وهو رقم مذهل. وإلى جانب منظمة الصحة العالمية ووكالات متعددة تابعة للأمم المتحدة، أسهما في قلب مسار المعركة ضد بعض أكثر الأمراض المعدية فتكا في العالم. ويستطيع كل من الحكومة الأمريكية، التي كانت تاريخيا أكبر ممول منفرد لهذه البرامج بفارق كبير، وسائر المانحين، أن ينسبوا إلى أنفسهم قدرا معتبرا من الفضل في الإسهام في واحد من أعظم نجاحات هذا القرن.
أما اليوم، فإن كسب المعركة ضد المرض ينبغي أن يدور حول جهود طويلة الأمد لتعزيز الأنظمة الصحية، وتوسيع الوصول إلى الرعاية الأولية، وإنشاء قنوات تتيح للدول الحصول على المنتجات الصحية والابتكارات المنقذة للحياة بصورة مستدامة وميسورة الكلفة. ولا يبدو منطقيا أن تقود فرق أجنبية هذا العمل. فالمسؤولون الصحيون المحليون يهدرون وقتا طويلا في التنقل داخل شبكة معقدة من المؤسسات الدولية، وغالبا ما يملأون عشرات طلبات المنح للحصول على تمويل لأي مبادرة صحية بعينها. وفي عالم مثالي، ينبغي لمؤسسات الصحة العالمية أن تدعم الحكومات عبر إجراءات مبسطة، وأن تنقل في نهاية المطاف ملكية البرامج الصحية ومسؤولية تمويلها إلى الدول المتلقية للمساعدات.
سيظل هناك كثير من المهام التي تلائم المؤسسات العالمية أكثر من غيرها. وتشمل هذه المهام بناء أدوات جمع البيانات، ووضع المعايير والقواعد، وهي مجالات تستفيد من النهج الموحد الذي تستطيع المؤسسات الكبيرة توفيره؛ وشراء الإمدادات الطبية، حيث يؤدي الشراء بكميات كبيرة إلى خفض الكلفة؛ ودعم البحث والتطوير والاستعداد للأوبئة، وهي مجالات يصبح التنسيق الدولي فيها ضرورة أساسية. أما في الشؤون الصحية اليومية، فإن الوكالات المحلية أقدر على القيادة.
وعلى امتداد العام الماضي، سرّعت مؤسسة جيتس التحولات في عملها استجابة لهذه الأولويات. ولأننا نسعى إلى حل المشكلات، لا إلى إدارتها إلى الأبد، فقد منح بيل جيتس، رئيس مجلس إدارة مؤسسة جيتس، ومجلس إدارتنا، مؤسستنا موعدا نهائيا جديدا لإنهاء عملها: سننفق وقفنا، ومعظم الموارد الشخصية لجيتس، بحلول عام 2045. وخلال السنوات الخمس والعشرين الأولى من عمل المؤسسة، أنفقت نحو 100 مليار دولار، وكانت مدفوعاتها السنوية تقارب ما يقدمه مانحون مثل: كوريا الجنوبية وإسبانيا والسويد. أما خلال العقدين المقبلين، فسوف نوزع نحو 200 مليار دولار في صورة منح. وستُوجَّه هذه الموارد نحو تحقيق ثلاثة أهداف: المساعدة في إنهاء الوفيات التي يمكن تجنبها بين الأمهات والأطفال، وضمان أن يكبر الجيل المقبل من دون أن يضطر إلى المعاناة من أمراض معدية قاتلة، وانتشال ملايين آخرين من الفقر.
لقد حظي البشر اليوم بامتياز العيش خلال واحدة من أعظم مراحل التحسن في أحوال الإنسان في التاريخ. وسوف يشكل الاضطراب الذي أصاب نظام الصحة العالمية والتنمية في العام الماضي إما نهاية لذلك التقدم، أو محفزا لإصلاح المؤسسات العالمية بما يلائم عصرا جديدا. والغاية أن تنخفض مستويات المساعدات في نهاية المطاف لأن القادة نجحوا فعلا في حل المشكلات الجسيمة، لا لأنهم اختاروا تجاهلها.
قد يبدو هذا طموحا، غير أن التاريخ يبيّن أن الاستثمارات الذكية والموجّهة تستطيع أن تساعد الدول على التحرر التدريجي من الاعتماد على المساعدات: فقد كان 11 بلدا من بين أكبر 15 شريكا تجاريا للولايات المتحدة اليوم من متلقي المساعدات الأمريكية في السابق. وإذا استثمر المانحون الحكوميون والخاصون الآن في دعم الدول على طريق الاعتماد على الذات، فسيصبح العالم مكانا أكثر أمنا وازدهارا، وقد تصبح المساعدات نفسها أثرا من الماضي.