هذه المفارقة كانت محور حديث أستاذ التاريخ والثقافة العربية والإسلامية الدكتور أحمد ميلود خلال حلقته في بودكاست "سكن" الذي يعرض على منصة "الجزيرة 360" (تجدون الحلقة هنا كاملة)، حيث شرّح بدقة كيف أدى تفكيك "القبيلة" و"الأسرة الممتدة" إلى تجريد الفرد المسلم من "درعه النفسي"، تاركا إياه مكشوفا أمام عواصف الحياة الحديثة.

يصف د. ميلود التحول الجذري في بنية المجتمع بأنه نقل الفرد من حالة "الجسد الواحد" إلى حالة "السرب المتداعي" خاصة في غياب القبيلة والروابط العائلية الموسعة، فقد أصبح الأفراد في المجتمع الحديث أشبه بـ"سرب من الحُمُر الوحشية تداعت على الماء".

الماء هنا يمثل "المصلحة المادية المشتركة" (وظيفة، تجارة، خدمات)، فبمجرد أن يرتوي الجميع (أي تنتهي المصلحة) يتفرق السرب ويعود كل فرد إلى عزلته التامة.

ولا يوفر هذا النوع من العلاقات "النفعية" المؤقتة للفرد أي إشباع عاطفي أو شعور بالأمان المستدام، مما يولد شعورا دائما بالوحدة والاغتراب النفسي، لأن الرابط الروحي والمصيري مفقود.

الهشاشة أمام الصدمات

إحدى أخطر نتائج غياب القبيلة هي تفرد الإنسان بالألم في المجتمع المدني الحديث، على عكس ما كان يحدث في النظام القبلي أو العائلي الممتد، إذ لم تكن المصيبة تقع على رأس الفرد وحده؛ بل كانت تتوزع على "شبكة علاقات أفقية وعمودية" (أعمام، أخوال، أبناء عمومة)، وهذا التوزيع للألم كان يخفف وطأته النفسية بشكل هائل.

ويستشهد الباحث في التاريخ الإسلامي -خلال حلقة (2026/2/7) من بودكاست سكن- بمفارقة صارخة: لماذا يعاني جنود الجيوش النظامية الغربية (مثل الجيش الأمريكي) من نسب مرتفعة جدا لـ"اضطرابات ما بعد الصدمة" (PTSD) وتصل بهم الحال إلى الانتحار، بينما تظهر المجتمعات ذات الطابع القبلي (مثل غزة أو أفغانستان) صلابة نفسية مذهلة رغم فداحة الخسائر؟

ويكمن الجواب فيما يطلق عليه "الاحتضان الاجتماعي"، فالفرد "الذري" المعزول في الدولة الحديثة يواجه الصدمة وحده فتكسره، بينما الفرد في المنظومة القبلية يجد من يواسي، ويحمل العبء، ويذكره بأنه ليس وحيدا، مما يمنحه "مناعة نفسية" عالية.

فقدان "البوصلة الأخلاقية"

ويسترسل الأستاذ في الثقافة العربية قائلا إن القبيلة كانت توفر نظاما تربويا "تطبيقيا" (Role Modeling)، حيث ينشأ الطفل وهو يرى نماذج للكرم والشجاعة والحكمة متمثلة في شيوخ وأفراد عشيرته، فيتربى بالمحاكاة والقدوة.

وعندما انهارت هذه المنظومة، وانسحبت الدولة من دور "المربي" واكتفت بدور "الشرطي" (مانح القانون)، وجد الفرد نفسه تائها بلا موجه.

فالقانون يعاقب لكنه لا يربي ولا يمنح طمأنينة، وهذا الفراغ خلق حالة من "القلق الأخلاقي"؛ فالفرد لا يعرف من يكون ولا إلى من ينتمي، مما يدفعه للبحث عن بدائل سطحية لملء هذا الفراغ (مثل الانتماءات الحزبية، أو نوادي المشجعين، أو الهوس الاستهلاكي)، وهي بدائل لا تشبع الروح، بل تزيد من حالة التيه وفقدان المعنى.

مفهوم الأسرة النواة

يرى د. أحمد ميلود أن حصر الإنسان في نموذج "الأسرة النواة" (زوج، زوجة، أطفال) -وهو نموذج صُمم لخدمة الاقتصاد الصناعي والضرائب لا لخدمة الإنسان- وضع ضغطا نفسيا هائلا على الزوجين.

ففي السابق، كانت تربية الأبناء ومواجهة أعباء الحياة "همّا مشتركا" تحمله العشيرة. بينما اليوم، أصبح الزوجان معزولين يصارعان طواحين الحياة وحدهما، مما رفع معدلات التفكك الأسري، والضغط النفسي، والشعور بالعجز أمام متطلبات الواقع الاقتصادي المتوحش.

وخلصت الحلقة إلى أن الصحة النفسية للفرد ليست مجرد كيمياء دماغية، بل هي نتاج لبيئته الاجتماعية. لقد أدى إحلال "برودة الدولة الحديثة" محل "الدفء القبلي" إلى خلق إنسان مرفّه ماديا لكنه هشّ نفسيا.

والعودة إلى تعزيز مفهوم "القبيلة" لا تعني الرجوع للخيام، بل تعني -كما يرى الضيف- استعادة "روح القبيلة" المتمثلة في التكافل والتراحم والانتماء العميق، لترميم ما كسرته الحداثة في نفوسنا، وإعادة بناء "الحصانة النفسية" التي تحمينا من وباء الوحدة والاكتئاب.

Published On 8/2/20268/2/2026|آخر تحديث: 00:20 (توقيت مكة)آخر تحديث: 00:20 (توقيت مكة)انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare2

شارِكْ

facebooktwitterwhatsappcopylink

حفظ

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

صبري عبد المنعم: سهام جلال كانت تبحث عن عمل

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

أكد الفنان صبري عبدالمنعم أنه حزين على رحيل الفنانة سهام جلال، موضحًا أنه شاركها العمل في مسلسل هانم بنت باشا إلى جانب الفنانة حنان ترك وعدد من النجوم الآخرين.

وأضاف صبرى عبد المنعم، خلال تصريحات تليفزيونية مساء اليوم الثلاثاء، أنه عمل مع الفنانة سهام جلال، وكانت تجسد دور ابنته في المسلسل، مؤكدًا أنها كانت فنانة متميزة وتؤدي المطلوب منها بإتقان.

وأوضح أنه لم يرَ منها إلا كل خير، وأنه كان على تواصل هاتفي معها ويتابع أحوالها ويعلم ما كانت تعانيه، إلا أن مرضه خلال الفترة الأخيرة أدى إلى انقطاع التواصل بينهما.

ولفت إلى أن الراحلة انتقلت إلى رحمة الله وهي في مكان أفضل، مشيرًا إلى أنها عانت قبل وفاتها من بعض المشكلات، وكانت تبحث عن فرصة عمل، كما كانت تنشط عبر بعض منصات التواصل الاجتماعي وتنشر مقاطع فيديو على تطبيق «تيك توك».

وأشار إلى أن الموت راحة للإنسان من معاناته، وأن سهام جلال ارتاحت مما كانت تعانيه، مؤكدًا أن ما مرت به أصابه بحزن شديد، خاصة مع تعرضها لأمراض ومشكلات صحية لم يكن يتوقعها.

مقالات مشابهة

  • الحرس الثوري الإيراني: زعزعة أمن مضيق هرمز ستكلف الجيش الأمريكي المعتدي ثمنا باهظا
  • الحرس الثوري: زعزعة الأمن في مضيق هرمز ستكلف الجيش الأمريكي ثمنا باهظا
  • تقنية روسية مبتكرة لاختيار ألوان المباني وفق الخصائص النفسية للسكان
  • صبري عبد المنعم: سهام جلال كانت تبحث عن عمل
  • فرج عامر: وليد الركراكي أحد أبرز المدربين في تاريخ الكرة المغربية الحديثة
  • عيد الغدير في اليمن .. تجليات الولاء وتجذر الارتباط الإيماني في وجدان القبيلة اليمنية
  • إنفوجرافيك | الغدير في اليمن .. تجليات الولاء وتجذر الارتباط الإيماني في وجدان القبيلة اليمنية
  • 23 يونيو الحكم.. دفاع سائق سيارة علم اسرائيل: 5 من الضحايا تصالحوا لحالة المتهم النفسية
  • باحثون: قضاء 15 دقيقة يوميًا في الطبيعة قد يحسن الصحة النفسية
  • هل تؤثر السوشيال ميديا على سلوك الأطفال والمراهقين وصحتهم النفسية؟