منتدى الجزيرة يناقش أثر الثورة الرقمية على موازين القوة بالعالم
تاريخ النشر: 8th, February 2026 GMT
الدوحة- كشفت الحروب الأخيرة، لاسيما في غزة وأوكرانيا والسودان، الدور المتصاعد للتقنيات الحديثة في تغيير طبيعة الحروب وإعادة تشكيل موازين القوة، وهو ما دفع منتدى الجزيرة في نسخته الـ17 إلى طرح قضية تأثير الثورة الرقمية للنقاش من خلال جلسة بعنوان "الثورة الرقمية وإعادة توزيع القوة العالمية".
وتحدثت أستاذة الاتصال بجامعة ميريلاند بالولايات المتحدة الأمريكية، الدكتورة سحر خميس، خلال الجلسة، عن الأهمية القصوى لقوة "السردية" والكلمة في إعادة تشكيل موازين القوى العالمية، مؤكدة أنها لاتقل شأنا عن القوى العسكرية والاقتصادية.
وأوضحت أن الإعلام الغربي، والأمريكي منه بصفة خاصة، ظل لعقود يُهيمن على الرواية العالمية بمنحى ينحاز للجانب الإسرائيلي، ويُصوِّر العرب والمسلمين في إطار نمطي سلبي مرتبط بالعنف والإرهاب، وهي صورة تزداد حدة مع كل صراع في المنطقة.
رغم التقييد
وأكدت الأكاديمية سحر خميس للجزيرة نت أن الثورة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي أحدثت تحوُّلا جذريا في هذا المشهد، لاسيما خلال الحرب الأخيرة على غزة؛ حيث برز دور "صحافة المواطن" والنشطاء الذين نقلوا للعالم صورا حية ومباشرة من أرض الواقع، تجاوزت الروايات الرسمية المزيفة.
وأضافت أن هذه السردية الجديدة ركّزت على مفاهيم "الصمود، والإصرار على الحياة، والبهجة" رغم القصف والدمار، ما أدى إلى موجة تعاطف عالمي غير مسبوقة، تجلت في الحراك الطلابي الواسع بالجامعات الأمريكية والأوروبية والمظاهرات الحاشدة في مختلف عواصم العالم.
وفي المقابل، أشارت إلى وجود حرب مضادة تمارسها المنصات الرقمية الكبرى عبر خوارزميات تقيد المحتوى الفلسطيني، فيما يعرف بـ"الحجب الظلي" أو إغلاق الحسابات، وهو ما يؤكد أن الفضاء الرقمي ليس محايدا تماما ويخضع لهيمنة أصحاب النفوذ والمال.
إعلانوشددت خميس على ضرورة أن يمتلك العرب والمسلمون منصاتهم المستقلة، مستشهدة بتجربة منصة "أب سكرولد" التي أسسها ناشط فلسطيني كخطوة نحو التحرر من الهيمنة الرقمية الغربية وإيصال الصوت العربي للعالم بإنصاف.
من جانبه، كشف أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأردنية الدكتور إبراهيم سيف، عن وجود تحوُّل في السردية السياسية، يتحدث عن كيفية تجاوز القوى السياسية للحكومات والوصول المباشر إلى القواعد الشعبية والشبابية والمنظمات النقابية، وهذا أدى إلى خلق "سردية جديدة" حدّت من قدرة الحكومات المؤيدة لإسرائيل على الاستمرار في سياساتها التقليدية دون مراجعة، خاصة بعد الأحداث الأخيرة بغزة.
وأشار سيف إلى حدوث تحوُّل نوعي في الحروب مثل "الأمن البحري"، حيث أن السيطرة على الممرات البحرية، كمضيق باب المندب، لم تعد تتطلب أساطيل ضخمة كما في السابق؛ بل أصبحت مجموعة من "الطائرات المُسيّرة" منخفضة التكلفة قادرة على إعاقة طرق التجارة العالمية، مما يُمثل تحوُّلا جذريا في موازين القوى العسكرية، فضلا عن نهاية عصر العولمة والعودة للتصنيع المحلي، ما يظهر أن العالم يشهد تراجعا عن مفهوم العولمة والانفتاح الاقتصادي المطلق، والعودة إلى "سياسات التصنيع المحلي".
وأوضح أن أمريكا تقود هذا التوجُّه بعد أن اكتشفت اعتمادها الكبير على الصين في "المعادن الحرجة"، والتي تسيطر على إنتاج أو معالجة 17 من أصل 20 معدنا نادرا ضروريا للصناعات التكنولوجية، مشيرا إلى أن حرب "الرقائق الإلكترونية" أكدت سعي واشنطن لتقليل الاعتماد على شرق آسيا، وخاصة تايوان، في صناعة الرقائق، عبر تقديم حوافز مالية هائلة لجلب شركات كبرى للتصنيع داخل الأراضي الأمريكية.
ورأى سيف أن النزاعات الحالية كشفت ثغرات في القدرة التصنيعية العسكرية للدول الكبرى، حيث أصبحت سلاسل الإمداد والمواد الأولية هي العائق الأساسي، مما يفرض إعادة نظر شاملة في الاستراتيجيات الأمنية والاقتصادية العالمية.
وأكد أن التكنولوجيا في نماذجها الجديدة مثل الدرونز (المسيرات) والسوشيال ميديا والمواد الأولية مثل المعادن والرقائق، أصبحت تعيد تشكيل النظام العالمي بعيدا عن مفاهيم العولمة التقليدية.
فجوة لدى العربمن جهته، قال الباحث الاقتصادي في مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد بالمملكة المغربية، الطيب غازي، إن المنصات الرقمية أتاحت الفرصة لفاعلين جدد لصياغة سردياتهم الخاصة، وضرب مثالا بـ"طوفان الأقصى"، وكيف شكّل ذلك انتصارا رمزيا ومعنويا للقضية الفلسطينية عبر كسر الهيمنة التقليدية على السردية.
وأوضح أن الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي يتطلبان موارد هائلة من الطاقة والمياه (لتبريد الخوادم)، مما يربط التطور التقني بالصراعات على الموارد الطبيعية وسلاسل القيمة العالمية، مشددا على أن امتلاك التكنولوجيا لا يكتمل دون وجود رأس مال بشري قادر على استيعابها وإنتاجها.
واستعرض الباحث غازي أرقاما وصفها بـ"مقلقة" من المغرب والعالم العربي، حيث أشار إلى أن 75% من الشباب فوق سن 15 عاما في المغرب لا يتقنون التعلمات الأساسية، وأن 60% من الأطفال فوق سن 10 سنوات في المنطقة العربية يعانون من "فقر التعلم" وفق بيانات البنك الدولي.
إعلانوأشار إلى وجود فجوة كبيرة في البنية التحتية الرقمية، موضحا أن المغرب يمتلك حوالي 27 خادما (سيرفر) لكل 10 آلاف نسمة، بينما يتجاوز المتوسط في دول التنمية الاقتصادية 52 ألف خادم، كما انتقد جمود المناهج التعليمية في العالم العربي، داعيا إلى تبنّي أنماط "التعلم مدى الحياة" لمواكبة العصر الرقمي، بدلا من النظم التقليدية التي تجاوزها الزمن.
واختتم المشاركون الجلسة بالتأكيد على أن معالجة البيانات أصبحت اليوم هي المستهلك الأكبر للطاقة في العالم، بسبب مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، كما انتقدوا اعتماد المنطقة العربية على مراكز بيانات خارج حدودها، وأن القوة الرقمية تكمن في امتلاك الخوادم وأدوات التحكم.
ودعا المشاركون للتوقف عن تصدير المواد الخام، مثل العناصر النادرة المستخدمة في التقنيات الحديثة، والبدء في تصنيعها ومعالجتها محليا لتعزيز المكانة العالمية، ووصفوا الحروب الأخيرة بأنها تكنولوجية ومعلوماتية بالدرجة الأولى.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الثورة الرقمیة
إقرأ أيضاً:
السينودس الكلداني يناقش آليات اختيار وانتخاب الأساقفة
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
ناقش السينودس الكلداني خلال اجتماعاته الأخيرة عددًا من الجوانب القانونية والرعوية المتعلقة بآليات اختيار وانتخاب الأساقفة، في إطار سعي الكنيسة إلى تطوير أساليب الترشيح بما يتوافق مع احتياجات المرحلة الراهنة.
وجاءت هذه المداولات انطلاقًا من حرص الآباء الأساقفة على ضمان اختيار رعاة أكفاء قادرين على قيادة الأبرشيات المختلفة وتلبية احتياجات شعب الله الروحية والرعوية، بما يعزز من فعالية الخدمة الكنسية واستمراريتها.
تأكيد على معايير الخدمة والكفاءةوأكد المشاركون في السينودس أهمية أن تستند عملية اختيار الأساقفة إلى معايير واضحة تجمع بين الكفاءة الروحية والخبرة الرعوية والقدرة على إدارة شؤون الأبرشيات، بما يضمن استجابة أفضل لتحديات الخدمة المعاصرة.
كما شددوا على أن الهدف الأساسي من هذه الآليات هو دعم حياة الكنيسة وتعزيز دور الأسقف كراعٍ وخادم لشعبه، في إطار الشركة الكنسية والتقليد الرسولي.
نحو تطوير العمل الكنسي
ويأتي هذا النقاش ضمن جهود الكنيسة الكلدانية المستمرة لتحديث وتطوير آليات العمل الكنسي، بما يحافظ على أصالة التقليد الكنسي من جهة، ويواكب المتغيرات الرعوية والإدارية من جهة أخرى.
ومن المتوقع أن تُستكمل هذه المناقشات في جلسات لاحقة، بهدف الوصول إلى صيغ أكثر دقة ووضوحًا في ما يخص إجراءات اختيار الأساقفة، بما يخدم وحدة الكنيسة ويعزز رسالتها الروحية والرعوية.