الدوحة- كشفت الحروب الأخيرة، لاسيما في غزة وأوكرانيا والسودان، الدور المتصاعد للتقنيات الحديثة في تغيير طبيعة الحروب وإعادة تشكيل موازين القوة، وهو ما دفع منتدى الجزيرة في نسخته الـ17 إلى طرح قضية تأثير الثورة الرقمية للنقاش من خلال جلسة بعنوان "الثورة الرقمية وإعادة توزيع القوة العالمية".

وتحدثت أستاذة الاتصال بجامعة ميريلاند بالولايات المتحدة الأمريكية، الدكتورة سحر خميس، خلال الجلسة، عن الأهمية القصوى لقوة "السردية" والكلمة في إعادة تشكيل موازين القوى العالمية، مؤكدة أنها لاتقل شأنا عن القوى العسكرية والاقتصادية.

وأوضحت أن الإعلام الغربي، والأمريكي منه بصفة خاصة، ظل لعقود يُهيمن على الرواية العالمية بمنحى ينحاز للجانب الإسرائيلي، ويُصوِّر العرب والمسلمين في إطار نمطي سلبي مرتبط بالعنف والإرهاب، وهي صورة تزداد حدة مع كل صراع في المنطقة.

رغم التقييد

وأكدت الأكاديمية سحر خميس للجزيرة نت أن الثورة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي أحدثت تحوُّلا جذريا في هذا المشهد، لاسيما خلال الحرب الأخيرة على غزة؛ حيث برز دور "صحافة المواطن" والنشطاء الذين نقلوا للعالم صورا حية ومباشرة من أرض الواقع، تجاوزت الروايات الرسمية المزيفة.

وأضافت أن هذه السردية الجديدة ركّزت على مفاهيم "الصمود، والإصرار على الحياة، والبهجة" رغم القصف والدمار، ما أدى إلى موجة تعاطف عالمي غير مسبوقة، تجلت في الحراك الطلابي الواسع بالجامعات الأمريكية والأوروبية والمظاهرات الحاشدة في مختلف عواصم العالم.

وفي المقابل، أشارت إلى وجود حرب مضادة تمارسها المنصات الرقمية الكبرى عبر خوارزميات تقيد المحتوى الفلسطيني، فيما يعرف بـ"الحجب الظلي" أو إغلاق الحسابات، وهو ما يؤكد أن الفضاء الرقمي ليس محايدا تماما ويخضع لهيمنة أصحاب النفوذ والمال.

إعلان

وشددت خميس على ضرورة أن يمتلك العرب والمسلمون منصاتهم المستقلة، مستشهدة بتجربة منصة "أب سكرولد" التي أسسها ناشط فلسطيني كخطوة نحو التحرر من الهيمنة الرقمية الغربية وإيصال الصوت العربي للعالم بإنصاف.

سحر خميس أكدت تأثير وسائل التواصل في تغيير الصورة النمطية في الدول الكبرى (الجزيرة)قلب الموازين

من جانبه، كشف أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأردنية الدكتور إبراهيم سيف، عن وجود تحوُّل في السردية السياسية، يتحدث عن كيفية تجاوز القوى السياسية للحكومات والوصول المباشر إلى القواعد الشعبية والشبابية والمنظمات النقابية، وهذا أدى إلى خلق "سردية جديدة" حدّت من قدرة الحكومات المؤيدة لإسرائيل على الاستمرار في سياساتها التقليدية دون مراجعة، خاصة بعد الأحداث الأخيرة بغزة.

وأشار سيف إلى حدوث تحوُّل نوعي في الحروب مثل "الأمن البحري"، حيث أن السيطرة على الممرات البحرية، كمضيق باب المندب، لم تعد تتطلب أساطيل ضخمة كما في السابق؛ بل أصبحت مجموعة من "الطائرات المُسيّرة" منخفضة التكلفة قادرة على إعاقة طرق التجارة العالمية، مما يُمثل تحوُّلا جذريا في موازين القوى العسكرية، فضلا عن نهاية عصر العولمة والعودة للتصنيع المحلي، ما يظهر أن العالم يشهد تراجعا عن مفهوم العولمة والانفتاح الاقتصادي المطلق، والعودة إلى "سياسات التصنيع المحلي".

وأوضح أن أمريكا تقود هذا التوجُّه بعد أن اكتشفت اعتمادها الكبير على الصين في "المعادن الحرجة"، والتي تسيطر على إنتاج أو معالجة 17 من أصل 20 معدنا نادرا ضروريا للصناعات التكنولوجية، مشيرا إلى أن حرب "الرقائق الإلكترونية" أكدت سعي واشنطن لتقليل الاعتماد على شرق آسيا، وخاصة تايوان، في صناعة الرقائق، عبر تقديم حوافز مالية هائلة لجلب شركات كبرى للتصنيع داخل الأراضي الأمريكية.

ورأى سيف أن النزاعات الحالية كشفت ثغرات في القدرة التصنيعية العسكرية للدول الكبرى، حيث أصبحت سلاسل الإمداد والمواد الأولية هي العائق الأساسي، مما يفرض إعادة نظر شاملة في الاستراتيجيات الأمنية والاقتصادية العالمية.

وأكد أن التكنولوجيا في نماذجها الجديدة مثل الدرونز (المسيرات) والسوشيال ميديا والمواد الأولية مثل المعادن والرقائق، أصبحت تعيد تشكيل النظام العالمي بعيدا عن مفاهيم العولمة التقليدية.

فجوة لدى العرب

من جهته، قال الباحث الاقتصادي في مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد بالمملكة المغربية، الطيب غازي، إن المنصات الرقمية أتاحت الفرصة لفاعلين جدد لصياغة سردياتهم الخاصة، وضرب مثالا بـ"طوفان الأقصى"، وكيف شكّل ذلك انتصارا رمزيا ومعنويا للقضية الفلسطينية عبر كسر الهيمنة التقليدية على السردية.

وأوضح أن الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي يتطلبان موارد هائلة من الطاقة والمياه (لتبريد الخوادم)، مما يربط التطور التقني بالصراعات على الموارد الطبيعية وسلاسل القيمة العالمية، مشددا على أن امتلاك التكنولوجيا لا يكتمل دون وجود رأس مال بشري قادر على استيعابها وإنتاجها.

واستعرض الباحث غازي أرقاما وصفها بـ"مقلقة" من المغرب والعالم العربي، حيث أشار إلى أن 75% من الشباب فوق سن 15 عاما في المغرب لا يتقنون التعلمات الأساسية، وأن 60% من الأطفال فوق سن 10 سنوات في المنطقة العربية يعانون من "فقر التعلم" وفق بيانات البنك الدولي.

إعلان

وأشار إلى وجود فجوة كبيرة في البنية التحتية الرقمية، موضحا أن المغرب يمتلك حوالي 27 خادما (سيرفر) لكل 10 آلاف نسمة، بينما يتجاوز المتوسط في دول التنمية الاقتصادية 52 ألف خادم، كما انتقد جمود المناهج التعليمية في العالم العربي، داعيا إلى تبنّي أنماط "التعلم مدى الحياة" لمواكبة العصر الرقمي، بدلا من النظم التقليدية التي تجاوزها الزمن.

واختتم المشاركون الجلسة بالتأكيد على أن معالجة البيانات أصبحت اليوم هي المستهلك الأكبر للطاقة في العالم، بسبب مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، كما انتقدوا اعتماد المنطقة العربية على مراكز بيانات خارج حدودها، وأن القوة الرقمية تكمن في امتلاك الخوادم وأدوات التحكم.

ودعا المشاركون للتوقف عن تصدير المواد الخام، مثل العناصر النادرة المستخدمة في التقنيات الحديثة، والبدء في تصنيعها ومعالجتها محليا لتعزيز المكانة العالمية، ووصفوا الحروب الأخيرة بأنها تكنولوجية ومعلوماتية بالدرجة الأولى.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الثورة الرقمیة

إقرأ أيضاً:

الاتحاد الأوروبي يغرم غوغل مليار دولار لانتهاك قانون الأسواق الرقمية

فرضت المفوضية الأوروبية غرامتين على شركة غوغل بقيمة إجمالية بلغت 890 مليون يورو (نحو مليار دولار)، بعد إدانتها بانتهاك قانون الأسواق الرقمية، من خلال منح خدماتها أفضلية في نتائج البحث وفرض قيود على مطوري التطبيقات داخل متجر "غوغل بلاي".

وأوضحت المفوضية، في بيان الخميس، أنها فرضت غرامة بقيمة 460 مليون يورو (523.5 مليون دولار) بسبب تفضيل غوغل لخدماتها، مثل التسوق والفنادق والنقل والرياضة، على حساب الخدمات المنافسة في نتائج البحث، إضافة إلى غرامة أخرى بقيمة 430 مليون يورو (489.4 مليون دولار) بسبب القيود التي تمنع مطوري التطبيقات من توجيه المستخدمين إلى خيارات شراء أرخص خارج متجر "غوغل بلاي".

اقرأ أيضا list of 3 itemslist 1 of 3موسم الأرباح يختبر عوائد الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعيlist 2 of 3ألفابت تقلص الفجوة مع إنفيديا وتقترب من لقب الأكبر عالمياlist 3 of 3رئيس غوغل وألفابت يكتسح قائمة أعلى الأجور في وادي السيليكونend of list

وأكدت أن قانون الأسواق الرقمية يلزم الشركات المصنفة بوصفها "حراس بوابة" بعدم منح خدماتها معاملة تفضيلية في ترتيب نتائج البحث، كما يفرض عليها السماح للمطورين بإبلاغ المستخدمين بقنوات شراء بديلة دون رسوم أو قيود غير مبررة.

وأشارت المفوضية إلى أن غوغل عرضت خدماتها في أعلى نتائج البحث مع مزايا بصرية وأدوات تصفية لا تتوفر للخدمات المنافسة، كما رأت أن الرسوم التي فرضتها الشركة على الأنشطة المرتبطة بتوجيه المستخدمين خارج متجر التطبيقات، إلى جانب مدة فرض تلك الرسوم، تجاوزت الحدود التي يسمح بها القانون.

المفوضية الأوروبية تفرض غرامة بقيمة 523.5 مليون دولار على غوغل بسبب تفضيل محرك البحث لخدماته (رويترز)مهلة للامتثال

ومنحت المفوضية غوغل مهلة 60 يوما للامتثال للقرار، محذرة من أنها قد تفرض غرامات إضافية تصل إلى 5% من إجمالي إيرادات الشركة السنوية العالمية إذا لم تلتزم بالقواعد.

وفي الوقت نفسه، أقرت المفوضية بأن غوغل بدأت اختبار تعديلات على طريقة عرض خدماتها في نتائج البحث، كما أدخلت تغييرات على قواعد متجر التطبيقات، معتبرة أن هذه الخطوات تمثل تقدما نحو الامتثال لمتطلبات القانون.

إعلان

من جانبه، انتقد رئيس الشؤون العالمية في شركة ألفابت، كينت ووكر، القرار، معتبرا أن تطبيق قانون الأسواق الرقمية "يضر بالمنتجات التي يستخدمها الأوروبيون يوميا".

وقال إن غوغل اضطرت إلى إزالة بعض مزايا البحث الفوري، مثل عرض الأسعار الفورية والتوافر المباشر للفنادق والرحلات الجوية والمطاعم، فضلا عن تقليص بعض إجراءات الحماية في متجر "غوغل بلاي"، مؤكدا أن الشركة تدرس القرار وإمكانية الطعن عليه.

في المقابل، دافعت مفوضة المنافسة في الاتحاد الأوروبي تيريزا ريبيرا عن القرار، مؤكدة أن "أفضل المنتجات يجب أن تنجح لأنها الأفضل، لا لأنها مملوكة للشركة التي تدير محرك البحث".

كما قالت مفوضة التكنولوجيا هينا فيركونن إن الإجراءات تهدف إلى ضمان "منافسة عادلة وتكافؤ الفرص" في الأسواق الرقمية.

وتعد هذه أول غرامات تفرض على غوغل بموجب قانون الأسواق الرقمية، لكنها الخامسة والسادسة التي تواجهها الشركة في أوروبا بسبب ممارسات مناهضة للمنافسة، بحسب رويترز.

وانخفض سهم الشركة الأم "ألفابت" بنحو 4% في تعاملات ما قبل افتتاح السوق، إلا أن محللين أرجعوا هذا التراجع بالدرجة الأولى إلى رد فعل المستثمرين تجاه حجم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي الذي كشفت عنه الشركة في نتائجها المالية الأخيرة.

مقالات مشابهة

  • العربي الناصري بالمنيا يناقش مكتسبات ثورة 23 يوليو في مائدة مستديرة
  • الاتحاد الأوروبي يغرم غوغل مليار دولار لانتهاك قانون الأسواق الرقمية
  • خطوات استخراج بطاقة الرقم القومي أونلاين عبر مصر الرقمية
  • 58% من السيدات بالعالم تعرضن للإيذاء الإلكتروني .. استشاري نفسي يوضح
  • "إسرائيل" تمدد إغلاق مكتب "الجزيرة" وحظر عملها لـ 90 يوماً إضافياً
  • أبو العينين: خوارزميات الذكاء الاصطناعي ترسم ملامح القوة في العصر الحديث
  • “مطارات المغرب” تُنهي عهد الورق وتُعمم بطاقة الإركاب الرقمية
  • السودان.. مجلس الوزراء يناقش إنشاء مدينتين طبيتين ومشروع وادي الهواد
  • العثور على جثة طالب مقتول في ظروف غامضة بجامعة الجزيرة
  • تسليم دعم لأسر الشهداء بشرق الجزيرة