لم تعد الدراما في المجتمعات الحديثة مجرد وسيلة للتسلية أو الاسترخاء بعد يوم طويل، بل تحولت تدريجيًا إلى أحد أخطر وأعمق أدوات تشكيل الوعي الجمعي، وصياغة المزاج العام، وإعادة ترتيب منظومة القيم والأفكار داخل المجتمع. فالفن الدرامي، بحكم قدرته على مخاطبة العاطفة قبل العقل، وبفضل انتشاره الواسع وسهولة استهلاكه، بات أكثر تأثيرًا من أي خطاب سياسي مباشر أو نقاش فكري نخبوي، وأقدر على النفاذ إلى العقول دون مقاومة أو تشكيك.


إن الإنسان بطبيعته كائن قصصي، يتفاعل مع الحكاية أكثر مما يتفاعل مع الأرقام أو التحليلات المجردة. ومن هنا، تصبح الدراما أداة فعالة لتوجيه الرأي العام، لا لأنها تفرض رأيًا صريحًا، بل لأنها تزرع الفكرة داخل سياق إنساني يجعلها تبدو طبيعية، بل ومنطقية. فالمشاهد لا يشعر أنه يُلقَّن، ولا يدرك أنه يتعرض لعملية توجيه، بل يظن أنه فقط يتعاطف مع بطل، أو يتأثر بمشهد، أو يتابع تطور أحداث مشوقة.
وتكمن خطورة الدراما في قدرتها على إعادة تعريف المفاهيم دون إعلان ذلك صراحة. فما يُعرض باستمرار بوصفه مألوفًا، يتحول مع الوقت إلى مقبول، ثم إلى طبيعي. وما يُقدَّم في صورة البطل، يُكتسب شرعية وجدانية، حتى وإن كان سلوكه أو فكره محل خلاف أخلاقي أو اجتماعي. وعلى الجانب الآخر، يمكن تشويه صورة قيم أو مؤسسات أو أفكار، لا عبر مهاجمتها بشكل مباشر، بل عبر إظهارها دائمًا في سياق سلبي، أو ربطها بالفساد والقهر والجمود.
وعبر التكرار، لا تعود الرسالة مجرد فكرة عابرة، بل تتحول إلى قناعة راسخة. فالعقل البشري يتعامل مع التكرار بوصفه دليلًا على الصحة أو الشيوع، ومع الزمن، يصبح من الصعب على الفرد أن يميز بين ما استخلصه من تجربة شخصية، وما زُرع فيه عبر الشاشة. وهنا، تنتقل الدراما من كونها انعكاسًا للواقع، إلى كونها أداة لإعادة تشكيل هذا الواقع داخل الوعي الجمعي.
ولا يمكن فصل الدراما عن السياق الاجتماعي والسياسي الذي تُنتَج فيه. فكل عمل درامي هو بالضرورة نتاج رؤية ما، واختيار ما، وانتقاء واعٍ أو غير واعٍ لعناصر بعينها. أي قصة تُروى؟ ومن يُمنح مساحة البطولة؟ وأي زاوية تُسلَّط عليها الكاميرا؟ وما الذي يُترك خارج الإطار؟ كلها أسئلة تعكس موقفًا فكريًا، حتى وإن اختبأ خلف ادعاء الحياد الفني.
ومن يملك أدوات الإنتاج الدرامي، يملك قدرًا معتبرًا من القدرة على التحكم في السردية العامة. فالسردية ليست مجرد حكاية تُروى، بل هي الطريقة التي يرى بها المجتمع نفسه، ويفهم بها تاريخه، ويتخيل بها مستقبله. وعندما تتكرر سردية واحدة عبر أعمال متعددة، وبأشكال مختلفة، تتحول إلى ما يشبه الإجماع غير المعلن، ويصبح الخروج عليها فعلًا شاذًا أو متهمًا بالرجعية أو الانفصال عن الواقع.
ولم يكن استخدام الدراما كأداة للتوجيه والحشد أمرًا جديدًا أو طارئًا. فعبر التاريخ، استُخدمت الأعمال الفنية في أوقات الحروب لتكريس صورة العدو، وفي فترات التحولات الكبرى لإعادة كتابة التاريخ، وفي لحظات الانكسار لتبرير الهزيمة أو إعادة توزيع اللوم داخل المجتمع. لكن الفارق اليوم أن التأثير بات أوسع وأسرع، بفعل الانتشار الكاسح للمنصات، وتراجع دور القراءة، وسيطرة الصورة على المشهد الثقافي.
وتبلغ هذه الظاهرة ذروتها في شهر رمضان، الذي يحتل مكانة خاصة في الوجدان المصري والعربي. ففي هذا الشهر، لا تقتصر المشاهدة على أفراد متفرقين، بل تجتمع الأسرة بأجيالها المختلفة حول شاشة واحدة، في لحظة نادرة من التلقي الجماعي. هنا، لا تُخاطَب فئة بعينها، بل يُخاطَب الوعي الأسري المشترك، بكل ما يحمله من قيم متوارثة وحساسيات أخلاقية.
وفي هذا السياق الرمضاني، تبرز محاولات بعض المنتجين والمؤلفين وكتّاب السيناريو استغلال هذا التجمع الأسري لتمرير أفكار ورسائل بعينها، عبر أسلوب ناعم لا يصطدم بالمشاهد، بل ينساب إليه بهدوء. تُغلف الرسائل الإشكالية بحبكات جذابة، وتُمرر عبر أبطال محبوبين، وتُطرح داخل سياقات إنسانية تجعل الاعتراض عليها يبدو قسوة أو جمودًا. وهنا يتحقق ما يمكن وصفه بدس السم في العسل، حيث تختلط المتعة بالتوجيه، والترفيه بإعادة تشكيل المفاهيم.
الخطورة في هذا الأسلوب لا تكمن في الطرح المباشر، بل في التدرج المحسوب. فالفكرة لا تُلقى دفعة واحدة، بل تُقدَّم على مراحل، وتُعاد صياغتها في كل مرة بصورة أكثر ليونة، حتى تفقد قدرتها على إثارة الرفض. ومع مرور الوقت، لا يعود المشاهد يتساءل، بل يسلّم، وتتحول الرؤية المطروحة إلى جزء من المشهد الذهني العام.
وتتضاعف هذه الخطورة حين يتعلق الأمر بالأجيال الأصغر سنًا، التي تتلقى الدراما دون امتلاك أدوات نقدية كافية، وتتعامل مع ما يُعرض على الشاشة بوصفه انعكاسًا صادقًا للواقع. ومع التكرار السنوي للمواسم الرمضانية، تتراكم الرسائل، وتتشكل القناعات، ويُعاد تعريف ما هو مقبول ومرفوض داخل الوعي الناشئ.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال الدور الذي تلعبه الصورة الدرامية في إعادة تشكيل الحس الأخلاقي للمجتمع، إذ لا تكتفي بعرض الفعل، بل تُعيد ترتيب مشاعر التعاطف والإدانة داخله. فحين يُقدَّم الخطأ في إطار إنساني مُبرَّر، وتتوارى نتائجه الحقيقية خلف سرد عاطفي جذاب، يصبح الحكم الأخلاقي ملتبسًا، وتضيع الحدود بين ما يستحق الفهم وما يستوجب الرفض.
وتكمن الإشكالية الأكبر في أن هذا التحول لا يحدث دفعة واحدة، ولا يثير ضجيجًا أو مقاومة، بل يتسلل تدريجيًا، عبر مشاهد عابرة وحوارات ذكية وتبريرات نفسية تبدو للوهلة الأولى عميقة وإنسانية. ومع الوقت، يجد المشاهد نفسه وقد غيّر زاوية نظره دون أن يعي لحظة التحول نفسها. وهنا تكمن خطورة الدراما بوصفها أداة تأثير بطيئة المفعول، لكنها شديدة الرسوخ.
كما أن اختزال الصراع الإنساني في بعد واحد، أو تقديم المجتمع دائمًا في صورة القامع، والقيم في صورة العائق، والأسرة في صورة العبء، يخلق وعيًا مشوهًا بالعلاقة بين الفرد ومحيطه. فبدلًا من تقديم صورة مركبة للواقع، بما يحمله من تناقضات ومسؤوليات متبادلة، تُطرح رؤية تبسيطية تُحمِّل البُنى الاجتماعية وحدها مسؤولية الفشل، وتُعفي الفرد من أي مساءلة ذاتية.
ولا يقتصر هذا التأثير على المستوى القيمي فقط، بل يمتد إلى تشكيل التوقعات الاجتماعية ذاتها. فالدراما، حين تُفرط في تصوير أنماط حياة بعينها بوصفها النموذج السائد، تُنتج فجوة بين الواقع والمتخيَّل، وتزرع الإحباط لدى قطاعات واسعة من المجتمع، خصوصًا الشباب، الذين يقيسون حياتهم اليومية على معايير درامية مصطنعة لا تعكس حقيقة الظروف ولا تعقيداتها.
ولا يمكن فصل هذا النقاش عن التحولات الكبرى التي شهدتها صناعة الدراما نفسها، حيث لم تعد خاضعة فقط لاعتبارات فنية أو إبداعية، بل دخلت بقوة في منطق السوق، والسباق على نسب المشاهدة، والانتشار الرقمي، ما جعل الرسالة أحيانًا رهينة الإثارة السريعة لا العمق، والصدمة لا التأمل.
ومع تصاعد تأثير المنصات الرقمية، لم تعد الدراما حدثًا موسميًا ينتهي بانتهاء العرض، بل أصبحت مادة قابلة لإعادة المشاهدة، والانتشار المقطعي، والاقتطاع خارج سياقها الأصلي، وهو ما يمنح الرسائل الدرامية عمرًا أطول وتأثيرًا أوسع.
ولا يمكن إغفال أن أخطر أشكال التأثير الدرامي هي تلك التي تُمارَس باسم الواقعية، حين يُقال للمشاهد إن ما يُعرض عليه هو “الواقع كما هو”، بينما الواقع ذاته بناء انتقائي قابل لإبراز بعض ملامحه وإخفاء أخرى.
أما العلاج، فلا يمكن اختزاله في إجراء واحد أو قرار إداري عابر، لأنه يتعلق ببنية وعي كاملة تشكّلت عبر سنوات من التلقي غير المشروط. فالمواجهة الحقيقية لا تكون بالمنع، ولا بالمطاردة الأخلاقية، بل ببناء منظومة وعي موازية قادرة على الفهم والتفكيك والمساءلة.
أول ملامح هذا العلاج هو استعادة الاعتبار للتعليم النقدي، وثانيها إحياء دور النقد الفني الجاد، وثالثها تحمّل صُنّاع الدراما أنفسهم لمسؤوليتهم الأخلاقية، إلى جانب دور الأسرة، والمؤسسات الثقافية، وكسر وهم براءة الدراما.
فحين يدرك المجتمع أن ما يُعرض عليه ليس محايدًا بالضرورة، ولا شريرًا بالضرورة أيضًا، يصبح قادرًا على إقامة علاقة ناضجة مع الفن، علاقة تقوم على المشاهدة الواعية لا الاستهلاك الأعمى.
وعند هذه النقطة فقط، تستعيد الدراما دورها الأصيل: مرآة للواقع لا قالبًا جاهزًا يُصب فيه الوعي، ومساحة إنسانية للتعبير لا وسيلة لإعادة هندسة العقول.

طباعة شارك الدراما المجتمعات الحديثة الوعي الجمعي

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: الدراما المجتمعات الحديثة الوعي الجمعي ولا یمکن ما ی عرض فی صورة فی هذا

إقرأ أيضاً:

هند عصام تكتب : الملك سوبك إم ساف الثاني

مازلتُ عالقة فى بحر معرفة قصص ملوك وملكات الأسرة السابع عشر من مصر الفرعونية القديمة كنا قد تحدثنا عن الملك سوبك ام ساف الأول الأسبوع الماضي واليوم نتحدث عن الملك سوبك ام ساف الثاني.

وكان الملك سوبك ام ساف الثاني ملكًا مصريًا حكم خلال الفترة الانتقالية الثانية ، حين كانت مصر مقسمة ويحكمها ملوك متعددون. وينتمي إلى الأسرة السابعة عشرة في طيبة ، إذ كان الملك سوبك ام ساف الثاني سلفًا لنب خبر رع انتف، الذي كان بلا شك ملكًا من الأسرة السابعة عشرة في طيبة.
وكان اسم عرشه، سخمرع شدتاوي، يعني "قوي هو رع؛ اي منقذ الأرضين".
ولد الملك سوبك ام ساف الثاني عام 1570 قبل الميلاد

ابن الملك سوبك ام ساف الأول والملكة بنخعس.

تزوج الملك سوبك ام ساف الثاني من الملكة نوبخايس وانجب كلا من الملك سيخيمري ويبمات إنتيف ، نوبخبر إنتيف
عاش وحكم خلال حقبة الأسرة السابعة عشرة
وكان من أسلاف الملوك الذين قادوا حرب التحرير لاحقاً.
واشتُهر ببعثات التنقيب والمحاجر التي أرسلها، ومن أبرزها حملته إلى محاجر وادي الحمامات في الصحراء الشرقية.
عُثر على نقوش تحمل اسمه على صخور وادي الحمامات، مما يثبت استمرار النشاط الملكي وبسط النفوذ خلال عصره.
 ويعتقد علماء المصريات الآن، مثل العالم  كيم ريهولت ودانيال بولز، أن الملك سوبيك ام ساف الثاني كان والد كل من سخمرع ويبماعت إنتف ونوب خبر رع إنتف، استنادًا إلى نقش محفور على عضادة باب تم اكتشافه في أطلال معبد من الأسرة السابعة عشرة في جبل عنتف في أوائل التسعينيات، والذي تم بناؤه في عهد نوب خبر رع إنتف . يذكر عضادة الباب الملك سوبكم[صاف] كوالد نوبخبر رع إنتف/أنتف السابع - ( أنتف المولود من سوبكم )  ومن المرجح أنه كان الأمير سوبك ام ساف الثاني  الذي تم توثيقه كابن وخليفة الملك سوبك ام ساف الأول على تمثال القاهرة .

ويؤيد عالم المصريات البريطاني إيدان دودسون أيضاً هذا التفسير الجديد لنص عضادة الباب، ويكتب:

و قدم العالم ريهولت دليل "طرق الصحراء" الجديد من مسح دارنيل لإظهار أن نوبخبرري إنيوتيف (الذي أطلق عليه ريهولت اسم "إنيوتيف ن") كان ابن الملك سوبك ام ساف، مما يوفر رابطًا جينيالوجيًا رئيسيًا داخل الأسرة السابعة عشرة . 
في الفترة الانتقالية الثانية ، كان هناك ملكان يحملان اسم سوبيك ام ساف: سخيم رع شدتاوي سوبيك ام ساف وسخيم رع وادجخاو سوبيك ام ساف . إضافةً إلى ذلك، يوجد اسم شخصي هو سخيم رع شدواسيت ، أي "القوي هو رع، منقذ واسط" (باليونانية: طيبة)، والذي قد يكون تحريفًا محليًا لاسم سخيم رع شدتاوي. تشير هذه الأسماء إلى فترة اضطراب كانت فيها المدينة والأرض بحاجة إلى الإنقاذ.


كما كان هناك ابن ملك يُدعى سوبيك ام ساف. وحمل العديد من الأفراد والمسؤولين اسم سوبيك ام ساف أيضًا، مثل مراسل طيبة سوبيك ام ساف، شقيق الملكة نوبخايس .


ويبدو أن الأخيرة اعتلت العرش بعد سقوط أواخر الأسرة الثالثة عشرة، إذ كان عمها كبير الخدم نبانخ قد خدم نفر حتب الأول وسوبخ حتب الرابع . 


من غير الواضح ما إذا كانت هناك ملكة واحدة أو اثنتان تحملان اسم نوبخايس. لا تُشير الوثائق المتعلقة بنوبخايس (الأولى) إلى اسم زوجها، ويفترض رئيس برديات الكنيسة أن نوبخايس (الثانية) التي عُثر عليها في مقبرة سوبك ام ساف كانت زوجته. قد يحدث لبس في ترقيم سوبك ام ساف الأولى وسوبك ام ساف الثانية، إذ يذكر ريهولت (1997) أن سخمرع شدتاوي هي سوبك ام ساف الأولى.


و في أبيدوس، اكتشفت كتلة من الحجر الجيري عليها خرطوشتان تحتويان على الاسم الأول واسم سوبيك ام ساف الثاني. 


مجلس العمل المتحد   في ذراع أبو النجا، قطعة من الضريح. 
أما في دراع أبو النجا، عُثر على لوحة تحمل الاسم الملكي سوبيك ام ساف (اسم) مع الضريح ، وهو يعود لشخص خاص. 
في القرنة، لوحة حجرية مثلثة من الحجر الجيري لكاتب معبد معاصر سوبخوتب مع خراطيش سوبك ام ساف الثاني.

لاحظ أن الشهادات التي تحمل اسم سوبيك ام ساف  قد تنتمي إلى أحد ملكين، سوبيك ام ساف الأول أو سوبيك ام ساف الثاني.

وكان يعود تاريخ سلسلة من الشهادات إلى عهد رمسيس التاسع في نهاية الأسرة العشرين، و كان "باب أبوت"  في طيبة، وثيقة تتضمن فحص مقبرة الهرم.


وفى بروكسل، المتاحف الملكية  "باب. ليوبولد"  في طيبة، وثيقة تتضمن تحقيقًا في انتهاك مقبرة الهرم.


أما فيينا  "باب. أمبراس"  في طيبة، قائمة جرد مع مراجع للوثيقة أعلاه.

أما بالنسبة لسرقة قبر سوبيك ام ساف كانت تُشير برديات أبوت وليوبولد -أمهرست ، المؤرخة في السنة السادسة عشرة من حكم الملك رمسيس التاسع ، إلى أن مقبرة هذا الملك الملكية في الهرم قد تعرضت للنهب والتدمير على يد لصوص المقابر. 


وتُفصّل بردية أخرى، مؤرخة في السنة السادسة عشرة، اليوم الثاني والعشرين من السنة الثالثة من حكم رمسيس التاسع، اعترافات ومحاكمات الرجال المسؤولين عن نهب مقبرة سخم رع شدتاوي سوبك ام ساف. وتُشير هذه الوثيقة إلى أن شخصًا يُدعى أمنبنوفر، ابن أنهرناخت، وهو نحات من معبد آمون رع، "اعتاد سرقة مقابر النبلاء في غرب طيبة وكان برفقة النحات حابيور"، وتذكر أنهم سرقوا مقبرة سوبك ام ساف مع ستة شركاء آخرين في السنة الثالثة عشرة من حكم رمسيس التاسع. ويعترف أمنبنوفر بأنهم وقال :
ذهبنا لننهب المقابر... ووجدنا هرم الملك سخمرع شدتاوي، ابن رع سوبك ام ساف، وهذا لا يشبه على الإطلاق أهرامات ومقابر النبلاء التي كنا نذهب لنهبها عادةً.

و أدلى أمنبنوفر وقال بشهادته في محاكمته بأنه ورفاقه حفروا نفقاً إلى هرم الملك باستخدام أدواتهم النحاسية:

ثم شققنا طريقنا عبر الأنقاض ، فوجدنا هذا الإله (الملك) يرقد في مؤخرة مدفنه. ووجدنا أن مدفن نوبخايس، ملكته، يقع بجانبه.


وأكمل أمنبنوفر أعترفه وقال فتحنا تابوتيهما، فوجدنا مومياء هذا الملك النبيلة مزينة بصقر؛ وكان على عنقه عدد كبير من التمائم والجواهر الذهبية، وعلى رأسه تاج ذهبي. كانت مومياء هذا الملك النبيلة مزينة بالكامل بالذهب، وكانت توابيته مزينة بالذهب والفضة من الداخل والخارج، ومرصعة بجميع أنواع الأحجار الكريمة. جمعنا الذهب الموجود على مومياء هذا الإله النبيلة... وجمعنا كل ما وجدناه عليها (الملكة) كذلك؛ وأضرمنا النار في توابيتهما. أخذنا أثاثهما... الذي كان يتألف من مصنوعات من الذهب والفضة والبرونز، وقسمناه فيما بيننا... ثم عبرنا إلى طيبة. وبعد أيام، سمع رئيس مقاطعة طيبة أننا كنا نسرق في الغرب، فقبضوا عليّ وسجنوني في مكتب عمدة طيبة. وأخذتُ العشرين دبنًا من الذهب التي سقطت لي كنصيبي، وأعطيتها لخيموب، كاتب الحيّ التابع لمرفأ طيبة. فأطلق سراحي، والتقيتُ برفاقي، فأعطوني نصيبي مرة أخرى. وهكذا، استمررتُ أنا وغيري من اللصوص الذين معي حتى يومنا هذا في سرقة قبور النبلاء وسكان الأرض الذين يرقدون في غرب طيبة.

و يذكر أمنبنوفر أن الكنوز المسروقة من المومياوتين الملكيتين بلغت "160 دبنًا من الذهب" أو 32  رطلاً (14.5  كيلوجرامًا).  وتنتهي الوثيقة بإدانة اللصوص - مع احتمال الحكم عليهم بالإعدام - وتشير إلى إرسال نسخة من محاضر المحاكمة الرسمية إلى رمسيس التاسع في مصر السفلى . وكان أمنبنوفر نفسه سيُحكم عليه بالإعدام بالخازوق ، وهي عقوبة "كانت مخصصة [فقط] لأبشع الجرائم" في مصر القديمة.


و كان يُعتقد في السابق أنه ينتمي إلى أواخر الأسرة الثالثة عشرة ، ولكن يُعتقد اليوم أنه ملك من الأسرة السابعة عشرة في مصر استنادًا إلى عضادة الباب التي تم اكتشافها في أطلال معبد من الأسرة السابعة عشرة في جبل عنتف، مما يدل على أنه كان على الأرجح والد نوب خبر رع إنتف الذي كان ملكًا من الأسرة السابعة عشرة في طيبة.

و يؤكد عالم المصريات الألماني دانيال بولز ، الذي أعاد اكتشاف مقبرة نوب خبر رع إنتف في دراع أبو النجا، بقوة أن نوب خبر رع إنتف حكم في أواخر الأسرة السابعة عشرة، مما يعني أن سخم رع وادجخو سوبك ام ساف (الأول) لم يكن له أي دور في الفصل بين سلالة ملوك إنتف وسلالة أحمس: سناختن رع، وسقنن رع، وكاموس. ويستند بولز في فرضيته هذه إلى "دليل صندوق منمحات، الذي كان حاكم قبطس " في السنة الثالثة من حكم نوب خبر رع إنتف "والذي كان جزءًا من تجهيزات جنازة أحد الأقهر الذين عاشوا في عهد سقنن رع [تاو]". 


و يشير هذا الاكتشاف بقوة إلى أن عهدي نوب خبر رع إنتف وسقنن رع تاو كانا يفصل بينهما بضع سنوات فقط، وليس ١٥ إلى ٢٠ عامًا كما كان الحال في عهد الأسرة السابعة عشرة، حيث لم ينعم سوى عدد قليل من الفراعنة بفترات حكم طويلة. وقد أيّد عالم المصريات الألماني الراحل ديتليف فرانكه (١٩٥٢-٢٠٠٧)، من عصر الدولة الوسطى، هذا الرأي في مقال نُشر عام ٢٠٠٨، بعد عام من وفاته، حيث كتب:
خلافاً لرأي ريهولت ، لا أرى مكاناً لملك يُدعى سوبك ام ساف حكم [مصر] بعد نوبخبرا أنتف . 


و اعتقد ريهولت أن سخيم رع وادجخو سوبك ام ساف توسط بين سلالة ملوك إنتف وتولي سناختنرع الحكم ، أول ملوك الأسرة السابعة عشرة من سلالة الأحمسيين. بينما يرى بولز أن سخيم رع وادجخو سوبك ام ساف كان والد سخيم رع شدتاوي سوبك ام ساف (الثاني) وجد ملوك إنتف، إذ يُظهر تمثال سخيم رع وادجخو سوبك ام ساف أن ابنه الأكبر كان يُدعى أيضًا سوبك ام ساف، كما أشار كل من بولز  وأنتوني سبالينجر  . وهذا يعني أن سخيم رع وادجخو سوبك ام ساف حكم على العرش قبل أن يستولي ملوك إنتف على السلطة في أوائل الأسرة السابعة عشرة، وأنه هو سوبك ام ساف الأول ووالد سوبك ام ساف الثاني. بما أن سخمرع شدتاوي سوبك ام ساف (الثاني) هو والد نوب خبر رع انتف، فهذا يعني أن كلاً منهما، هو وسوبك ام ساف الأول، حكما مصر قبل أن يتولى سخمرع وبماات انتف ونوب خبر رع انتف العرش. وبالتالي، فإن سوبك ام ساف الثاني هو ابن سوبك ام ساف الأول ووالد خليفتيه المباشرين: سخمرع وبماات انتف ونوب خبر رع انتف .
و لم يتم العثور على مقبرة سوبيك ام ساف. ووفقًا لبردية أبوت وبردية ليوبولد -أمهرست ، المؤرخة في السنة السادسة عشرة من حكم رمسيس التاسع ، فقد دُفن سخيم رع شدتاوي سوبيك ام ساف مع زوجته الملكة نوبخايس (الثانية) في مقبرته الهرمية الملكية في الجبانة الواقعة غربًا مقابل طيبة، على الأرجح في دراع أبو النجا .

طباعة شارك الملك سوبك ام ساف الأسرة السابعة عشرة طيبة سخمرع شدتاوي

مقالات مشابهة

  • هند عصام تكتب : الملك سوبك إم ساف الثاني
  • نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة
  • فقاعة أم طوق نجاة.. كيف أصبح الذكاء الاصطناعي الحامل الوحيد للاقتصاد الأمريكي؟
  • إسبانيا تضع صور البابا لاوون الرابع عشر على عربات المترو
  • حزب الله: معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال لا يمكن أن تمر
  • بحث تعزيز التعاون الصناعي والاستثماري بين عُمان وبيلاروس
  • شيوخ القبائل في مرمى الاغتيالات.. نجاة شيخ قبلي من تفجير في إب
  • تفاصيل مسلسل لعبة الاختطاف قبل عرضه في آسيا
  • شوبير يهاجم منتقدي صورة فتوح وإمام عاشور: «إحنا في جنان رسمي»
  • ليلة لتترات الدراما المصرية بالأوبرا.. الخميس