قيود أمنية إسرائيلية ومحاولات لتعطيل العودة.. «الأسبوع» ترصد شهادات الفلسطينيين حول معبر رفح
تاريخ النشر: 9th, February 2026 GMT
لم تكن، أماني عمران (55 عامًا)، التي خرجت من قطاع غزة في 27 أبريل 2024، لتلقي العلاج لمدة شهرين فقط، تدرك أنها لن تتمكن من العودة إلى وطنها قبل نحو عامين من التاريخ نفسه. تعنت الحكومة الإسرائيلية في إغلاق الجانب الفلسطيني من معبر رفح حولها إلى عالقة في مصر، تنتظر قرارًا يسمح لها بالعودة إلى غزة، قبل أن تتحول الأيام إلى 36 شهرًا من الانتظار القسري بعيدًا عن بيتها وعائلتها.
تقول أماني لـ«الأسبوع»، إنها قبل أيام من فتح المعبر، مطلع الشهر الجاري، سارعت هي ومن معها بتجهيز أنفسهم للعودة إلى القطاع، مشيرة إلى أن «الجانب المصري قدّم تسهيلات كبيرة، وأن الهلال الأحمر المصري لم يدّخر جهدًا في تقديم الدعم والمساعدة طوال فترة وجودهم. نشكر الرئيس عبد الفتاح السيسي على موقفه الرافض لتهجير الفلسطينيين»، لكن «رحلة العودة لم تكن سهلة. عند الوصول إلى الجانب الإسرائيلي، واجهنا صعوبات بالغة. تم احتجازنا حوالي 5 ساعات. خضعنا خلالها لتحقيقات مطولة».
تؤكد «أماني» أن المعاناة «تهون أمام الرجوع إلى غزة، الأرض والوطن والأبناء، رغم صعوبة الأوضاع داخل القطاع. عدت للعيش في خيمة، لكن أشعر بسعادة وسط الأهل والأحباب»، فيما أعلنت السلطات الإسرائيلية، عبر وحدة تنسيق أنشطة الحكومة التابعة لوزارة الدفاع (كوجات)، المعنية بتنسيق الشئون المدنية الفلسطينية، قبل نهاية يناير الماضي عن إعادة فتح المعبر في الاتجاهين كمرحلة تجريبية اعتبارًا من الأحد الماضي، على أن يبدأ العبور الفعلي في اليوم التالي. جاء هذا الإعلان عقب استكمال ملفات متعلقة بتبادل الجثث والرهائن وفق ترتيبات وقف إطلاق النار.
وفي خطوة طال انتظارها، أُعيد فتح معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر في الثاني من فبراير، رغم أنه ظل مفتوحًا من الجانب المصري (بشهادة كل المسئولين الدوليين الذين زاروا محافظة شمال سيناء، منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في الثامن من أكتوبر 2023، خاصة الأمين العام للأمم المتحدة، ورؤساء حكومات ومسئولي مؤسسات دولية)، فيما تعمدت قوات الاحتلال الإسرائيلية إغلاقه من الجانب الفلسطيني، منذ صيف عام 2024، في أعقاب سيطرتها على الشريط الحدودي وتشديد القيود على حركة الأفراد.
إجراءات لوجيستية رسمية:
مع وصول فرق بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية (يوبام) لتنسيق الإجراءات، أُعيد فتح معبر رفح أمام حركة السكان من وإلى الجانب الفلسطيني. نُقلت قوائم مئات المرضى ذوي الأولوية للعلاج الفوري إلى منظمة الصحة العالمية، التي تعمل مع جهات صحية عربية ودولية لتحديد الحالات المستحقة وتنسيق وجهات سفرهم لضمان وصولهم إلى المرافق العلاجية المناسبة.
وباستثناء الممارسات الإسرائيلية، يعمل المعبر الآن بصورة محدودة في الاتجاهين تحت إشراف رسمي ينظم حركة المرضى ومرافقيهم، ويسجل أسماءهم ضمن قوائم دقيقة مع مراعاة أولوية الحالات الإنسانية. تُنسّق السلطات الفلسطينية واللجنة الوطنية لإدارة غزة مع منظمة الصحة العالمية لتحديد مسارات القوافل، ونقل المرضى إلى نقاط الاستقبال والمستشفيات داخل القطاع، مع الالتزام بمعايير السلامة والنظام وصون كرامة المسافرين.
ترافق القوافل وفود رسمية من أجهزة السلطة الفلسطينية، بما في ذلك ضباط وأمنيون، إضافةً إلى البعثة الأوروبية لمراقبة إجراءات التفتيش والفحص الأمني. تحدد خطة التشغيل اليومية عدد المرضى المسموح لهم بالمرور، مع مرافقين محددين لكل حالة، وتضع الترتيبات القانونية والتنظيمية للعبور، بما يضمن إدارة معبر رفح وفق آلية واضحة ومنظمة، تمثل جزءًا من ترتيبات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.
الاحتلال يواصل إجرامه:
وفي ضوء الممارسات الإسرائيلية الحالية فإن فتح معبر رفح يعد ترجمة «جزئية»، لخطة السلام الأمريكية ذات الـ20 نقطة، التي أعلنها الرئيس، دونالد ترامب في سبتمبر 2025، وتمت ترجمتها إلى واقع في قمة شرم الشيخ للسلام، منذ منتصف أكتوبر الماضي، حيث ربطت بين وقف إطلاق النار في قطاع غزة وتسليم الأسرى الإسرائيليين وبين إجراءات تهدف إلى تخفيف الوضع الإنساني وإعادة ترتيب المشهد في القطاع، وإن كانت قوات الاحتلال تواصل عملياتها العسكرية الغادرة التي تستهدف تجمعات سكنية ونازحين في محافظة خان يونس ومحيطها، مما تسبب في مصرع وإصابة مئات المدنيين في تلك المناطق.
مكتب تنسيق الشئون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA) يصف فتح المعبر بأنه «خطوة إيجابية، لكنها محدودة الأثر. تقتصر حاليًا على حركة الأفراد فقط دون السماح بمرور البضائع أو المساعدات التجارية، في وقت تواجه فيه غزة احتياجات إنسانية حادة، تشمل آلاف المرضى والجرحى الذين ما زالوا على قوائم انتظار طويلة للعلاج خارج القطاع»، فيما تنص آلية العبور الحالية من الجانب الفلسطيني إلى مصر على مرور المشاة فقط، دون مركبات أو بضائع، مع اشتراط الحصول على تصريح أمني مسبق من الجانب الإسرائيلي، بالتنسيق مع السلطات المصرية.
تشمل الإجراءات تفتيشًا أوليًا بإشراف بعثة الاتحاد الأوروبي لمساعدة الحدود في رفح، يعقبه فحص أمني إضافي داخل ممر مخصص يخضع لإشراف الجيش الإسرائيلي، فيما تقتصر العودة إلى قطاع غزة على الأشخاص الذين غادروه خلال الحرب، مع إعطاء أولوية للحالات الإنسانية (المرضى، والجرحى، والطلاب، والعالقين لأسباب قسرية).
عراقيل إسرائيلية واضحة:
يقول المواطن الفلسطيني، أسعد الشنطي لـ«الأسبوع»: إنه في بداية الحرب أُصيب جراء القصف الإسرائيلي، ونُقل إلى مستشفى «الشفاء». «تلقيت علاجًا أوليًا تم خلاله تركيب بلاتين خارجي وتجبير الساقين نتيجة الإصابة بكسور في أنحاء متفرقة من جسدي. ولكن اقتحام قوات الاحتلال للمستشفى حال دون استكمال علاجي هناك، ومع الهدنة الأولى تم تحويلي إلى جنوب قطاع غزة، وتحديدًا إلى المستشفى الأوروبي، ولاحقًا إلى مصر في 23 أبريل 2024 للعلاج».
يؤكد «الشنطي» أنه حظي باستقبال وصفه بالمليء بالحب والاحترام من الشعب المصري الشقيق، حيث مكث في المستشفى الإماراتي العائم بمدينة العريش لمدة ثلاثة أشهر، خضع خلالها لعمليات تعديل في الكسور، إضافة إلى زراعة عظم في ساقه اليسرى، إلى أن تماثل للشفاء. ويتابع أن «فترة العلاج ترافقت مع قلق شديد على أهله في غزة. فور علمي بإتاحة السفر وفتح معبر رفح للعودة، بادرت بالتسجيل في السفارة الفلسطينية. في اليوم الرابع توجهت إلى المعبر. كانت رحلة شاقة. كانت هناك قيود على بعض المقتنيات لدى الأوروبيين على الجانب الآخر من المعبر كالشواحن والأجهزة الإلكترونية».
ينبه «الشنطي» إلى أنه طُلب منه «الاكتفاء بالملابس وهاتف محمول واحد»، وأشار إلى أن شقيقته، التي كانت برفقته، مريضة أيضًا. ويصف المرحلة الأصعب من الرحلة بأنها كانت عند الجانب الإسرائيلي: «انتظرنا قرابة 5 ساعات داخل الحافلات، مع منع فتح نوافذها، قبل أن يتم تقييد أيدينا، وتعصيب أعيننا وإخضاعنا للتحقيق. السؤال الأساسي الذي وُجّه لنا كان: لماذا عدتم إلى غزة؟ المحققون حاولوا إقناعنا بعدم العودة بحجة أن الحياة في غزة حرب وبائسة، وأنهم لا يرغبون في عودتنا لها»، مختتمًا شهادته قائلًا: «الحمد لله، عدنا ونحن موجودون اليوم في بلدنا، نشعر بالسرور والسعادة، ولن نغادرها مهما كانت الصعوبات».
تشديد التعنت الأمني:
قال أحد العائدين إلى غزة (ف. أ)، الذي رفض الكشف عن هويته « رغم التعاون المصري والبعثة الأوروبية، نواجه قيودًا صارمة فرضتها إسرائيل على تنقلاتنا، ما يطيل مدة العبور بشكل كبير. الحافلات توقفت لساعات عند نقاط التفتيش الإسرائيلية، خضعنا لتدقيق أمني مطول، ما زاد من معاناة كبار السن والمرضى. هذه الإجراءات أثرت على تجربة العودة وجعلت رحلة العودة أصعب بكثير من المتوقع».
وقالت السيدة «هـ. ع»: إن «إسرائيل صادرت المقتنيات الشخصية للعائدين، شملت أموالًا، وأدوية، وألعاب أطفال، وملابس، وأجهزة إلكترونية، مع تحديد كمية صغيرة فقط يمكن حملها. المصادرة شملت حاجيات أساسية للعلاج والعيش اليومي، مصحوبة بتفتيش متكرر وتعسفي من عناصر مسلحة مرتبطة بالجيش الإسرائيلي، ما زاد الصعوبات والمعاناة، خصوصًا للمرضى والأطفال، وجعل عبور المعبر تجربة شاقة جدًا».
وأوضحت أن «الإجراءات الأمنية الإسرائيلية تضمنت تحقيقات فردية قاسية. ركزوا على ارتباطات العائدين مع حماس، ما شكل ضغطًا نفسيًا شديدًا على النساء والأطفال وكبار السن، وخلق بيئة من الخوف وعدم اليقين خلال عبور المعبر. القيود الإسرائيلية امتدت للتحكم بحركة الحافلات والمسافات المقطوعة، ووضع بوابات وأقفال تمنع التحرك بحرية داخل القطاع الفلسطيني».
أوضاع صحية خطيرة:
ونبه مدير وحدة المعلومات الصحية بغزة، زاهر الوحيدي لـ«الأسبوع»، أن قوائم الانتظار تضم حاليًا أكثر من 20 ألف مريض بحاجة إلى العلاج خارج قطاع غزة، في ظل أوضاع صحية بالغة الخطورة ونقص حاد في الإمكانات الطبية. وأوضح أن وزارة الصحة تقوم بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية، التي تتولى بدورها التنسيق مع الجانب الإسرائيلي عبر وحدة تنسيق أنشطة الحكومة في الأراضي (كوجات)، من أجل ترتيب خروج المرضى، ولكن الإجراءات، على حد وصفه، «معقدة للغاية وتستغرق وقتًا طويلًا».
وأشار «الوحيدي»، إلى أنه منذ استئناف العمل في معبر رفح خلال الأسبوع الماضي، لم يُسمح بخروج سوى 36 مريضًا فقط، ومع احتساب المرافقين بلغ العدد الإجمالي 196 شخصًا، وهو رقم وصفه بأنه «ضئيل جدًا» مقارنة بحجم الاحتياج الفعلي. ولفت إلى وجود نحو 4 آلاف مريض أورام بحاجة ماسة وعاجلة للعلاج في الخارج، إلى جانب 4.500 طفل تتطلب حالاتهم تدخلًا طبيًا غير متوفر داخل القطاع.
وأضاف «الوحيدي» أن هناك ما لا يقل عن 1.470 حالة حرجة مدرجة على قوائم الانتظار، محذرًا من أن «الناس يموتون أثناء الانتظار»، في ظل التأخير المستمر وتعقيد الإجراءات. وكشف الوحيدي عن رفض عدد من طلبات خروج المرضى، من بينهم أطفال، دون إبداء أسباب واضحة، ما يفاقم من الأزمة الإنسانية ويزيد من معاناة المرضى وعائلاتهم.
ضد المعايير الدولية:
تلعب بعثة الاتحاد الأوروبي دورًا محوريًا في تشغيل معبر رفح، عبر الإشراف الفني وتقديم الدعم للسلطات الفلسطينية، وفق آلية مشابهة لتلك التي استُخدمت مطلع عام 2025. وأكدت عواصم أوروبية، من بينها باريس، أهمية هذا الدور في ضمان الامتثال للمعايير الدولية، لا سيما فيما يتعلق بتسهيل الإجلاء الطبي بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية. ويعزّز وجود البعثة الأوروبية مستوى الثقة الدولية في آلية التشغيل، لكنه يظل مقيدًا بواقع التحكم الأمني الإسرائيلي، ما يحدّ من قدرة البعثة على تسريع الإجراءات أو توسيع نطاق العبور بما يتناسب مع الاحتياجات الإنسانية المتزايدة.
ورغم الإعلان عن فتح المعبر في الاتجاهين، تشير المتابعات الميدانية وتقارير أممية إلى أن حركة العبور لا تزال محدودة للغاية، وتتم على دفعات صغيرة وغير منتظمة. وتوضح الأمم المتحدة أن الأعداد التي تمكنت من الدخول أو الخروج منذ إعادة الفتح لا تمثل سوى جزء ضئيل من حجم الطلب الفعلي، خصوصًا في ظل وجود آلاف الحالات الطبية الحرجة التي تحتاج إلى علاج غير متوفر داخل غزة.
تفيد شهادات العائدين بأن إجراءات التفتيش والتحقيق على الجانب الإسرائيلي لا تزال تشكل عائقًا إضافيًا، سواء من حيث طول الانتظار أو طبيعة الاستجوابات الإسرائيلية، ما ينعكس سلبًا على سرعة العبور وكفاءته الإنسانية.
اقرأ أيضافلسطين تطالب باجتماع طارئ لجامعة الدول العربية بعد قرار الاحتلال بالاستيلاء على أراضي جديدة بالضفة
الخارجية الفلسطينية تطالب ترامب بالتدخل والضغط على إسرائيل للتراجع عن ضم الضفة
وزير الخارجية الإيراني يدعو إلى إيجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: معبر رفح الفلسطينيين فتح معبر رفح إغلاق الجانب الفلسطيني من معبر رفح منظمة الصحة العالمیة الجانب الإسرائیلی الجانب الفلسطینی فتح معبر رفح داخل القطاع فتح المعبر من الجانب قطاع غزة إلى غزة إلى أن
إقرأ أيضاً:
خلال حملة أمنية.. ضبط 6 عناصر إجرامية بحوزتهم مخدرات وأسلحة بشبرا الخيمة
القت الأجهزة الأمنية بمديرية أمن القليوبية، القبض على 6 متهمين، من بينهم عناصر سبق اتهامها في قضايا جنائية، وعُثر بحوزتهم على كميات متنوعة من المواد المخدرة، وأسلحة نارية وبيضاء، بالإضافة إلى مبالغ مالية وهواتف محمولة فى شبر الخيمة.
جاء ذلك خلال حملة أمنية مكبرة بدائرة قسم ثان شبرا الخيمة، استهدفت العناصر الإجرامية وتجار المواد المخدرة، في إطار جهود وزارة الداخلية لمكافحة الجريمة وإحكام السيطرة الأمنية.
وتلقى مدير إدارة البحث الجنائي بالقليوبية، ورئيس مباحث المديرية، إخطارًا من المقدم مصطفى دياب، رئيس مباحث قسم ثان شبرا الخيمة، يفيد بورود معلومات وتحريات حول قيام عدد من الأشخاص بمزاولة نشاط إجرامي في مجال الاتجار بالمواد المخدرة، واتخاذ دائرة القسم مسرحًا لترويج تلك المواد بين المواطنين.
وعلى الفور، جرى تكثيف التحريات وجمع المعلومات، والتي أكدت صحة ما ورد من معلومات، ليتم إعداد حملة أمنية استهدفت المتهمين عقب استصدار الإجراءات القانونية اللازمة.
وبمواجهة المتهمين، أقروا بحيازتهم للمواد المخدرة بقصد الاتجار، فيما تبين استخدام الهواتف المحمولة في التواصل مع عملائهم، وأن المبالغ المالية المضبوطة من متحصلات نشاطهم غير المشروع.
تم تحرير المحضر اللازم بالواقعة، وأُخطرت النيابة العامة التي باشرت التحقيقات واتخذت الإجراءات القانونية حيال المتهمين.