المواطنة ومسؤولية الحكومة
تاريخ النشر: 9th, February 2026 GMT
عمر بن قاسم السالمي
لا يستقيم أي خطاب جاد عن الواقع العُماني دون الاعتراف الصريح بأن الحكومة قد أدّت ما عليها في حدود مسؤوليتها التاريخية؛ فقد وفّرت الإطار العام للدولة، ورسمت السياسات، وأقامت المؤسسات، وسهرت على حفظ الاستقرار، وصانت الأمن بوصفه الأساس الذي لا تقوم تنمية بدونه. إن الدولة، حين تقوم بواجبها، إنما تهيّئ الأرض وتفتح الطريق وتضع الأدوات في متناول المجتمع، لكنها لا تستطيع أن تمشي نيابة عن أبنائه، ولا أن تُنتج بدلهم، ولا أن تزرع فيهم معنى المواطنة إن غاب عن الوعي.
فالمواطنة، في معناها العميق، ليست انتماءً صامتًا ولا امتثالًا شكليًا، بل وعيٌ بالدور، واستعدادٌ لتحمّل المسؤولية، وشعورٌ بأن الفرد جزء فاعل في معادلة الاستقرار لا مجرد مستفيد منه. حين يختزل المواطن المواطنة في المطالبة، ويُغفل جانب الالتزام، تتحول الدولة – مهما بلغت كفاءتها – إلى كيان يعمل تحت حملٍ مضاعف، لأنَّ غياب المشاركة الواعية يفرغ الجهد الرسمي من أثره الكامل. أما حين تُمارَس المواطنة بوصفها سلوكًا يوميًا، فإنها تصبح قوة داعمة للأمن، وحصنًا داخليًا يحمي المجتمع من التفكك قبل أن تحميه القوانين.
والأمن، في هذا السياق، ليس مجرد غياب للفوضى، أو وجود الأجهزة، بل هو حالة طمأنينة عامة تنشأ حين يلتزم الأفراد قبل أن تُلزمهم الأنظمة؛ فالأمن الحقيقي يُصنع حين يحترِم المواطن النظام لأنه يراه ضرورة أخلاقية، لا خوفًا من العقوبة وحدها، وحين يدرك أن العبث بالمصلحة العامة، مهما بدا صغيرًا، هو تهديد صامت لاستقرار المجتمع بأكمله. إن مجتمعًا يتواطأ فيه الأفراد على الإهمال، لا يمكن أن يحافظ على أمنه طويلًا، مهما بلغت جاهزية مؤسساته.
ومن هنا تتضح العلاقة العضوية بين المواطنة والأمن والتنمية؛ فالأمن يهيّئ المناخ، والمواطنة تفعّل الإمكانات، والتنمية هي الثمرة الطبيعية لهذا التلاقي. الدولة تحرس الإطار، لكن المواطن يملأه فعلًا ومعنى. وحين يختلّ هذا التوازن، تتباطأ الحركة، وتضيع الفرص، لا بسبب تقصير في التخطيط، بل بسبب ضعف في الإسهام الفردي. إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأوطان ليس العدو الخارجي، بل اللامبالاة الداخلية التي تنخر في الجهد العام دون ضجيج.
لذا فإن المرحلة الراهنة لا ينبغي أن تقتصر على مساءلة الدولة عمّا قدّمته، بل تتجاوز ذلك إلى مرحلة مساءلة المجتمع عمّا صنع بما أُتيح له من إمكانات، وكيف مارس دوره في حماية منجزاته وصون استقراره. فاستكمال البناء لا يتحقق بإضافة هياكل جديدة فحسب، وإنما بترسيخ وعيٍ مواطنيّ يرى في الأمن مسؤولية مشتركة، وفي العمل التزامًا أخلاقيًا، وفي احترام النظام شرطًا أساسًا للنهضة. وحين يكتمل هذا الوعي، يتحول الاستقرار من حالة تُدار من الأعلى إلى ثقافة متجذّرة في السلوك اليومي، وعندها فقط تستقيم المعادلة، ويأخذ الوطن موقعه الطبيعي في مسار التقدم.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
خبير اقتصادي: "حياة كريمة" المبادرة الأضخم تاريخياً لبناء المواطن المصري
أكد الدكتور بلال شعيب، الخبير الاقتصادي، أن مبادرة "حياة كريمة" تعد المبادرة الإنسانية والتنموية الأضخم في التاريخ الحديث بناءً على إشادات واسعة من كبرى المؤسسات المالية والمنظمات الدولية المهتمة بالتنمية المستدامة.
وأوضح في سياق حديثه خلال مداخلة هاتفية مع فضائية "إكسترا نيوز" أن المبادرة لا تستهدف تقديم الدعم المؤقت فحسب بل تركز بالأساس على استراتيجية بناء الإنسان المصري والتمكين الاقتصادي للمواطنين في القرى الريفية والأكثر احتياجاً بمختلف المحافظات.
طفرة تشغيلية ومخصصات طبية غير مسبوقة
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن المبادرة نجحت بالتكامل مع الجهود الحكومية والسياسات النقدية للبنك المركزي في تقليص معدلات البطالة في مصر بشكل قياسي لتنخفض من 13.5% إلى 6.1% بفضل التوسع في توفير فرص العمل.
واعتبر أن الطفرة التنموية شملت قفزة نوعية في القطاع الطبي والصحي حيث تجاوزت مخصصات الرعاية الصحية في الموازنة العامة للدولة حاجز ثمانمئة مليار جنيه تزامناً مع تسيير القوافل الطبية الشاملة ودمج المبادرات الرئاسية كمبادرة مئة مليون صحة.
آليات التمكين الاقتصادي والمشروعات الصغيرة
وعن ملف التمكين الاقتصادي أفاد بأن المبادرة تعمل كحلقة وصل وتنسيق بين الأجهزة الحكومية والمواطنين لدمج الشباب والمرأة في القطاع الخاص عبر تيسير الحصول على تمويلات البنك المركزي للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر بعائد منخفض لا يتجاوز 5%.
ولفت إلى أن برامج التأهيل والتدريب بالتعاون مع جهاز تنمية المشروعات الصغيرة وبرنامج "فرصة" التابع لوزارة التضامن الاجتماعي تسهم بشكل مباشر في رفع جودة العمالة المصرية وفتح أسواق عمل جديدة محلياً ودولياً بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي.
مواجهة التضخم العالمي وأهمية العنصر البشري
وذكر أن هذه المبادرات التكافلية وحزم الحماية الاجتماعية لاسيما قوافل المواد الغذائية واللحوم والمستلزمات المدرسية توفر شبكة أمان حقيقية للأسر البسيطة في مواجهة موجات التضخم العالمي والركود الذي يعاني منه الاقتصاد الدولي جراء الأزمات والديون المتراكمة.
واختتم شعيب تحليله بالإشارة إلى أن المورد البشري يمثل الثروة الاقتصادية الأهم للدولة المصرية لكون المجتمع مصنفاً كمجتمع شاب يمثل الشباب فيه 65% من التركيبة السكانية مما يجعل الاستثمار في صحتهم وتعليمهم المحرك الأساسي لزيادة الإنتاج والناتج المحلي.
اقرأ المزيد..